تحرير الخدمات يعيد تشكيل قطاع الاتصالات في الدول العربية
رغم إجماع الخبراء الاقتصاديين بأن تحديات وصعوبات كبرى ستواجه اقتصاديات الدول النامية مع تطبيق اتفاقية تحرير الخدمات “الجاتس” وخاصة على المستوى العربي حيث تساهم القطاعات الخدمية بأكثر من 50% من الناتج القومي العربي إلا أن هؤلاء الخبراء يختلفون فيما بينهم حول نوع وحجم تلك الصعوبات التي تختلف اختلافا جذريا من دولة عربية إلى أخرى وفقا لمدى مساهمة قطاع الخدمات في ناتجها القومي، ففي الدول غير النفطية تصل مساهمة القطاعات الخدمية في الناتج القومي المحلي إلى أكثر من 60% بينما تتقلص هذه النسبة في اقتصاديات الدول البترولية لتصل إلى أقل من 20%.
و يؤكد الخبراء أنه في الوقت الذي يتعين فيه على الدول العربية غير النفطية مواجهة تحديات ومخاطر الاتفاقية فإنهم يرون في الاتفاقية نفسها فرصة سانحة للدول النفطية لتعظيم مساهمة القطاعات الخدمية في اقتصادياتها.ويبقى التحدي المشترك بين الدول العربية هو رفع القدرة التنافسية للشركات العربية وتحقيق أكبر قدر من الاندماجات والتحالفات لتكوين كيانات عربية كبيرة تقوى على المنافسة في ظل اقتصاد عالمي جديد لن يعترف بالصغار.ويبرز قطاع الاتصالات كأحد اهم القطاعات الخدمية تأثرا بتحرير تجارة الخدمات حيث قدمت هيئات وشركات الاتصالات العربية خدماتها للعملاء على مدى عقود طويلة بشكل احتكاري يبعد عن أجواء المنافسة الحقيقية كما اعتمدت مؤسسات الاتصالات العربية كمثيلاتها في الدول النامية على تكنولوجيات الاتصالات الحديثة التي تنفرد الدول المتقدمة بابتكارها وتطويرها.
وعلى المستوى العربي فقد تباينت مواقف البلدان العربية تجاه الانضمام لمنظمة التجارة العالمية واتفاقية تحرير التجارة في الخدمات حيث انضمت 11 دولة عربية لمنظمة التجارة العالمية هي (مصر والمغرب وتونس والبحرين والإمارات والكويت وقطر وموريتانيا وجيبوتي والأردن وسلطنة عمان) وبانضمام المملكة السعودية مؤخرا تكون جميع دول الخليج اعضاء بمنظمة التجارة العالمية كما يمكن تصنيف موقف لبنان واليمن والجزائر على انهم في مرحلة الانضمام، وتبقي 6 دول عربية لم تخط خطواتها الأولى تجاه الانضمام لمنظمة التجارة العالمية وهذه الدول الست هي (ليبيا واليمن والعراق وفلسطين والسودان وجزر القمر).كما أن هناك العديد من الدول مثل الأردن ومصر أصبحت كل منهما ملتزمة بثلاث أو أربع اتفاقيات موازية لتحرير تجارة الخدمات فالمملكة الأردنية انضمت لمنظمة التجارة العالمية في يناير ،1995 ووقعت اتفاقية التجارة العامة في الخدمات وعقدت اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة في 24/10/2000 و الاتحاد الأوروبي في 24/11/1997هذا بالإضافة لكون الأردن عضوا في الاتفاقية الكبرى للتجارة الحرة بين البلدان العربية منذ 28/1/2003
تحقيق: يوسف العربى
يبلغ الناتج القومي العربي وفقا لإحصائيات مجلس الوحدة الاقتصادي العربي حوالي 700 مليار دولار سنويا تساهم القطاعات الخدمية فيه بنحو 50%.
وعلى الرغم من أن اقتصاديات البلاد العربية الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية تواجه تحديا ضخما مع تطبيق بنود اتفاقية تحرير الخدمات إلا أن حجم ونوع التحدي يختلف بشكل جذري من بلد إلى آخر، ففي البلاد العربية غير النفطية تساهم القطاعات الخدمية ومنها قطاع الاتصالات في الناتج القومي بنسبة تزيد على 50% بينما تتقلص هذه النسبة لأقل من 20% في اقتصاديات بعض دول الخليج النفطية .
ويعد القطاع المصرفي والسياحة والتأمين والاتصالات والنقل البري والبحري والجوي من أهم القطاعات التي تواجه تحديا ضخما مع تطبيق اتفاقية تحرير الخدمات إلا أن الخبراء يؤكدون أن قطاع الاتصالات في الوطن العربي سيبقى أكثر القطاعات التي تتعاظم فيه تلك التحديات حيث تضمنت الاتفاقية العامة لتحرير تجارة الخدمات (الجاتس) ملحقاً خاصاً عن عن تحرير خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية و أحقية أي مورد عالمي من بلد آخر عضو بالمنظمة في بناء أو اقتناء أو استئجار أو تشغيل أو توريد شبكات الاتصالات أو الخدمات المتعلقة بها.وهو ما يضع شركات الاتصالات العربية في تحد كبير ومنافسة غير متكافئة مع الشركات العالمية متعددة الجنسيات ذات الإمكانيات المالية والفنية الضخمة وخاصة أن شركات الاتصالات العربية نشأت وتعملقت خلال العقود السابقة في مناخ احتكاري منحها الحق في احتكار تقديم خدمات الاتصالات بجميع أشكالها مثل الاتصالات الأرضية والثابتة والنقالة والدولية بالإضافة إلى خدمات الإنترنت وغالبا ما تم اختزال قطاع الاتصالات في البلدان العربية في الشركة او الهيئة التي تقدم جميع خدمات الاتصالات لمواطنيها.وتحولت هذه الهيئات و الشركات المملوكة بالكامل للدولة إلى أحد أهم ملامح الاقتصاد القومي في العديد من البلدان العربية كما استطاعت على مدى العقود السابقة بناء شبكة اتصالات قوية وتنميتها وتحديثها اعتمادا على مواردها الذاتية.ولذلك يتوقع الخبراء ان يكون هذا النوع من الشركات الأكثر تضررا مع تحرير تجارة الخدمات وإنهاء حالة الاحتكار التي تمتعت بها لعقود طويلة حيث تتقلص إيرادات تلك الشركات مع كل خطوة لتحرير قطاع الاتصالات مثل شركة الامارات للاتصالات (اتصالات) وشركة البحرين للاتصالات السلكية واللاسلكية (بتلكو) وشركة الاتصالات السعودية والشركة العمانية للاتصالات (عمانتل) واتصالات قطر (Q TEL) و شركة الاتصالات الأردنية (JORDAN TELECOM) والشركة المصرية للاتصالات واتصالات المغرب وشركة الاتصالات السودانية.
نجاح استثنائي
و شركة الامارات للاتصالات (اتصالات ) التي تأسست عام 1976 وقدمت خدمات الاتصالات الرئيسية مثل الاتصالات الثابتة والنقالة وخدمات الانترنت والجيل الثالث وخدمات القيمة المضافة من بين اهم الشركات العربية التي تملك استراتيجية واضحة لتوجيه أرباحها المتراكمة التي تشهد نموا مطردا حيث بلغت ارباح الشركة عام 2006 8ر5 مليار درهم بنسبة نمو 38% عن صافي الارباح 2005 كما بلغت الايرادات 29ر16 مليار درهم بزيادة 27% عن العام السابق. واستطاعت (اتصالات) الاستحواذ على نسب مختلفة في 14 سوقاً خارجياً كما تسعى (وفقا لما صرح به محمد حسن عمران رئيس مجلس الادارة) الى احتلال مركز متقدم بين شركات الاتصالات العالمية بحلول العقد المقبل وفي الوقت الذي تتجه فيه أسواق الاتصالات الاقليمية إلى المزيد من الانفتاح ومع دخول شركات اتصالات عالمية الى المنطقة أخذت شركة اتصالات بزمام المبادرة لاجراء المزيد من التوسعات الخارجية والاستحواذ على أسواق مهمة وواعدة مثل مصر وباكستان والسعودية.
ولا شك ان استراتيجية اتصالات في توجيه استثمارتها للدخول الى اسواق خارجية هي وسيلة دفاعية لمواجهه المنافسة شبه المفتوحة مع شركات الاتصالات العالمية وقد أسهم التوجه الخارجي الى حد كبير في نمو اعمال الشركةحيث بلغ عدد توصيلات الهاتف المتحرك 5ر5 مليون خط بنسبة نمو 22%.ويبقى تحقيق الشركة لزيادة في نسب النمو خلال الفترة المقبلة مرهونا بنجاح استراتيجيات الشركة في إدارة استثماراتها بالخارج مدفوعة بموقعها المالي المتقدم طبقا لتصنيف “الفايننشيال تايمز” كما تحتل الشركة المرتبة السادسة ضمن أفضل 100 شركة فيما يتعلق بالايرادات ورأس المال وفقا لتصنيف مجلة ذي ميدل ايست اللندنية.ومع تلك المعطيات المالية والسوقية يبقى لاستحواذ شركة الاتصالات المتكاملة اللاعب جديد في سوق الاتصالات بالامارات على حصة تقدر 30% من السوق المحلي كما تشير توقعات الخبراء إلى تأثير محدود على نمو اعمال شركة اتصالات.أكد المهندس أحمد بن علي نائب الرئيس التنفيذي “للاتصال” بشركة اتصالات ان اتفاقية تحرير الخدمات بقطاع الاتصالات تمثل تهديداً أمام شركات الاتصالات العربية لكنها ايضاً تفتح مجالات وآفاقاً واسعة التوسع والتطوير أمام تلك الشركات.
وقال إن “اتصالات” رحبت من البداية بتحرير قطاع الاتصالات وأسهمت مع باقي الأطراف الفاعلة في اتمام عملية التحرير بشكل كامل. مما يعكس إيمان شركة اتصالات بأهمية المنافسة التي ترتقي بقطاع الاتصالات وتعمل على رفع القدرات الفنية والمهارية لمقدمي خدمات الاتصالات.
وقال ابن علي إن الشركة الثانية هي إحدى ثمار تحرير قطاع الاتصالات الذي تسير فيه الإمارات بخطى ثابتة ومدروسة وتوقع أن تصب المنافسة القادمة بين “اتصالات” و”دو” في المصلحة المشترك.وأشار ابن علي إلى ان شركة اتصالات قامت خلال الثلاثين عاماً الماضية بجهود جبارة وامتلكت تاريخا مشرفاً للارتقاء بتكنولوجيا الاتصالات وتقنية المعلومات في دولة الإمارات وأسهمت في استقطاب أحدث التقنيات التكنولوجية لخدمات الهاتف الثابت والمتحرك فقدمت مؤخراً نموذجاً سباقاً للاندماج بين الاعلان والاتصال عن طريق اتاحة خدمة البث التلفزيوني من خلال تقنيات وتطبيقات الجيل الثالث، وبذلك تأخذ اتصالات بزمام المبادرة دائماً لتطبيق أحدث التقنيات في صناعة الاتصالات عالمياً، وكما اننا رحبنا بتحرير قطاع الاتصالات وأسهمنا في ذلك فإننا ايضاً مستعدون للمنافسة والحفاظ على مكانتنا السابقة كشركة (اند. ف) قطاع الاتصالات على مستوى العالم العربي.وقال ابن علي إن سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على الأسواق العربية مع تحرير خدمات الاتصالات أمر غير وارد في حال استمرت شركات الاتصالات في تطوير خدماتها من خلال استقطاب أحدث التقنيات وستبقى دراية الشركات العربية بمجتمعاتها إحدى أهم المميزات التنافسية التي تسهم في توسيع أعمالها مع كل خطوة لتحرير خدمات الاتصالات.
بين التحرير والتطوير
وعلى الرغم من إدراك الدول النامية لأهمية التقدم في طريقين متوازيين لتفادي الآثار الجانبية لتطبيق اتفاقية تحرير الخدمات أولهما اتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات من شأنها التخفيف من السيطرة الحكومية على قطاع الاتصالات وإعطاء دور أكبر لشركات القطاع الخاص المحلي والأجنبي تنفيذا لاستحقاقات الاتفاقية وفقا للمهلة الممنوحة لكل دولة، وثانيهما هو رفع القدرة التنافسية لشركات الاتصالات المحلية وتأهيلها للمنافسة الشرسة مع الشركات الأجنبية.
لكن ما حدث على أرض الواقع أن بعض البلدان العربية دخلت في سباق محموم لتحرير قطاع الاتصالات وتم تجريد الشركات الوطنية من كافة أشكال احتكار الخدمة وتوسعت الدول العربية لدرجة تشبه الفوضى في منح الرخص لشركات الاتصالات العالمية وعلى الجانب الآخر تجاهلت هذه الدول إعداد شركات الاتصالات المحلية وتأهيلها لخوض غمار المنافسة القادمة مع تحرير خدمات الاتصالات.وتعد الشركة المصرية للاتصالات التي قدرت مؤسسة ميريل لينش أصولها بأكثر من 21 مليار جنيه عام 2002 ويعمل فيها أكثر من 65 ألف عامل مثالا صارخاً لهذا التحدي الذي يواجه شركات الاتصالات العربية مع تحرير خدمات الاتصالات.و الشركة المصرية للاتصالات التي تملك الحكومة 90% من اسهمها بعد طرح 10 % من اسهمها أواخر عام 2005 هي الوريث القانوني للهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية والتي قدمت خدمات الاتصالات بصورة احتكارية بدءاً من التلغراف وخدمة الهاتف الثابت والمكالمات الدولية والهاتف النقال وخدمة الكبائن العامة وخدمات الإنترنت، ونتيجة لالتزامات الحكومة المصرية تجاه اتفاقية تحرير تجارة الخدمات التي وقعتها مصر عام 2002 وانتهت المهلة الممنوحة لتنفيذ كافة بنودها بنهاية عام ،2006 اتخذت الحكومة المصرية خطوات متسارعة نحو المزيد من تحرير خدمات الاتصالات ابتداء من منح رخصتي المحمول للشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول (موبينيل) وشركة فودافون مصر عام 1998 ومنح رخصتين لتشغيل الكبائن العامة لشركة فرانس تليكوم (ميناتل) وشركة النيل للاتصالات.
كما طرحت الحكومة المصرية الرخصة الثالثة لتشغيل الهاتف المحمول بتقنية الجيل الثالث في مزايدة فازت بها شركة اتصالات الاماراتية.و مؤخرا أعلن الدكتور طارق كامل وزير الاتصالات المصري قرب طرح رخصتين للاتصالات الدولية في مزايدة عالمية لينهي بذلك آخر ميزة احتكارية ممنوحة لشركة الاتصالات الوطنية.وهو ما يثير مخاوف كبيرة داخل أروقة الشركة مع استمرار مسلسل تقليص الإيرادات والأرباح المصاحب لكل خطوة تتخذها الحكومة المصرية لتحرير خدمات الاتصالات وتشهد الشركة خلال الاعوام الخمسة الاخيرة تقلصا حادا في نسب نمو الارباح رغم جهود ادارة الشركة في تعظيم مساهمة خدمات القيمة المضافة في ايرادات الشركة.
خطوات بحرينية
وفي مملكة البحرين تعد شركة اتصالات البحرين “بتلكو” هي شركة الاتصالات المحلية الكبرى بالمملكة وظلت تمارس تقديمها لخدمة الاتصالات المحمولة والثابتة بشكل احتكاري حتى تم التصريح لشركة “فودافون” (MTC) بتقديم خدمة النقال في مايو/أيار 2003 وتوالت بعدها وبشكل سريع خطوات البحرين لتحرير قطاع الاتصالات فمنحت سلطة تنظيم الاتصالات بالمملكة 37 ترخيصا جديدا لشركات اتصالات عالمية في النصف الأول من عام 2005 وفقا لتقرير صادر عن هيئة تنظيم الاتصالات بمملكة البحريين وشملت التراخيص الممنوحة رخصتين في مجال تقديم خدمة التليفون الثابت و18 رخصة لتقديم خدمة الاتصالات الدولية وهما القطاعان الأكثر تأثيرا في إيرادات “بتلكو” وبذلك يبلغ إجمالي التراخيص التي منحتها هيئة تنظيم الاتصالات بالبحرين منذ إنشائها في ديسمبر عام 2002 (83) ترخيصا لتكون البحرين بذلك أكثر الدول العربية هرولة واندفاعا تجاه تحرير قطاع الاتصالات دون تحفظ أو استثناء تنفيذا لالتزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية ورغم تحفظات خبراء الاتصالات على تلك الخطوات المتسارعة في تحرير هذا القطاع الحيوي إلا أن التقرير الإحصائي لهيئة تنظيم الاتصالات بمملكة البحرين يشير إلى أن التوسع في منح تلك التراخيص يهدف إلى أن تكون البحرين مركزا للاتصالات بالمنطقة العربية.
أما لبنان فتقع في ذيل قائمة الدول العربية من حيث التزامها بتحقيق خطوات إيجابية نحو تحرير قطاع الاتصالات فبالرغم من كونها إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية العامة لتحرير تجارة الخدمات فان قطاع الاتصالات في لبنان يحتاج لإعادة هيكلة للوفاء باستحقاقات اتفاقية تحرير الخدمات حيث مازالت الشركات الحكومية تسيطر على قطاع الاتصالات بالكامل.
قطاع الاتصالات السعودي
وبالتزامن مع انضمام المملكة السعودية لمنظمة التجارة العالمية اتخذت الحكومة السعودية العديد من الخطوات لاعادة هيكلة قطاع الاتصالات فتم تحويل قطاع الاتصالات الحكومية الى شركة تعمل على أسس تجارية كما تم تخصيصها جزئيا عن طريق طرح جزء من اسهمها للاكتتاب العام كما انشئت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات كجهة تتمتع بالاستقلالية المالية والادارية تتولى تنظيم قطاع الاتصالات وقامت الهيئة بإصدار اربع رخص لخدمات الاتصال عن طريق الاقمار الصناعية عبر الاطباق الصغيرة.
ويعد اصدار الترخيص الثاني للهاتف الجوال هو العربية السعودية يصل إلى 190 مليار ريال وتوقعات بوصول نسب النمو في الاقتصاد السعودي من 6 الى 7% ومع عائدات للبترول يتوقع لها ألا تقل عن 400 مليار ريال.
فإن مساهمة القطاع الخدمي في الناتج القومي السعودي تتقلص لتصل نسبة مساهمة القطاع السياحي 5،5% بينما تتراجع نسبة مساهمة قطاع الاتصالات في الناتج القومي لمستويات متدنية وتقل مع تلك المؤشرات الاقتصادية القوية المخاطر والتحديات التي يواجهها الاقتصاد السعودي مع انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية وتوقيعها لاتفاقية تحرير الخدمات، بل إن المتحمسين لانضمام المملكة للمنظمة العالمية يجدون في تلك الخطوة فرصة لتعظيم مساهمة القطاعات الخدمية ومنها الاتصالات في الناتج القومي السعودي ويبقى السؤال كيف سيتم تحرير قطاع الاتصالات مع ما تتطلبه تلك الخطوة من فتح الأسواق للعمالة الأجنبية وكيف يتمشى ذلك مع الاتجاه الحكومي لسعودة الوظائف؟
القدرة على المنافسة
وفي ظل تحديات تحرير قطاع الاتصالات تبرز صناعة البرمجيات العربية كطوق النجاة لاقتصاديات العديد من الدول العربية في ظل امتلاك هذه الدول لمزايا تنافسية اضافية في هذا المجال حيث يبلغ حجم سوق تقنية المعلومات والبرمجيات الخليجي حوالي 4،94 مليار دولار بينما يصل حجم سوق تقنية المعلومات في مصر الى 613 مليون دولار بنسبة نمو 7%وذلك وفقا للتقارير الصادرة عن مؤسسة “IDC” للأبحاث.وتؤكد الدكتورة علا الخواجة الاستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة في دراستها عن رفع القدرة التنافسية لصناعة البرمجيات أن صناعة البرمجيات وتقنية المعلومات العربية هي الأكثر قدرة على الصمود والتنافس مع تحرير قطاع الاتصالات حيث إنها صناعة تعتمد بنسبة 95% على رأس المال غير الملموس كالابتكار ولا تحتاج تلك الصناعة إلى رأس مال ضخم بل إن معظم شركات البرمجيات في العالم يبلغ متوسط العاملين بها من 5 الى 13عاملا كما أن الميزة الأهم لتلك الصناعة هي انخفاض التكلفة لتلك الصناعة فالنسخة الأولى من برنامج مثل ويندوز مايكروسوفت ربما تتكلف عدة مليارات بينما تبلغ تكلفة النسخة الثانية من 3 الى 15 دولاراً فقط.
ومن أهم المميزات التنافسية لصناعة البرمجيات العربية أيضا انخفاض تكلفة المبرمج العربي حيث يصل متوسط أجره 4 دولارات في الساعة مقابل من 85 إلى 175 دولاراً للمبرمج الأمريكي، وراتب المبرمج في مصر على سبيل المثال يبلغ 1500دولار بينما يتراوح أجر نظيره الأمريكي من 15الى 24 ألف دولار، كما تتميز المنطقة العربية بزيادة عدد السكان وهو ما يعد ميزة تنافسية أخرى في مجال البرمجيات وتشير الدراسة إلى أن أهم ما يواجه صناعة البرمجيات العربية من تحديات هو عدم الإدراك الكافي للمؤسسات المالية العربية ورجال الأعمال لأهمية تمويل مشروعات غير ملموسة مثل البرمجيات وترى الدراسة أن التجربة الهندية إحدى أهم المبادرات الوطنية في البلدان النامية حيث وظفت الهند ظاهرة سلبية وهي الانفجار السكاني لصالحها واتخذت شعاراً لمبادرتها وهو تكنولوجيا المعلومات للجميع ونجحت صناعة البرمجيات في الهند في توفير فرص عمل جيدة وتحقيق عوائد مرتفعة ونسب نمو عالية.تغيير الطرق التسعيريةودعت الدكتورة علا الخواجة حكومات الدول العربية إلى تبني استراتيجيات واضحة للحفاظ على مقدرات شركات الاتصالات العربية مع تبني سياسات جادة نحو تحرير قطاع الاتصالات وأكدت الدكتورة علا على أهمية تبني طرق تسعيرية جديدة تعتمد على تحديد أسقف إقليمية لأسعار خدمات الاتصالات بخلاف الطرق المتبعة حاليا والتي تعتمد على حساب تكلفة التشغيل مضافا إليها هامش الربح وهو ما يهدر حق الشركات في تحقيق أرباح ممكنة.
وانتقدت الدكتورة علا أداء بعض شركات الاتصالات العربية مثل المصرية للاتصالات حيث ترى أنها تمتلئ بالعمالة الزائدة مما يزيد من صعوبة المنافسة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل كما أكدت على أهمية أن تلجأ الشركة للابتكار في خططها التسويقية بحيث يتم تعظيم الاستفادة من خدمات القيمة المضافة.
الشركات العالمية الكبرىوأكد الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن مجمل الاتفاقية العامة لتحرير الخدمات تصب في مصلحة المستفيد الأول وهي الشركات الكبرى متعددة الجنسيات كما يفتح الباب على مصراعيه لسيطرة رأس المال الأجنبي على اقتصاديات البلدان النامية حيث إن المشكلة والتحدي الحقيقي الذي تواجهه الشركات المحلية في قطاع الخدمات ومنها الاتصالات هي أن المنافسة ستكون محسومة لمصلحة الشركات الكبرى التي لديها القدرة على تطوير الأبحاث والمنتجات وتمتلك التكنولوجيا والعمالة المدربة على استخدامها والحل السحري من وجهه نظر الدكتور عبد العظيم هو أن يكون هناك نوع من التكامل والتعاون بين الشركات الصغرى والشركات العالمية بحيث يتم طرح نسبة من أسهم شركات الاتصالات المحلية والسماح للشركات الكبرى بامتلاك هذه النسبة مما يساهم في رفع رأس مال الشركات المحلية ويضمن لها شريكاً استراتيجياً يساهم في تطوير أدائها وقدراتها التنافسية، كما أن هذا الشكل من أشكال التحالف سيوفر لشركات الاتصالات المحلية فرصة تنفيذ بعض المشروعات الإقليمية التي ربما لا تكون مجدية للشركات متعددة الجنسيات. وأشار الدكتور حمدي عبد العظيم إلى أن الدول العربية البترولية لديها الفرصة السانحة لتطوير قطاعاتها الخدمية مستفيدة من الانتعاشة الاقتصادية بسبب ارتفاع أسعار النفط.
التحالفات العربية هي الحل
ويتفق معه الدكتور احمد جويلي رئيس مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في أن تحرير تجارة الخدمات يعد تحديا كبيرا للشركات العربية الوطنية وخاصة العاملة في القطاعات الخدمية مثل السياحة والاتصالات والمقاولات.
إلا أنه يرى أن خطوات التحرير المحسوبة والذكية لبعض الدول ومنها الإمارات والاردن ومصر تقلل من تلك الخسائر ودعا جويلي الشركات العربية لتحقيق تحالفات وإقامة تعاون حقيقي فيما بينها حيث وصف الاقتصاد العالمي بعد تطبيق اتفاقية تحرير الخدمات بأنه اقتصاد لا يعترف بالصغار بل انه اقتصاد الكيانات والشركات الكبيرة.وأكد جويلي أن رفض البلاد العربية للاتفاقية لا يمثل حلا وإنما الحل يكمن في رفع القدرات التنافسية لشركاتنا العربية ومنها شركات الاتصالات، وحول دور مجلس الوحدة الاقتصادي العربي في هذا الشأن أكد أن دور المجلس استشاري يقتصر على توفير الدراسات والإحصائيات التي من شأنها مساعدة الدول العربية على اتخاذ القرارات الاقتصادية السليمة.
شرق آسيا
ويبدي تيموثي بيورر رأيا مختلفا حيث يعمل مديرا لمشروع المساعدة الاقتصاديةATR الممنوح من المعونة الأمريكية لمساعدة الاقتصاد المصري بعد تحرير الخدمات ويعمل المشروع على التقليل من الآثار الجانبية لتحرير تجارة الخدمات، يقول تيموثي بيورر إن تاريخ الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية خلال العقود الثلاثة الأخيرة يؤكد أن هذا النوع من الاستثمار كان له آثاره الإيجابية في اقتصاديات دول شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا.
وساهم الاستثمار الأجنبي في رفع الناتج القومي لهذه الدول وعمل على الارتقاء بمستويات الصناعة وجودتها وأفرز كوادر محلية مدربة أصبحت فيما بعد لها مشروعاتها المستقلة ، وعلى مستوى القطاعات الخدمية ومنها قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فقد كان لتحرير تجارة الخدمات بتلك الدول دور بالغ الأهمية في رفع كفاءة الشبكات وتحسين أداء الخدمة ولذلك يرى “بيورر” أنه لا يمكننا أن نعتبر أن اتفاقية تحرير الخدمات جاءت لتقتل اقتصاديات الدول النامية أو لتقضي على شركاتها الوطنية أو لتحقق السيطرة الكاملة للشركات الكبرى لان ذلك لن يحدث في حال اجتهدت الشركات المحلية في قطاع الاتصالات في تطوير بنيتها الأساسية ورفع كفاءة العاملين بها وأحسنت تسويق خدمات القيمة المضافة وأشار “بيورر” أن دراسته حول تحرير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات انتهت إلى أهمية اتخاذ المزيد من الخطوات الإيجابية في اتجاه تحرير هذا القطاع المهم والحيوي وأوصت الدراسة بطرح نسبة أكبر من أسهم المصرية للاتصالات للاكتتاب وإجراء المزيد من الإصلاحات في قطاع التسويق والارتقاء بنوعية وأسلوب تقديم الخدمة بالإضافة إلى أهمية توجيه المزيد من العناية لصناعة البرمجيات حيث إن المنطقة العربية لديها العديد من الميزات التنافسية في هذا المجال لكن ينقصها البرامج الجيدة لتسويق منتجاتها وأشار بيورر إلى أن بعض شركات الاتصالات العربية استطاعت الاستفادة من اتفاقية تحرير الخدمات ورفعت من كفاءتها التنافسية مثل شركة أوراسكوم التي استطاعت اختراق الأسواق الأجنبية وأقامت مشروعاتها في العديد من الدول الأعضاء بالمنظمة.
وأكد الدكتور عمرو بدوي الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم الاتصالات أن الحكومة المصرية تتعامل مع عملية تحرير قطاع الاتصالات على أنها فرصة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية ولذلك بدأت مصر خطوات مبكرة لتحرير هذا القطاع الحيوي من السيطرة الحكومية وتم منح شركتين من القطاع الخاص المصري رخصتين لتقديم خدمة المحمول عام 1998 ورخصتين لتقديم خدمة كبائن الخدمة العامة وجاء إقرار قانون الاتصالات بعد ذلك ليحرر الاتصالات الثابتة لكن أحدا لم يتقدم كون هذه الخدمة غير مجدية اقتصاديا كما أن قانون الاتصالات المشار إليه جاء في إطار التزام مصر اتجاه اتفاقية تحرير الخدمات.
وأكد بدوي أن قطاع الاتصالات في مصر ونتيجة لهذه الخطوات الإصلاحية التي بدأت منذ أكثر من خمس سنوات لن يتعرض لتغييرات جذرية ولن يكون فريسة سهلة حتى تسيطر علية شركات الاتصالات العالمية حيث إن معظم تراخيص الاتصالات الممنوحة كانت لتحالفات قوية بين القطاع الخاص المصري والشركات العالمية.
وكشف عن نية الحكومة في إعادة النظر في التعريفات التليفونية وأسعار المكالمات للحفاظ على كيان الشركة المصرية للاتصالات بعد تحرير جميع خدمات الاتصالات.ووصف الدكتور عمرو بدوي الاندماجات بين شركات الاتصالات العربية بأنها مستحيلة في ظل المعوقات القانونية التي تمنع ذلك.
تحديات الجاتس
تأسست منظمة التجارة العالمية في 1/1/1995 بموجب اتفاق مراكش لتكون امتدادا للاتفاقية العامة لتجارة السلع بعد عدة جولات تفاوضية آخرها بالاوروجواي ولم تكتف المنظمة العالمية الجديدة بتحرير تجارة السلع كسابقتها بل تضمنت اتفاقية لتحرير التجارة في الخدمات عرفت فيما بعد بالجاتس، ومنذ ذلك الحين لم تعقد المنظمة اجتماعا لها الا احيط بمظاهرات الفقراء من الخارج وامتلأ بالمشاحنات بين ممثلي الدول النامية ونظرائهم من الدول المتقدمة بالداخل.ويتفق الخبراء على ان اتفاقية تحرير تجارة الخدمات تشكل تحديا كبيرا يواجه مستقبل القطاعات الخدمية المحلية بالدول النامية بل ربما يجعل الفرصة سانحة لسيطرة رأس المال الاجنبي على اقتصادات تلك الدول حيث تبلغ مساهمة القطاعات الخدمية في الناتج القومي للبلدان النامية اكثر من 45%.
ولتناول التحديات التي تواجهها اقتصادات الدول النامية وخاصة العربية منها مع تطبيق بنود الاتفاقية العامة لتحرير تجارة الخدمات يجب استعراض اهم ما تتضمنه تلك الاتفاقية خاصة ان الموقعين عليها يقرون في بدايتها بأن صعوبات وصفت بأنها كبيرة ستواجه الدول النامية مع تحريرها للقطاعات الخدمات وحثت الاتفاقية دون إلزام الدول المتقدمة على مراعاة تلك الصعوبات في ضوء الاوضاع الاقتصادية والمالية والتجارية الخاصة لتلك الدول.
كما تنص الاتفاقية التي تضمنت بابا مستقلا عن تحرير خدمات الاتصال السلكية واللاسلكية ان تلتزم الدول الاعضاء التزاما صريحا بعدم ممارسة التمييز ضد أي مورد للخدمة وكذلك تقديم الرعاية للموردين الاجانب بنفس القدر الذي تقدم به الدولة رعايتها لموردي الخدمات المحليين، وحظرت الاتفاقية تقديم الدعم الحكومي بشكل تمييزي لموردي الخدمات المحليين ووصفته بأنه تشويه للاتفاقية واخلال بمبدأ تكافؤ الفرص.وحول آليات التنفيذ الزمت الاتفاقية الدول النامية بإنشاء نقاط استفسار خلال عامين من توقعيها للاتفاقية لتسهيل توفير المعلومات عن اسواقها وفرص الاستثمار فيها واتاحة تلك المعلومات بشفافية كاملة للدول الاعضاء بالمنظمة من دون تمييز بين دولة واخرى كما تضمنت الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات العديد من البنود التفصيلية لضمان تحقيق الشفافية في المعلومات المتعلقة بتوريد احدى الخدمات وتنص على انه في حال طرح اي رخصة لخدمة مثل الاتصالات يجب ان يتم اعلام كافة الدول الاعضاء بشروط الحصول على هذا الترخيص دون ان تكون الشروط تعجيزية او متضمنة لفقرات تفضيلية لمصلحة احد الموردين المحليين كما جاءت المادة الثانية من اتفاقية تحرير الخدمات ونصت على انهاء احتكار اي مورد محلي للخدمة واعتبرت الاتفاقية ان هذا الاحتكار يتعارض مع التزامات العضو تجاه المنظمة العالمية.

تحليل التعليقات: