عبد العزيز الغرير في حوار مع "الخليج": الحل الوحيد.. مزيد من السيولة الحكومية
حذر عبدالعزيز الغرير الرئيس التنفيذي لبنك المشرق من التأخر في اتخاذ الاجراءات الضرورية لمعالجة الأزمة الاقتصادية الراهنة، معتبراً أن الوضع الحالي سيصبح اسوأ إذا لم يتم التحرك الآن واستكمال الاجراءات الحكومية التي جرى تطبيقها فعلاً، وذلك من خلال ضخ المزيد من السيولة الى البنوك لتستأنف عمليات الاقراض لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني .
ورأى الغرير الذي يرأس المجلس الوطني الاتحادي أن الوقت لا يزال متاحاً للتحرك لكن ضمان التعافي خلال مدى زمني مناسب يعتمد على طبيعة وسرعة الاجراءات التي يتم اتخاذها الآن لتحريك العجلة الاقتصادية وتجنب الدخول في حالة الكساد متوقعاً أن يكون التراجع في النشاط الاقتصادي قد وصل الى مستوى القاع الذي يمهد للارتداد عبر تحسن حركة الاقتصاد مجدداً وإن كان الوصول إلى تلك المرحلة سيستغرق فترة زمنية قد تمتد طوال العام الحالي وبداية العام المقبل .
وأكد في حوار شامل مع “الخليج” أن الوضع الاقتصادي في الدولة يظل أفضل من الأوضاع الحالية في الدول الأخرى لأن لدينا الامكانات لمعالجة الأزمة، وبرغم الصعوبات فإن وضعنا هو الأفضل على المستوى الخليجي لأن ما أنجزناه في المرحلة الماضية على صعيد النمو الاقتصادي يؤهلنا للخروج من الوضع الحالي بسرعة أكبر من بقية دول المنطقة .
وأضاف أن المرحلة الراهنة توفر للقطاع المصرفي الفرصة لاعادة ترتيب البيت الداخلي، وقد حان الوقت لوقف التسابق على نمو الارباح بين البنوك والتوجه لوضع أكبر قدر ممكن من المخصصات والاحتياطيات لمواجهة التطورات الراهنة، معتبراً أن الخيار الأفضل في ظل الوضع الحالي على صعيد الشركات المساهمة عموماً عدم توزيع ارباح على المساهمين وابقاء الأموال لدى الشركات لمعالجة الصعوبات مع امكانية العودة إلى توزيع ارباح بعد ستة أشهر اذا تحسن الوضع الاقتصادي .
ودعا الشركات الحكومية والخاصة الى الالتزام بسداد الدفعات المترتبة عليها بموجب اتفاقيات التسديد لمنفذي مشاريعها، موضحاً أن توقف هذه الشركات عن السداد سيعطل تدفق السيولة في سلسلة طويلة من الاعمال تبدأ من المقاول الرئيسي الى المقاولين الثانويين المتعاقدين معه وتصل الى الموردين والتجار .
وتالياً نص الحوار:
* كيف ترى فرص معالجة الأزمة الاقتصادية الراهنة؟
- أتاحت لي مشاركتي في منتدى دافوس الاطلاع على أهم الافكار التي تجري مناقشتها عالمياً الآن للخروج من الأزمة، فهناك اتفاق على ضرورة اعادة هيكلة البنوك وضخ رأسمال جديد اليها والأهم من ذلك ضخ السيولة فيها لتبدأ من جديد بالتمويل وتستأنف الاقراض، حيث اتفقت الآراء على أن تحريك عجلة الاقراض هو الخطوة الأساسية لمعالجة الأزمة .
كما جرت مناقشة قضية تحرير التجارة في ظل المستجدات الراهنة وكان هناك اتفاق على ضرورة السير قدماً في تحرير التجارة عبر تفعيل جولة الدوحة لمفاوضات التجارة العالمية .
وفي تديد المسؤوليات عن الأزمة العالمية اتسعت قائمة المسؤولين عنها لتشمل أجهزة الرقابة التي بات مطلوباً التنسيق بينها في اطار نظام عالمي يحقق الانسجام بين هذه الاجهزة وشملت القائمة كذلك رؤساء الحكومات ومؤسسات التقييم وصولاً إلى مدققي الحسابات ورؤساء مجالس الادارة والطمع والجشع لدى بعض المدراء والموظفين .
لكن الآراء اتفقت كذلك على أن الأهم الآن هو ايجاد الحلول بعد أن اتضح أن الأزمة تقترب من حدود الانهيار الاقتصادي الذي يشمل العالم بأكمله وإن كانت قد بدأت بمشكلة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وبريطانيا .
لقد كانت النظرة السابقة للأزمة تعتبر أن الاقتصاد العالمي سيظل قادراً على التخفيف من آثارها عبر النمو في الاقتصادات الصاعدة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل التي تستطيع أن تقوم بدور المحرك للاقتصاد العالمي في ظل الانكماش الذي يحدث في الاقتصاد الأمريكي والاوروبي، ولكن اتضح أن الأزمة تضرب العالم بأكمله وتحدث رئيس الوزراء الصيني في المنتدى عن تراجع النمو لديهم الى 8% كما أن الدول النامية تتأثر بقوة لأنها تعتمد على تصدير المواد الخام الى الاقتصادات المتأثر بالأزمة .
استعرض المنتدى الذي حضره في هذه الدورة أكثر من 40 رئيساً ووزراء المالية والاقتصاد في العديد من دول العالم واكتسب اهمية خاصة مع تركيزه على الأزمة الاقتصادية السبل المتاحة للحكومات من أجل تأمين الموارد المالية اللازمة لضخ السيولة عبر البنوك الى النشاط الاقتصادي، حيث تراوحت مصادر التمويل للحكومات بين أموال الضرائب التي أصبح محتماً الآن استخدامها في معالجة الأزمة أو اللجوء الى الاقتراض كما تفعل الحكومة الأمريكية التي لا توجد لديها قيود تمنعها من ذلك بينما الدول الأوروبية مقيدة بالحدود المفروضة على حجم العجز في النظام المالي للاتحاد الاوروبي، وبالنسبة للدول التي استطاعت خلال السنوات الماضية تكوين احتياطيات مالية ونقدية مثل الصين والهند وكوريا فينبغي استخدام هذه الاحتياطيات الآن وقد بدأت الصين باستخدام هذه الاحتياطيات .
من هنا جاءت دعوتنا في المنتدى الى استخدام الدولة أموال الصندوق السيادي من أجل تحريك عجلة الاقتصاد محلياً خصوصاً واننا لا نحتاج عملياً إلى البند الأول الذي طرحه المنتدى لمعالجة الأزمة وهو اعادة هيكلة البنوك عبر ضخ رأسمال جديد إليها لأن كفاية رأس المال في البنوك المحلية تصل الى 14% وهي أعلى بكثير من النسبة العالمية .
* إلى أي مدى يمكن اللجوء إلى أموال الصندوق السيادي وقد جرى استثمارها في اصول يصعب تسييلها الآن دون تكبد خسائر كبيرة؟
- الجزء الأكبر من الأموال السيادية مستثمرة في أصول لكن يبقى هناك نسب مهمة منها سيولة متاحة لتحريك عجلة الاقتصاد محلياً كما أن الصندوق السيادي يمكنه أن يقترض اعتماداً على ما لديه من اصول .
* وما المصادر الأخرى التي يمكن اللجوء إليها لتمويل ضخ السيولة في الدولة؟
- هناك مصادر عديدة، فمن الممكن اصدار سندات من قبل الحكومة الاتحادية وطرحها في سوق السندات العالمي الذي لا يزال يؤمن الأموال لمؤسسات وشركات خاصة، ولذلك فمن الطبيعي أن يقوم بشراء السندات الصادرة عن الحكومة في دولة نفطية لديها سجل رائع من الأداء الاقتصادي .
* ما أفضل الطرق لضخ السيولة الى الاقتصاد بعد تأمين الموارد المالية اللازمة؟
- الحكومة لديها خيارات عدة لضخ السيولة، فمن الممكن أن يتم وضع الأموال في البنوك كودائع حكومية وتتولى البنوك اقراضها للمستثمرين، كما تستطيع الحكومة أن تشتري الديون الكبيرة من البنوك وخصوصاً الديون السيادية المستحقة على جهات حكومية، وبالتالي يمكن استخدام السيولة الناجمة عن شراء هذه الديون لتنشيط الاقراض، كما يمكن ان يتولى المصرف المركزي الاقراض مباشرة، وهذا يحصل الآن في دول عدة، حيث يتم تحديد القطاعات الحيوية كالقطاع النفطي مثلا واقراض المستثمرين في هذه القطاعات .
هذه الطرق يمكن استخدامها للاستفادة من الأموال السيادية وهناك خيارات كثيرة لضخ السيولة، لكن الأمر الأساسي هو ضرورة تحريك العجلة الاقتصادية عبر استئناف البنوك لعمليات الاقراض وعندما تحصل البنوك على السيولة ستقوم بالاقراض لأن هذا هو مصدر دخلها الرئيسي مع وضع ضوابط تؤمن عدم الافراط في اعطاء القروض .
* هل تؤيد وضع سقف أعلى لأسعار الفائدة على الإقراض؟
- القروض التي تمنحها البنوك تشمل فترات طويلة ولذلك يفترض أن تكون الاسعار تنافسية وتبعاً للكلفة التي تدفعها للحصول على الودائع، وتتحدد الأسعار كذلك بحسب القطاع الذي يجري اقراضه فقطاع البطاقات الائتمانية يختلف عن القطاع العقاري وقطاع الشركات، لأن وضع سقف للفائدة على الاقراض قد يجعل البنوك تحجم عن التوسع في الاقراض خصوصاً وأن درجة المخاطرة مرتفعة في بعض القطاعات مثل قطاع الحرف والاستثمارات الصغيرة .
كذلك ينبغي أن لا يتم تعميم الاجراءات دون النظر الى وضع كل بنك على حدة من حيث توسعه في الاقراض، فعندما يكون هناك بنك ليس لديه نسبة مهمة من القروض العقارية يفترض السماح له بالتوسع فيها بينما بنك آخر نسبة هذه القروض لديه مرتفعة يفترض ان يتم ضبط النسبة وتخفيضها .
*هل التوقيت الذي تتخذ فيه قرارات المعالجة لدينا يتناسب مع سرعة تطور الأزمة أم هناك تأخير في اتخاذ القرارات؟
إحدى القضايا التي جرى التركيز عليها في دافوس السرعة في اتخاذ القرارات، فقد اتفقت الآراء على ضرورة التحرك فوراً، لأن التأخر يعقد المشكلات، وبالنسبة لنا في الامارات لا يزال الوقت متاحا للتحرك فحتى لو كان هناك بعض التأخر نحن لا نزال الاسرع في اتخاذ القرارات مقارنة مع دول المنطقة والخيارات واضحة ومن ضمنها إمكانية تخفيض النمو في بعض القطاعات وزيادته وفي قطاعات اخرى .
* ولكن هناك تأخراً في الدفعات المستحقة على بعض الشركات الخاصة والحكومية يعطل عملياً تدفق السيولة في الاقتصاد، ما الطرق المتاحة لمعالجة هذه المشكلة؟
- من الضروري ان تلتزم الشركات الحكومية والخاصة بسداد الدفعات المستحقة عليها في تنفيذ مشاريعها، فعندما تتوقف هذه الشركات عن السداد هناك سلسلة طويلة مرتبطة بها ستتعثر في سداد التزاماتها بدءاً من المقاول الرئيسي مروراً بالمقاولين الثانويين الذين تعاقد معهم هذا المقاول وصولاً إلى الموردين والتجار الذين يقومون بتزويد المشروعات باحتياجاتها .
ولذلك فإن الالتزام بسداد الدفعات وفقاً للاتفاقيات مع المقاولين هو أمر أساسي لحماية الاقتصاد من تفاعلات أسوأ للأزمة، وفي حال لم تتمكن بعض الشركات الحكومية وشبه الحكومية من سداد التزاماتها يمكن اللجوء إلى اصدار سندات بهذه الالتزامات للمستحقين تنص على تأجيل سدادها الى فترات لاحقة ولكنها مضمونة .
هنا يمكن ان يلجأ المستحقون الى البنوك لتقوم بشراء هذه السندات مع خصم جزء من قيمتها مقابل تسديدها لهم فوراً لتتقاضاها البنوك لاحقاً من الشركات بكامل القيمة وتحقق بها ربحاً، وإن كنت آمل ان لا نضطر في الدولة لاستخدام هذه الوسائل لضمان المستحقات خصوصاً وان البنوك ليس لديها السيولة التي تمكنها من شراء السندات المصدرة للمستحقين، لذلك فإن العامل الحاسم في المعالجة هو ضرورة توفير السيولة للبنوك .
* هل نفهم من ذلك انه لا يمكن التفاؤل بتحسن الوضع الاقتصادي في فترة قصيرة؟
- انا متفائل بأن هذه الأزمة ستعلمنا دروساً كثيرة، فلم يكن لدينا فرصة في السابق لمراجعة عملنا والأزمة توفر لنا هذه الفرصة الآن، وعلى صعيد القطاع المصرفي والاقتصادي عموماً تتاح لنا حالياً امكانية ترتيب البيت الداخلي بطريقة افضل، أما على صعيد امكانية تحسن الوضع الاقتصادي فينبغي ان نحدد النقطة التي بلغناها في مسار الأزمة ليتقرر مستوى التفاؤل الممكن .
وبرأيي اننا وصلنا إلى نقطة القاع لكننا قد نسير معها لفترة تمتد طوال العام الحالي وبداية العام المقبل بعدها يأتي الارتداد، لكن ذلك يتوقف على الاجراءات التي تعتمد لمعالجة الأزمة، فإذا لم تتخذ اجراءات للمعالجة اخشى ان وضعنا سيسوء أكثر، اذا بقينا نراوح في مكاننا فهذا لن يكون في صالح اقتصادنا، ولا بد ان نستكمل القرارات الحكومية التي صدرت بهدف ايجاد الحلول ونحن عموماً في وضع أفضل مقارنة بالكثير من الدول فلدينا من الامكانات ما يمكننا استخدامه الآن .
رغم كل ما حدث فما زال وضعنا أفضل من باقي الدول الخليجية عندما ننظر إلى مستوى النمو الذي حققناه فأصبحنا ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة بعد السعودية واذا جرت المقارنة على أساس مستوى الناتج المحلي الاجمالي للفرد فنحن في موقع متقدم على الدول الأخرى باستثناء قطر ولدينا انجازات اساسية على صعيد البنية التحتية وفي السياحة والتجارة والعقار ولدينا فائض مالي ونقدي وصندوقنا السيادي هو الأكبر وقطاعنا المصرفي في المقدمة حيث تقترب أصوله من 1،5 تريليون درهم كل هذه المعطيات تجعل قدرتنا على المعالجة كبيرة وتضعنا في موقع أفضل على الصعيد الخليجي، وحتى في القطاع العقاري ينبغي رؤية الأمور في اطار اتساع حجم هذا القطاع لدينا مقارنة بالدول الأخرى، ولذلك يفترض ان نتخذ قرارات اساسية، فتبعاً لحجم اقتصادك تصبح مطالباً بقرارات للمعالجة حتى على النطاق العالمي القرارات الأهم تطلب من الولايات المتحدة لأن اقتصادها اساسي في حركة الاقتصاد العالمي .
* هل بالغت اسواق الأسهم المحلية في تقييمها للشركات المساهمة عند المستويات السعرية الحالية شديدة الانخفاض؟
- أسهم الشركات ظلمت في التقييم الذي تعطيه لها الأسواق في ظل الاوضاع الحالية، وهو تقييم لا يأخذ مستوى أداء الشركات برغم الصعوبات، في السابق كان المستثمرون يشترون الأسهم عند مضاعفات ربحية تصل إلى 20 ضعفاً والآن عند 3 أضعاف ولا يوجد من يشتري والواقع أن الهبوط الحاد للأسهم يرجع إلى ان الاسواق أصبحت هي القناة الوحيدة للحصول على السيولة بالنسبة للمستثمر الذي تضطره الظروف الحالية لتأمين الأموال بأي ثمن فيقوم بتسييل أسهمه مهما كانت خسائره فيها .
* هل تؤيد فرض قيود على حركة الاموال الساخنة الأجنبية باعتبارها أحد أسباب الأزمة الحالية؟
- المطلوب هو قيام الاجهزة الرقابية بمتابعة حركة الأموال الساخنة الاجنبية في الدولة عند دخولها وخروجها والأهم هو معرفة حجمها عند الدخول، فالمفروض ان قسم الاحصاء لدى المصرف المركزي يرصد دخول هذه الاموال ليتم وضع قيود احترازية على اعتماد البنوك عليها في حركتها الائتمانية خصوصا وان الأزمة الآسيوية في أواخر التسعينات أظهرات مدى الضرر الذي تحدثه الاموال الساخنة اذا لم تضبط حركتها ومن الضروري أن نحسن أداء اجهزتنا على هذا الصعيد لكي تكون لدينا اجراءات استباقية للأزمات بدلاً من انتظار حدوثها لنبدأ بالمعالجة .
* أي مدى حدث نوع من الاستهداف الاعلامي للنموذج الاقتصادي في الدولة خلال الأزمة الراهنة؟
- سئلت في دافوس عن النموذج الاقتصادي الذي تتبعه الدولة وأعربت للسائلين عن قناعتي بنجاح هذا النموذج وسعي العديد من دول المنطقة لاتباعه بعد أن نجح في تحقيق انجازات اساسية اصبحنا معها أكبر شريك تجاري في المنطقة للعديد من الاقتصادات المتقدمة في العالم مثل بريطانيا وايطاليا وألمانيا، وهذا دليل نجاح في تحرير الاقتصاد والانطلاق في الابتكار لجعل الدولة واحة للمشاريع التجارية .
ولذلك فإن النجاح جعل الانظار تتركز على تجربتنا والإعلام يرصدها باهتمام خصوصاً وأن هناك الكثير من الاجانب الذين استثمروا في اقتصادنا وترتبط مصالحهم بنموه وقد تعودوا على نمو كبير في ارباحهم لذلك يعتبرون تراجع هذا النمو ضرراً لهم، هذا على النطاق العالمي أما إقليمياً فهناك آراء تؤيد نماذج اقتصادية طبقتها دول أخرى تقوم على تدخل الحكومة في كافة تفاصيل الحركة الاقتصادية، وهؤلاء يعتبرون أن الأزمة الحالية تدعم وجهة نظرهم لكنني مقتنع ان ما أنجزناه سيثبت في المحصلة مدى قدرتنا على مواجهة الأزمة وهذا دليل نجاح نموذجنا الاقتصادي .
وفي دافوس جرت مناقشات حول دور الدولة في الاقتصاد واتفقت الآراء على ان التدخل الراهن للحكومات هو تدخل اجباري ومؤقت وقد أكدت كافة الحكومات انها لا تريد تملك الشركات والبنوك وان تدخلت لدعمها في الظروف الحالية وستخرج منها مستقبلاً .
* هل كانت تجربتنا كثيرة الأخطاء؟
- لقد قمنا بجهد كبير لتنمية اقتصادنا ومن يجتهد يخطئ، أما الذي لا يتحرك فلا ينجز ولا يخطئ، المهم ان اقتصادنا قادر على تخطي الوضع الحالي بوتيرة أسرع بكثير من الدول الاخرى لأن لدينا المرونة الكافية لتصحيح الأوضاع والاستفادة من الأخطاء .
* كيف تنظر الى ربط السماح للبنوك بتصنيف الودائع الحكومية ضمن رأس المال بإمكان تحويل هذه الودائع الى حصص حكومية في البنوك؟
- اعتقد أن ربط هذا الخيار بتملك حصص في البنوك لم يكن موفقاً على الاطلاق حتى من ناحية المهلة الزمنية التي أعطيت للبنوك من أجل إبداء موافقتها خلال 8 أيام في حين يستلزم اتخاذ القرار موافقة الجمعيات العمومية غير العادية بكل ما يستغرقه ذلك من زمن، كما ان ترك حق تملك الحصص في الوقت الذي ترتأيه الجهات الحكومية وبالقيمة الدفترية أو السوقية هو أمر غير مقبول من البنوك ومساهميها .
* لكن هل المساهمون هم أصحاب القرار فعلاً في شركاتنا وبنوكنا خصوصاً وان التجارب لا تثبت ذلك على صعيد التحرك للاندماج مثلاً؟
- اتضح في دافوس ان العالم لا يزال يشدد على اهمية الشفافية في التعامل مع المستثمرين، واذا اردنا لاقتصادنا ان يواصل تحركه على مستوى العولمة فلا بد ان تكون هناك شفافية كاملة ووضوح في المعلومات التي تعطى للمستثمر، حتى لو كان بعض المستثمرين لا يستخدمون المعلومات في اتخاذ قراراتهم ولكن الاعلان عنها ضروري، وإن كانت الشفافية وحدها لا تكفي فالاقتصاد الأمريكي لديه شفافية كبيرة لكنها لم تمنع وقوعه في الأزمة .
* ما مدى قدرة البنوك على تحمل نتائج التأخر في السداد من قبل العملاء؟
- حتى الآن لم نشهد تطورات استثنائية على صعيد الديون المعدومة، والنمو في المخصصات التي يتم وضعها مقابل هذه الديون عند النسب الطبيعية التي رأيناها منذ 5 سنوات، وقد لمسنا ذلك بوضوح عند إعداد حساباتنا للعام 2008 في بنك المشرق، قطاع السيارات لا يزال من أفضل القطاعات وليست هناك مشاكل في السداد كما يشاع عن سيارات يتركها أصحابها في المطار ويغادرون، على صعيد قطاع القروض السكنية التخلف عن السداد محدود جداً أو لفترات زمنية عادية، فمن أصل 3 آلاف قرض ضمن هذا القطاع المتخلفون عن السداد 4 حالات فقط وبتأخير لا يتجاوز 60 يوماً، ولا توجد مشكلة لاننا من الأساس لا نمول سوى 50% من قيمة المنزل، في القطاع التجاري نسب السداد في مستواها الطبيعي .
وبالنسبة لقطاع الانشاءات ليس هناك أي مؤشرات على مشكلات مهمة، في قطاع الأسهم ليس لدينا ديون معدومة كما يظهر من خلال المخصصات التي نضعها لهذه الديون، ولكن سنة 2009 قد تكون سنة مختلفة على صعيد القطاع المصرفي والاقتصادي عموماً تجعل الجميع يتمنى الوصول الى ما تحقق في العام ،2008 ولذلك الاجراءات السريعة مطلوبه الآن لتجنب الدخول في الكساد .
* اذن لا يوجد انكشاف كبير في قروض الأسهم كما يشاع حالياً؟
- بالنسبة لنا في بنك المشرق ننتقي العملاء بدقة على صعيد الاقراض للأسهم، ونفرض ضوابط واضحة عندما تهبط الأسعار بحيث لا تنكشف القروض فتحدد خيارات واضحة للمقترضين اما أن يضع ضماناً اضافياً أو ان يسيل الأسهم ولا نتساهل في ذلك، القرارات هنا يجب ان تتخذ في وقتها دون مخادعة بأن السوق سيعدل ويعوض لأن لا أحد يمكنه ضمان حركة السوق، في عالم الطيران عندما يبدأ الوقود بالنفاد عليك ان تهبط اضطرارياً في اقرب مطار ولا يجوز ان تراهن على أن الطائرة يمكنها الوصول الى المطار الأبعد لأن الثمن سيكون سقوط الطائرة وهكذا الحال بالنسبة لقروض الأسهم والا ستعرض نفسك لخسائر يصعب تعويضها .
* هل طلب المصرف المركزي منكم وقف التسييل الاجباري للأسهم؟
- اذا كان هناك طلب لوقف التسييل فيفترض ان يقترن بالقدرة على تعويض البنوك عن خسائرها في حال امتنعت عن بيع اسهم العملاء عندما تنخفض اسعارها عن قيمة القروض الممنوحة من أجل شرائها .
* هل تؤيد فكرة تقييم اصول البنوك بأسعار تختلف عن اسعارها في السوق حالياً؟
- هناك التزام بالمعايير المحاسبية الدولية ولا يمكن التخلي عن هذا الالتزام، وفي حال حصل ذلك فسيذكر مدقق الحسابات في تقريره ملاحظة واضحة بأنه جرى الاخلال بهذه المعايير عند تقييم الأصول، وسيكون لذلك تأثير بالغ الأهمية على النظرة الى الحسابات لا اتمنى ان تقع فيه مؤسساتنا المصرفية . وبرأيي ان الوقت قد حان لوقف التسابق على نمو الأرباح بين المؤسسات ويجب وضع أفضل ما يمكن من الاحتياطات والمخصصات لمواجهة تطورات العام 2009 وما بعده .
* ما أفضل الخيارات لتوزيع الأرباح عن العام 2008 النقد أم أسهم المنحة؟
- برأيي أن الأفضل في الوقت الحالي هو عدم توزيع الأرباح للمساهمين وابقاء الأموال لمعالجة التطورات الراهنة، وفي حال تحسن الوضع خلال الفترة المقبلة يمكن ان يتم اعطاء التوزيعات بعد ستة اشهر مثلاً، واود أن اشير الى أن أحد النقاشات التي شهدها منتدى دافوس تركز حول تحديد من هو المساهم الفعلي في الشركات، وجرى الاتفاق على أن المساهم هو الذي يحتفظ بملكيته للسهم لفترة طويلة نسبياً وبالتالي يصبح التركيز على تطوير اداء الشركة في مصلحة هذا المساهم وليس النوع الآخر من المساهمين الذي يدخل الى الشركة عند موسم الأرباح والتوزيعات بهدف تحقيق عائد سريع ويخرج .
* هل فقد المساهمون ثقتهم بمجالس الادارات والادارات التنفيذية بعد الخلل الذي ظهر عالمياً في ادائهم وتسبب بالأزمة الراهنة؟
- النسبة الأكبر من مجالس الادارات والادارات التنفيذية عملت وتعمل لخدمة الشركات وتحقيق مصالح المستثمرين، لكن ما يطفو على سطح الأزمة هو بعض الادارات التي اساءت التصرف في ادارة المؤسسات لأنهم ارادوا تحقيق مصالحهم عبر الحصول على المكافآت التي يتم تقاضيها كنسبة من حجم الأعمال والأزمة اظهرت مدى الحاجة لوجود رؤساء تنفيذيين يطبقون اخلاقيات العمل، وهذه لا يمكن الزام المدراء بها من خلال القانون، بل هي اخلاقيات يفترض ان يلتزموها انطلاقاً من حرصهم على تحقيق مصالح شركاتهم وحمايتها من المأزق، قد لا يوفقون في بعض القرارات التي يتخذونها هذا أمر طبيعي لكن المهم ان يكون لديهم الحرص على مصلحة الشركات .
* كيف تنظر الى التقييمات التي تصدر حول الشركات المساهمة العامة؟
- من الضروري ان تكون المؤسسات التي تجري التقييم مستقلة تماماً عن أي استثمارات في السوق، وحتى ما يقال عن الجدار الصيني الذي يفصل اقسام التقييم عن اقسام ادارة المحافظ والأصول في مؤسسات الاستثمار لا أعتقد أنه يحرر التقييمات الصادرة عنها تماماً عن التأثر بخدمة مصالح محافظها واستثماراتها، ولذلك فالأفضل لانهاء تعارض المصالح ان تكون مؤسسات التقييم مستقلة وتحقق الدخل من الاشتراكات التي يدفعها المستثمرون للحصول على هذه التقييمات وليس من استثماراتها في الأسواق .
* هل ينبغي وقف طرح الاكتتابات الجديدة في الأسواق خلال المرحلة الحالية؟
- ليس هناك ضرورة لمنع طرح الاكتتابات فأصحاب الشركات التي تنوي طرح الاكتتاب سيقررون بأنفسهم إذا كان الوقت مناسباً الآن ومدى إمكانية التغطية .
وقد شهدت اسواقنا تطوراً مهماً على صعيد التوجه نحو تقييم الأسهم في الاكتتابات بواسطة السوق عبر اعتماد آلية بناء السجل لتحديد سعر السهم الذي يجري طرحه للاكتتاب بدلاً من التسعير الموحد للأسهم على اختلاف الشركات والقطاعات بدرهم واحد للسهم، وكاقتصادي اعتقد أن التسعير من خلال بناء السجل يحقق مصلحة الاستثمار بشكل أفضل لأنه يؤمن الاستفادة السليمة لبائع السهم في الشركة التي تطرح الاكتتاب وللمشتري المكتتب في السهم، وذلك بالرغم من اننا في البنوك كنا المستفيد الأكبر من التسعير بالطريقة السابقة، ويفترض ان نبدأ كذلك بالتحرك نحو ايجاد أنواع مختلفة من الأسهم وتحديداً الأسهم التفضيلية التي يتم اصدارها لبعض الشركات بأسعار محددة ولكنها تملك مزايا معينة يحصل عليها الشركاء الذين يتملكونها .
* هل يعد الاستغناء عن خدمات الموظفين أفضل الطرق لضبط النفقات؟
- حجم المؤسسات يعتمد على مدى اتساع نطاق عملها، قد يتطلب قسم معين في مرحلة ما اعداداً كبيرة من الموظفين وعندما يتراجع حجم أعماله فإما ان تحول الموظفين الى قسم آخر أو تضطر للاستغناء عنهم، وفي الوضع الحالي لو كانت الصورة واضحة للمدى الزمني الذي ستستغرقه الأزمة يمكن للمؤسسات ان تتحمل كلفة الموظفين الذين لم تعد هناك حاجة لخدماتهم لأشهر عدة، ولكن اذا كانت الأزمة ستطول يصبح التسريح هو الحل الوحيد .
وبالنسبة لنا في بنك المشرق كانت عندنا اعداد كبيرة من العاملين في المبيعات واذا تقلص حجم ما نحتاجه في هذه الاقسام يجري الاستغناء عن خدمات من لا يمكننا الاستفادة منه في اقسام أخرى، وهذه حركة طبيعية على صعيد الموظفين حتى في الظروف السابقة للوضع الحالي .
موارد الحكومة المالية
تشمل الصندوق السيادي وإصدار السندات
أوضح الغرير ان هناك مصادر عدة تستطيع الحكومة اللجوء اليها لتأمين الموارد المالية اللازمة لتنشيط الحركة الاقتصادية في مقدمتها الاحتياطات المالية المتراكمة لدى الدولة خلال المرحلة الماضية والمتمثلة في أموال الصندوق السيادي الذي تظل لديه نسب مهمة من السيولة الى جانب الأموال المستثمرة في أصول خارجية قد يصعب تسييلها دون خسائر كبيرة الآن لكنها تتيح للصندوق الاقتراض استناداً الى حجم اصوله .
وأشار الى أن الحكومة يمكنها كذلك اصدار سندات في اسواق المال الدولية والحصول على مبالغ كبيرة حيث لا تزال هذه الأسواق تؤمن التمويل لشركات خاصة وبالتأكيد ستقبل هذه الأموال على شراء سندات تصدرها حكومة الامارات بكل ما لدى الدولة من إمكانات نفطية وسجل اداء اقتصادي جيد .
وأضاف ان منتدى دافوس توصل الى أن هذه المصادر تستطيع ان تؤمن التمويل للحكومات وقد بدأت الدول باستخدام الاحتياطات فعلاً كما تفعل الصين الآن فيما تواصل الولايات المتحدة الاقتراض عبر السندات، أما المصدر الثالث لتمويل الحكومات عالمياً فهو أموال الضرائب .
سداد الدفعات الحكومية بالسندات الآجلة
شدد الغرير على ضرورة تجنب الشركات الحكومية التأخر في سداد الدفعات المستحقة عليها لأن ذلك سيؤدي الى سلسلة طويلة من التخلف عن السداد، معتبراً أنه في حال لم يكن ذلك ممكناً فهناك وسائل اخرى للوفاء بالالتزامات نأمل أن لا نصل إليها وابرزها اعطاء سندات بالمبالغ المترتبة تستحق في فترات لاحقة، ويمكن لاصحابها ان يحصلوا على هذه المبالغ قبل استحقاقها من خلال بيع السندات للبنوك بعد خصم نسبة من قيمتها، لكن ذلك يتطلب توفير السيولة للبنوك حتى تصبح قادرة على القيام بهذا الدور .
التأميم الرأسمالي
قال الغرير إن هناك تعليقات ساخرة تتردد الآن في أوساط الاقتصاديين عالمياً حول تملك الحكومات الغربية للشركات والبنوك بهدف انقاذها، تعتبر ان ما يجري هو قيام الرأسمالية بتأميم المؤسسات بعد أن اتمت تدميرها فيما كانت الاشتراكية تؤمم المؤسسات أولاً ثم تقوم بتدميرها .
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: