أكد جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن مجلس التعاون يسير بخطى جادة للوصول إلى السوق الخليجية المشتركة التي تشكل مطلبًا مهمًا، مشددًا على أن التكامل يتطلب تضحيات وتنازلات متبادلة ومعالجة التحديات.
وقال البديوي، في مقابلة مع «الأيام»، إن «منتدى باب البحرين» الذي عُقد في المملكة الثلاثاء الماضي، وشهد حضورًا دوليًا بارزًا، يعكس مكانة البحرين الإقليمية والدولية، لا سيما أن المؤتمر جاء في وقت يمرّ المجتمع الدولي بما وصفها بـ«المطبّات التجارية».
ورفض الأمين العام لمجلس التعاون وصف التطورات الحاصلة ما بين الولايات المتحدة ودول مختلفة بـ«حرب الضرائب»، دون أن يقلل من تأثيرات تطورات المشهد الاقتصادي العالمي على الخليج، مؤكدًا أن دول المجلس - التي تحتل المركز الـ11 على مستوى العالم من حيث الناتج القومي الإجمالي بواقع 2.1 تريليون دولار - تؤمن بالحوار والتباحث؛ للوصول إلى حلول بالنسبة للتعرفة الضريبية.
وفي سياق الوصول إلى اتفاقيات للتجارة الحرة التي تعتبر بوابة لتنويع اقتصاديات الخليج والانفتاح على أسواق جديدة، كشف البديوي أن مفاوضات التجارة الحرة ما بين المجلس والصين باتت في مراحلها الأخيرة، فيما سيتم توقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع نيوزيلندا في المستقبل القريب، إلى جانب التقدم الكبير الذي تم إحرازه في المفاوضات مع الجانب البريطاني، والجولات الناجحة التي عقدت مع كل من اليابان وإندونيسيا.
وقال إن مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي هما في المراحل الأولى، أو ما يمكن وصفه بمرحلة «جس النبض»، حيال تدارس أطر اتفاقية التجار الحرة التي علقت مفاوضاتها منذ العام 2009، مؤكدًا أن المجلس يتطلع للوصول إلى اتفاقية للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي على أسس «كتلة مقابلة كتلة»، ما سيفتح السوق الأوروبية أمام دول الخليج.
وفي الشق السياسي، أشاد الأمين العام لمجلس التعاون بدعوة البحرين، خلال «قمة المنامة» العام الماضي، إلى عقد مؤتمر للسلام، مجددًا دعم دول الخليج لحل الدولتين وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. متوقعًا أن يلعب المؤتمر الذي سيعقد في يونيو القادم بنيويورك بقيادة كل من السعودية وفرنسا دورًا محوريًا في ذات الاتجاه. وفيما يلي نص المقابلة:
* كيف ترون أهمية «منتدى باب البحرين» الذي جمع شخصيات قيادية دولية على أرض المملكة؟
- يمكن للمراقب أن يستشف مدى نجاح هذا المنتدى من خلال القيمة التي يضيفها هذا المنتدى، وكذلك الحضور رفيع المستوى، حيث رأينا مشاركة المدير العام لمنظمة التجارة العالمية نغوزي اوكونجو ايويلا، والمدير العام لمنظمة العمل الدولي جليبرت ف هونجبو، وكبار المسؤولين المشاركين من الدول المشاركة، وكذلك المشاركة الكبيرة رفيعة المستوى من القطاع الخاص، سواء من خلال الغرف التجارية الخليجية وكذلك العربية، ورئيسة التجارة في اتحاد الغرف الدولية فاليريا بيكارد.
وهذا يعطي، بطبيعية الحال، دلالة واضحة وجلية حول أهمية هذا المنتدى، وكذلك يأتي في وقت يمر به المجتمع الدولي بمطبات تجارية عديدة، كما يثبت المكانة التي تحظى بها مملكة البحرين إقليميًا ودوليًا، والثقة التي تحظى بها مملكة البحرين من كافة الأطراف الإقليمية والدولية. لذا كتب لهذا المنتدى النجاح عبر المشاركة رفيعة المستوى التي حظي بها المنتدى، وكذلك الموضوعات التي تمت مناقشتها.
* كيف ترون التقدّم في مسار التكامل الاقتصادي بين دول الخليج لتحقيق السوق الخليجية المشتركة؟
- لا شك أن دول المجلس تبذل كافة الجهود، وتساعدها على ذلك الأمانة العامة لمجلس التعاون لتحقيق رغبة قادة دول المجلس، من أجل الوصول إلى تكاملنا الاقتصادي، فهذا مطلب مهم، ونعمل من أجله بجدية كبيرة. كما يتطلب منا - نحن دول مجلس التعاون - أن نتباحث بشكل مستمر، وأن نقدم التضحيات، وكذلك التنازلات، وأن نندمج حتى نصل إلى تكاملنا الاقتصادي المنشود، وإلى هذه المعادلة التي تكتب لنا النجاح على كافة الأصعدة.
نعم هنالك بعض التحديات التي نتحدث حولها، وكذلك هناك بعض التحديات التي نعمل على إيجاد الحلول لها.
ونحن نعمل بشكل جاد، إذ جميعنا يؤمن بأن تكاملنا الاقتصادي وسوقنا الخليجي المشترك، وهو يعني مستقبلنا، وما سمعناه خلال جلسات «منتدى باب البحرين» من إشادات دولية بـالسياسات التي تتبناها دول مجلس التعاون على المستوى الاقتصادي والتجاري لم يأتِ من فراغ، وإنما نتاج السياسات الحكيمة التي تبنتها دول مجلس التعاون، واستطاعت من خلالها أن تحصل على هذه المكانة. نحن ندرك حجم التحديات أمامنا للتوصل إلى السوق المشترك وتكاملنا الاقتصادي، ونحن نعمل بكل جد وجهد من أجل التوصل إلى حلول.
* سأبقى عند التحديات، ففي المشهد العالمي اليوم نشهد ما يمكن وصفه بـ«حرب الضرائب» بين قوى تجارية عالمية. بتقديركم، كيف تؤثر هذه الحرب على اقتصادات دول الخليج، لا سيما أن هذه الضرائب قد طالت أيضًا دول الخليج بنسبة تصل إلى %10، ومن بين هذه الدول مملكة البحرين التي ترتبط مع الولايات المتحدة الأمريكية باتفاقية للتجارة الحرة؟
- قد لا أتفق معك في تعبير «حرب الضرائب»، ولا أرى أن ما نشهده وصل إلى مستوى الحرب، فبلا شك أن اقتصاداات دول مجلس التعاون هي جزء من الاقتصاداات العالمية، وما يحدث في المجتمع الدولي من انعكاسات اقتصادية سلبية تؤثر علينا بشكل كبير. ونحن، ولله الحمد، مجتمعين يحتل الناتج القومي الإجمالي لدول الخليج المركز الـ11 على مستوى العالم، بواقع 2.1 تريليون دولار أمريكي.
وهناك توقعات أن يصل ناتجها القومي الإجمالي بحلول 2050 إلى نحو 6 تريليونات دولار أمريكي. وبالتالي، نتحدث عن اقتصادات لها دور إقليمي ودولي. ما يحدث في العالم حتمًا يؤثر علينا، لكننا نؤمن بأن الحوار والتباحث وفتح الأبواب هو الأداة الوحيدة التي يمكن من خلالها أن نصل إلى حلول لما هو حاصل الآن من تطورات على مستوى الضرائب والتعرفة الضريبية.
* وماذا عن التقدّم على صعيد اتفاقيات للتجارة الحرة ما بين دول الخليج ودول والمجموعات الاقتصادية أخرى؟
- نحن في دول مجلس التعاون نؤمن أن المسار الذي نسير به من أجل تحقيق تكاملنا الاقتصادي، وكذلك الاتجاه نحو تنويع اقتصاداتنا، وتقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدر لاقتصاداتنا، يستوجب أن نفتح أسواقنا للمجتمع الدولي، ونبحث عن أسواق تفتح لنا، وهذا لا يتحقق إلا بعقد اتفاقيات للتجارة الحرة، ونحن جادون وعازمون بهذا الاتجاه. ولله الحمد، فقد تم التوصل لاتفاقية للتجارة الحرة مع باكستان في العام 2023، ومع كوريا الجنوبية في العام 2024، وقريبًا سنوقع اتفاقية للتجارة الحرة مع نيوزيلندا.
كما أننا في المراحل النهائية من المفاوضات للوصول إلى اتفاقية للتجارة الحرة مع الصين، وأيضًا هناك تقدم محرز في المفاوضات مع المملكة المتحدة، كما قطعنا شوطًا كبيرًا مع الأشقاء في تركيا، وكذلك انتهينا من جولة جديدة من المفاوضات مع كل من اليابان وإندونيسيا. فنحن ماضون قدمًا في التوصل إلى اتفاقيات للتجارة الحرة، ستوفر أسواقًا للسلع الخليجية التي نأمل أن نخرج بها إلى خارج أسواقنا.
* وماذا عن الاتحاد الأوروبي الذي علّق المفاوضات معه منذ العام 2009؟ هل هناك صياغة بديلة عبر الاتفاقيات، لا سيما بعد أن أطلق الاتحاد الأوروبي استراتيجية معنية بتعزيز العلاقات مع دول الخليج، والاجتماعات التي شهدناها خلال العاميين الماضيين بين المجلس وممثلي الاتحاد؟
- القمة الخليجية - الأوروبية الأولى التي عُقدت في بروكسل، أكتوبر الماضي، تناولت أهمية البدء بالتباحث حول إمكانية استئناف مفاوضات التجارة الحرة، ونحن الآن في المراحل الأولى مع الجانب الأوروبي، أو بمعنى مرحلة «جسّ النبض»، والتعرف على الشكل المطلوب لهذه الاتفاقية، وما أولوياتنا، وما أولويات الجانب الأوروبي، ونحن نأمل بأن نصل مع الجانب الأوروبي إلى اتفاقية منظمة للتجارة الحرة وفق صياغة «كتلة لكتلة» تفتح من خلالها السوق الأوروبية التي لها أهمية كبيرة لدول مجلس التعاون، والآن الفرق الفنية من كلا الجانبين في المراحل الأولى من هذا النقاش.
* سأختتم اللقاء حول الاستقرار والسلام في المنطقة. هناك موقف خليجي داعم للسلام والاستقرار في المنطقة، وإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على أسس عادلة، كما أن مبادرة البحرين خلال «قمة المنامة» في مايو 2024 دعت إلى مؤتمر دولي للسلام، كيف ترون فرص تحقيق السلام ولدينا حرب ومأساة إنسانية يعيشها قطاع غزة منذ 19 شهرًا؟
- أولاً نحيّي المبادرة المهمة التي طرحتها مملكة البحرين خلال «قمة المنامة»، والتي تضع خريطة طريق لأهمية السلام في المنطقة وأهمية الوصول إلى حل نهائي لهذا الصراع على أساس حل الدولتين، والذي يضمن حقوق أشقائنا الفلسطينيين بإقامة دولتهم، وكذلك مبادرة السلام العربية، جميعها عناصر أساسية من أجل التوصل للسلام.
وكما تعلمون، فإن دول مجلس التعاون تلعب دورًا مهمًا وكبيرًا في هذا المجال، ولديها مبادرات عديدة وجهود تقوم بها المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، كلها جهود واضحة أمام المجتمع الدولي من أجل رفع المعاناة عن الأشقاء في فلسطين، وبالأخص في قطاع غزة.
وهناك مؤتمر مهم سيعقد في نيويورك في 16 يونيو القادم، تحت إشراف كلّ من المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية، ونأمل أن يكون هذا المؤتمر «حجر الزاوية» للخطط المستقبلية التي تضمن الأمن والأمان للشعب الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية بموجب قرارات الشرعية الدولية، ومجلس الأمن، بحيث نصل إلى حل الدولتين الذي يضمن أن يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون بسلام جنبًا إلى جانب، وهذا هو ما نتطلع إليه من خلال الجهود الخليجية في هذا الاتجاه.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: