محللون لـ أرقام: تحسينات سوق المشتقات تعالج تحديات السيولة والتكلفة وتدعم النشاط

شاشة تداول السوق السعودي
دخل سوق المشتقات المالية السعودي مرحلة جديدة من التطوير، مع بدء تطبيق حزمة من التحسينات الهيكلية التي تستهدف تعزيز السيولة ورفع كفاءة التداول وتحسين استخدام رأس المال، في خطوة يُنتظر أن تسهم في توسيع قاعدة المشاركين وزيادة فاعلية السوق.
وكانت تداول السعودية وشركة مركز مقاصة الأوراق المالية قد بدأتا في 19 أغسطس 2026 تطبيق التحسينات الجديدة على العقود المستقبلية لمؤشر MT30 والعقود المستقبلية للأسهم المفردة، والتي شملت عدداً من الجوانب المرتبطة بصناعة السوق والرسوم والهوامش وآليات المقاصة.
ويأتي ذلك بعد نحو 6 سنوات من انطلاق سوق المشتقات المالية في المملكة، الذي بدأ رسمياً في 30 أغسطس 2020 بإدراج العقود المستقبلية لمؤشر MT30 كأول منتج مشتقات مالية في السوق.
وفي هذا السياق، قال عدد من المحللين لـ أرقام، إن التحسينات الأخيرة تعالج عدداً من العوامل التي حدّت من نمو السوق خلال الفترة الماضية، وفي مقدمتها السيولة وعمق السوق وتكلفة التداول وكفاءة استخدام رأس المال.
ضعف السيولة لا نقص المنتجات
وقال محمد السويّد، الرئيس التنفيذي لشركة رزين كابيتال، إن التعديلات الحالية تستهدف جوهر التحدي في سوق المشتقات، خصوصاً مع تعزيز التزامات صناع السوق، وتفعيل أكثر من صانع سوق، وخفض الرسوم، إلى جانب تحسين آلية احتساب الهوامش والمقاصة.

محمد السويّد، الرئيس التنفيذي لشركة رزين كابيتال
وأضاف أن العائق الأساسي أمام تطور السوق لم يكن نقص المنتجات بقدر ما كان ضعف السيولة وعمق السوق، وما يرتبط بذلك من اتساع فروقات الأسعار وارتفاع تكلفة التداول وانخفاض كفاءة استخدام رأس المال.
وأشار إلى أن الحكم على نجاح التحسينات لا ينبغي أن يعتمد على النشاط الذي قد يظهر في المرحلة الأولى فقط، وإنما على قدرة السوق على المحافظة على مستويات السيولة والعمق بعد انتهاء الحوافز والإعفاءات.

د. عبدالله السلوم أستاذ المالية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
من جانبه، قال د. عبدالله السلوم، أستاذ المالية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إن سوق المشتقات لا يزال حديثاً نسبياً مقارنة ببقية الأسواق، ولذلك فإن نموه يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بوضوح البيئة التشريعية والتنظيمية، مروراً بملاءمة العقود وتنوعها لفئات المتعاملين، وصولاً إلى انخفاض التكلفة وتحسين كفاءة الهوامش.
وأضاف أن المشتقات تستمد قيمتها بطبيعتها من أصول أخرى، ولذلك فإن ارتفاع سيولة الأسهم أو المؤشرات التي تستند إليها العقود يسهم في تحفيز الطلب عليها، في حين أن ضعف تداول الأصل الأساسي قد يشكل تحدياً أمام تسعير هذه الأدوات ونمو السوق.
الطلب موجود.. والسيولة كانت تحد من ظهوره
وبيّن السويّد أن هناك طلباً كامناً على منتجات المشتقات المالية من الناحية الاقتصادية، خصوصاً من مديري الأصول والصناديق والمكاتب العائلية والمؤسسات التي تحتاج إلى التحوط وإدارة انكشافها على السوق السعودي.
وأضاف أن وجود الحاجة إلى هذه المنتجات لا يعني بالضرورة نشوء سوق نشط، مبيناً أنه في حال محدودية السيولة واتساع فروقات الأسعار وارتفاع تكلفة الدخول والخروج، قد يفضل المستثمر بيع الأسهم نفسها بدلاً من استخدام المشتقات للتحوط.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية ستوفر اختباراً أوضح لحجم الطلب الفعلي، بعد إزالة جانب مهم من القيود المرتبطة بالتكلفة والبنية التشغيلية.
من جهته، قال قيصر نور، المدير الإداري للاستراتيجية في RSM، إن التحدي الذي واجه السوق منذ إطلاقه كان مرتبطاً بتسلسل بناء مكوناته أكثر من كونه ضعفاً هيكلياً في الطلب، إذ توسعت السوق في المنتجات والبنية التحتية للمقاصة بوتيرة أسرع من بناء طبقة مستمرة من السيولة والأسعار ثنائية الجانب التي تعتمد عليها أسواق المشتقات.
وأضاف أن الطلب لم يكن المشكلة الأساسية في سوق تتجاوز فيها قيمة تداولات الأسهم النقدية نحو 5.7 مليار ريال يومياً، فيما تتجاوز ملكية المستثمرين الأجانب 457 مليار ريال، مبيناً أن العنصر المفقود كان وجود أسعار عرض وطلب مستمرة، إلى جانب تكلفة تداول وكفاءة رأسمالية تسمح بتنفيذ الصفقات بصورة متكررة.
صناع السوق أبرز عناصر التحسينات
وأوضح نور أن تحديث إطار صناعة السوق يمثل، من وجهة نظره، التحسين الأعلى أثراً ضمن الإجراءات التي دخلت حيز التنفيذ في 19 أغسطس، مشيراً إلى توقيع تداول السعودية اتفاقيات مع الأهلي المالية لصالح 5 صناع سوق للمشتقات، وبدء نشاط صناعة السوق خلال أغسطس 2026.
وأشار إلى أن الإجراءات الأخرى تدعم الجدوى الاقتصادية لصناعة السوق، ومن بينها تعديل الحد الأدنى لحركة سعر العقود المستقبلية للأسهم المفردة من 0.05 ريال إلى 0.10 ريال، بما يعادل 10 ريالات للعقد، إلى جانب توافر العقود المستقبلية على 10 من أكبر الشركات السعودية من حيث القيمة السوقية في عدد من القطاعات.
وقال إن وجود أسعار عرض وطلب مستمرة يتيح بصورة أفضل تنفيذ استراتيجيات التحوط والفروقات والمراجحة، فيما تعمل تخفيضات الرسوم وتحسينات الهوامش على تعزيز أثر صناعة السوق وليس استبدالها.
من جانبه، رأى السلوم أن التحسينات في منظومة السوق ككل ترسل إشارة إيجابية بشأن رفع جاذبية وجدوى التعامل في المشتقات لمختلف فئات المشاركين، مشيراً إلى أن التفعيل الحقيقي لدور صناعة السوق قد يكون من أكثر العناصر تأثيراً في تحقيق نتائج ملموسة على مستوى السيولة والنشاط.
الرسوم تنخفض بما يصل إلى 91 %
وفيما يتعلق بتكلفة التداول، قال نور إن الرسوم كانت تمثل أحد العوائق الفعلية أمام نمو النشاط، مشيراً إلى أن رسوم تداول العقود المستقبلية لمؤشر MT30 انخفضت من 25 ريالاً إلى 7 ريالات لكل طرف، بما يعادل انخفاضاً بنسبة 72 %.
وأضاف أن رسوم التسوية النهائية للعقد انخفضت من 30 ريالاً إلى 2.8 ريال، بتراجع يقارب 91 %، فيما تحولت رسوم تداول العقود المستقبلية للأسهم المفردة من تسعير يعادل 2.5 نقطة أساس إلى رسم ثابت قدره 1.4 ريال، إضافة إلى خفض رسوم التسوية من 3 نقاط أساس إلى 0.504 ريال.
وأوضح أن تكلفة الدخول والخروج من مركز على العقود المستقبلية لمؤشر MT30 أصبحت تبلغ نحو 14 ريالاً كرسوم تداول مقابل قيمة اسمية تقارب 100 ألف ريال للعقد، مقارنة بنحو 5 نقاط أساس سابقاً، فيما تؤدي الإعفاءات من رسوم التداول والتسوية النهائية لمدة عام إلى خفض التكلفة بصورة إضافية خلال مرحلة تنشيط السوق.
وأكد أن أهمية التحسين لا تقتصر على فترة الإعفاء، إذ سيعود المشاركون بعد انتهائها في أغسطس 2027 إلى هيكل رسوم دائم أقل من المستويات السابقة، ما يدعم استدامة النشاط على المدى الأطول.
كفاءة رأس المال عامل حاسم للمؤسسات
وأشار نور إلى أن تحسين كفاءة الهوامش قد يكون من أكثر التعديلات تأثيراً في جذب المؤسسات، موضحاً أن زيادة إمكانية احتساب الهوامش بصورة صافية بين المراكز وآجال الاستحقاق المختلفة تسمح بمعاملة المراكز المتقابلة والمحافظ المتحوطة على أساس صافي المخاطر بدلاً من احتسابها بشكل إجمالي.
وأضاف أن ذلك يؤدي إلى خفض حجم الضمانات المطلوبة مقابل كل وحدة من الانكشاف، وهو أمر مهم لمديري الأصول الذين يستخدمون استراتيجيات التحوط، وكذلك لشركات التداول الاحترافي التي تعتمد عوائدها بصورة كبيرة على كفاءة رأس المال المستخدم.
وأشار إلى أن إزالة مضاعفات الهوامش لبعض فئات المستثمرين تساعد كذلك على مواءمة متطلبات رأس المال مع مستوى المخاطر الفعلي، مبيناً أن مضاعف عقد MT30 يبلغ 100 ريال، وبالتالي فإن العقد الواحد يعادل نحو 100 ألف ريال من القيمة الاسمية عند مستوى 1000 نقطة للمؤشر، ما يجعل أي تحسن في متطلبات الهامش ذا أثر متراكم عند بناء محافظ كبيرة.
وأضاف نور أن أهمية التحسينات لا تقتصر على خفض متطلبات رأس المال، بل تمتد إلى تعزيز الشفافية والجاهزية التشغيلية للمؤسسات، مشيراً إلى أن إتاحة حاسبة الهوامش من «مقاصة» تتيح للمشاركين تقدير متطلبات الهامش مسبقاً على مختلف منتجات المشتقات المدرجة.
وأشار إلى أن الربط مع منصة FIS يتيح للأعضاء الوصول بشكل فوري إلى بيانات الصفقات والضمانات ومتطلبات الهامش، بما يدعم جاهزية المؤسسات ويعزز كفاءة إدارة المخاطر والتشغيل.
وقال السلوم إن تحسين كفاءة الهامش وخفض تكاليف التداول يعززان بدرجة كبيرة جاذبية المشتقات للمؤسسات ومديري الأصول، إذ يتيح انخفاض متطلبات الهامش بناء مراكز للتحوط دون الحاجة إلى تجميد جزء كبير من السيولة، ما يرفع كفاءة استخدام رأس المال داخل المحافظ.
وأضاف أن خفض رسوم التداول والمقاصة والتسوية يقلل التكلفة الإجمالية، خصوصاً بالنسبة للمؤسسات التي تعيد موازنة مراكزها بصورة متكررة، كما يرفع جدوى نشاط صناع السوق من خلال خفض تكلفة الاحتفاظ بالمراكز وتنفيذ الصفقات، بما يدعم تقديم أسعار شراء وبيع أكثر تنافسية.
وأشار إلى أن خفض الرسوم وتحسين الهامش لا يكفيان وحدهما لضمان نمو السوق، إذ يتطلب ذلك أيضاً توافر سيولة مستمرة، ووجود صناع سوق فاعلين، وطرح عقود تتناسب مع احتياجات المحافظ واستراتيجيات التحوط المختلفة.
ما مؤشرات نجاح التحسينات؟
وقال السويّد إن تقييم نجاح الإجراءات الجديدة يحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من حجم التداول، موضحاً أن العقود المفتوحة (Open Interest) تعد من أهم المؤشرات، لأنها تظهر ما إذا كانت هناك مراكز فعلية يتم الاحتفاظ بها لأغراض التحوط أو الاستثمار.
وأضاف أن المؤشرات التي ينبغي مراقبتها تشمل كذلك فروقات أسعار العرض والطلب، وعمق دفتر الأوامر، واستمرار النشاط عبر آجال الاستحقاق المختلفة، إضافة إلى نمو مشاركة المؤسسات ومديري الأصول والمكاتب العائلية والمتداولين المحترفين، ثم يأتي بعد ذلك نمو حجم التداول واتساع قاعدة المشاركين.
وقال إن ارتفاع حجم التداول يشير إلى أن السوق أصبح أكثر نشاطاً، لكن ارتفاع العقود المفتوحة وتحسن عمق السوق وتقلص فروقات الأسعار هي المؤشرات التي تظهر أن السوق أصبح أكثر فاعلية من الناحية العملية.
من جانبه، وصف نور المؤشرات الأولية عقب تطبيق التحسينات بأنها مشجعة، مشيراً إلى أنه حتى 25 أغسطس 2026 سجلت العقود المستقبلية لمؤشر MT30 والعقود المستقبلية للأسهم المفردة مجتمعة أكثر من 1000 صفقة، تجاوزت 5 آلاف عقد، بقيمة تداول فاقت 220 مليون ريال.
وأضاف أن فروقات أسعار العرض والطلب وعمق السيولة تمثل الاختبار الأول لفاعلية إطار صناعة السوق، فيما تعد العقود المفتوحة المؤشر الأكثر أهمية للتأكد من أن المستثمرين يبنون مراكز فعلية ويحتفظون بها، وليس مجرد تنفيذ تداولات قصيرة الأجل.
وأشار إلى أن اتساع قاعدة المشاركين يمثل المؤشر الهيكلي الأهم على المدى المتوسط، إضافة إلى مراقبة عمليات ترحيل المراكز عند تواريخ الاستحقاق الفصلية ومدى تنفيذها بكفاءة وفروقات سعرية محدودة.
بدوره، قال السلوم إن أبرز المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس نجاح التحسينات تشمل ارتفاع أحجام التداول، وزيادة عدد المستثمرين المشاركين، وتحسن السيولة، وانخفاض الفارق بين أسعار الشراء والبيع، إلى جانب زيادة استخدام المشتقات في التحوط وإدارة المخاطر، واتساع مشاركة المؤسسات والمستثمرين الأجانب.
وأضاف أن المؤشر الأهم يتمثل في استمرارية هذا التحسن على المديين المتوسط والطويل بعد انتهاء الإعفاءات والحوافز المؤقتة، موضحاً أنه إذا حافظ السوق على السيولة ونمو العقود المفتوحة واتساع قاعدة المشاركين بعد انتهاء الإعفاء الكامل من رسوم تداول العقود المستقبلية ورسوم التسوية النهائية لمدة عام، فإن ذلك سيعكس وجود طلب حقيقي ومستدام وليس نشاطاً مؤقتاً مدفوعاً بانخفاض التكلفة فقط.
خيارات المؤشر قد تكون الخطوة التالية
وحول إمكانية التوسع في المنتجات مستقبلاً، قال السويّد إن نجاح التحسينات الحالية قد يفتح الباب أمام منتجات أوسع، مثل خيارات المؤشر، لكنه يرى أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب ألا تكون زيادة عدد المنتجات.
وأضاف أن الأهم هو بناء سيولة وعمق حقيقيين في العقود المستقبلية الحالية، موضحاً أن إدراج المنتج يختلف عن بناء سوق نشط ومستمر له.
وأشار إلى أنه في حال نجاح المرحلة الحالية في بناء سوق عميق للعقود المستقبلية على مؤشر MT30 والأسهم المفردة، فإن خيارات المؤشر ستكون خطوة طبيعية ومفيدة للمؤسسات لإدارة المخاطر والتقلبات بصورة أكثر دقة.
بدوره، قال نور إن السوق السعودية قطعت بالفعل شوطاً في هذا الجانب مع إدراج خيارات الأسهم المفردة منذ عام 2023 على أسهم أرامكو السعودية ومصرف الراجحي وإس تي سي وسابك، ما يعني أن البنية التنظيمية والتشغيلية للمقاصة والتسوية الخاصة بالخيارات قائمة بالفعل.
وأضاف أن التوسع في الخيارات يحتاج قبل كل شيء إلى منحنى عميق ومستمر للأسعار في سوق العقود المستقبلية، إلى جانب وجود صناع سوق متخصصين في الخيارات، وتوسيع كفاءة الهوامش للمراكز متعددة الأدوات، ورفع جاهزية الوسطاء واستمرار توعية المشاركين.
المؤسسات وصناع السوق يقودون المرحلة الأولى
وقال السويّد إن المؤسسات وصناع السوق والمتداولين المحترفين ينبغي أن يقودوا المرحلة الأولى من نمو سوق المشتقات، نظراً إلى أن هذه الأدوات تستخدم أساساً في إدارة المخاطر وتحسين كفاءة رأس المال، وهي استخدامات تظهر بصورة أكبر لدى المؤسسات ومديري المحافظ.
وأضاف أن المستثمر الفرد يمكن أن يشكل جزءاً مهماً من السوق مستقبلاً، إلا أن ارتفاع مشاركة الأفراد لا ينبغي أن يكون المقياس الرئيسي لنجاح السوق.
وأشار إلى أن السوق الصحي يبدأ بصانع سوق يوفر السيولة، ومؤسسات لديها احتياجات للتحوط وإدارة الانكشاف، ومتداولين محترفين يدعمون المراجحة واكتشاف الأسعار، قبل أن تتوسع قاعدة المشاركين بصورة تدريجية.
وأكد أن الاختبار الحقيقي لنجاح المرحلة الحالية يتمثل في تحول المشتقات إلى أداة طبيعية لإدارة المخاطر في السوق السعودية، موضحاً أنه عندما يستطيع مدير الصندوق خفض انكشاف محفظته من خلال العقود المستقبلية بدلاً من الاضطرار إلى بيع الأسهم نفسها، فإن ذلك يمثل تغيراً فعلياً في بنية السوق وليس مجرد إضافة منتج جديد.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: