في زمنٍ كانت فيه خيارات الشباب العسكريين محدودة بعد الحرب العالمية الأولى، استطاع ضابط شاب أن يشقّ لنفسه طريقًا مختلفًا تمامًا.
لم يعتمد إدوارد كروسبي هاروود على رتبته العسكرية ولا على هندسته فقط، بل على شغفه العميق بالمعرفة وإيمانه بأن الأفكار قادرة على تغيير الواقع.
ما بدأ كفضول فكري في مكتبة جامعية، تحول لاحقًا إلى مشروع فكري ومؤسسي لا يزال قائمًا بعد مرور قرن تقريبًا.
هذه هي حكاية الضابط الذي أسس واحدة من أقدم مؤسسات الأبحاث الاقتصادية في الولايات المتحدة… وحجز لنفسه مكانًا في تاريخ الفكر الاقتصادي.
بعد الحرب العالمية الأولى، وجد آلاف الضباط الشباب أنفسهم أمام فرص محدودة للتقدم في مسيرتهم العسكرية.
وفي تلك اللحظة غير الواعدة، استطاع الملازم الثاني آنذاك، إدوارد كروسبي هاروود، أن يصنع لنفسه فرصة جديدة ومعنى مختلفًا.
ومن خلال لحظة تأمل هادئة، بدأ مسارًا استثنائيًا خلّد اسمه وترك إرثًا لا يزال قائمًا.

دراسة مكثفة
بدأ هاروود قراءة كتب الاقتصاد في المكتبة، معلّمًا نفسه عبر دراسة مكثّفة. بدأ بكتب الكتّاب الذين تبدأ أسماؤهم بحرف "A"، وانتهى من قراءة مكتبة كاملة خلال أقل من ثلاث سنوات.
ورغم أنه كان خريجًا متميزًا في ويست بوينت ومهندسًا عسكريًا مكلّفًا بالدراسة في معهد رينسيلر للفنون التطبيقية (RPI)، فإن طريقته في التعلّم الذاتي عكست ليس فقط فضوله الفكري، بل عزيمته الاستثنائية.
وبحلول عام 1923، بدأت المجلات الاقتصادية الرائدة في نشر مقالات له، رغم أنه كان يتقاضى 125 دولارًا فقط شهريًا بينما يعول أسرة متنامية. وقد كشف هذا الإنجاز عن قدراته التحليلية وإخلاصه لعمله.
قناعة فكرية وتفانٍ مهني
أثارت نتائج دراسات هاروود قلقه. فقد أبدى تخوفًا من التوسع المفرط في الائتمان، مؤمنًا بأن التغييرات التي طرأت على محاسبة احتياطات الذهب بعد مؤتمر جنيف عام 1922 قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.
وتحققت مخاوفه هذه بالفعل. ففي مقالات نشرها عامي 1928 و1929، تنبأ بمشكلات اقتصادية قادمة.
وعندما نشر كتابه "سبب ودورة الدورة الاقتصادية" عام 1932، حصل على إشارة إيجابية من نادي "كتاب الشهر".
وأقنعته شدة الكساد الكبير بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى مؤسسة بحثية مكرّسة لفهم الدورات الاقتصادية ومنع تكرار الكوارث.
تأسيس معهد اقتصادي
وبناءً على نصيحة الدكتور فانيفار بوش، نائب رئيس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك، أسس هاروود المعهد الأمريكي للأبحاث الاقتصادية (AIER) عام 1933.
ولا يزال هذا المعهد، الواقع اليوم في غريت بارينغتون بولاية ماساتشوستس، واحدًا من أقدم المنظمات البحثية غير الربحية في الولايات المتحدة.
ازدهرت المسيرة الأكاديمية لهاروود بالتوازي مع أبحاثه الاقتصادية. فقد حصل على ثلاث درجات من "معهد رينسيلر للفنون التطبيقية ": بكالوريوس علوم، وماجستير في الهندسة، وماجستير في إدارة الأعمال.
وفي أوائل الثلاثينيات، عُيّن أستاذًا مساعدًا للعلوم والتكتيكات العسكرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
ورغم توسع نشاطه في المعهد الأمريكي للأبحاث الاقتصادية وازدياد شهرته كخبير اقتصادي، لم ينسَ هاروود التزامه العسكري.
الحرب العالمية الثانية
ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية، أعاد الانخراط في الجيش عام 1940، وخدم لعامين في إنجلترا وعامين آخرين في جزر ليتي ولوزون في المحيط الهادئ تحت قيادة الجنرال بات كيسي والجنرال دوغلاس ماك آرثر.
وترقى إلى رتبة عقيد وحصل على وسام الاستحقاق ووسام النجمة البرونزية، تقديرًا لقيادته وتفانيه خلال أصعب الحملات العسكرية.
ومن القصص التي تجسد شخصيته أنه خلال خدمته المبكرة في نورث كارولاينا، كان المجندون معجبين بعدله ومهارته الفروسية لدرجة أنهم اشتروا له ساعة "إلجين" كهدية في نهاية خدمتهم معه. واحتفظ بها كأحد أثمن مقتنياته طوال حياته.
"المال الصلب"
بعد الحرب، كرس هاروود نفسه بالكامل لرسالة AIER. وأصبح صوتًا بارزًا في الحركة الداعية إلى "المال الصلب"، وجاب البلاد مخاطبًا جمعيات المصرفيين والهيئات المهنية حول مخاطر التضخم. كما أسهمت نشراته ومنشوراته في تبسيط المفاهيم الاقتصادية لجمهور عريض، ما جعل المعرفة الاقتصادية متاحة في حقبة كانت فيها حكرًا على الأوساط الأكاديمية.
كان لنهج هاروود الفكري طابع مميز. فوسط التضارب في آراء الاقتصاديين، لجأ إلى الفلسفة والمنطق، مستلهمًا أعمال البراغماتيين الأمريكيين مثل تشارلز ساندرز بيرس وويليام جيمس، الذين دمجوا الأساليب العلمية في عملهم. وأصبح هذا الالتزام بالمنهج العلمي سمة بارزة في عمل AIER.

إرث رجل واحد يستمر
وُلِد هاروود في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1900 في كليفتونديل بولاية ماساتشوستس، ليصبح لاحقًا واحدًا من أكثر المفكرين الاقتصاديين بصيرة في أمريكا ومؤسسًا لمؤسسة لا يزال تأثيرها حاضرًا بعد نحو قرن من إنشائها.
تزوج هاروود مرتين: أولاً من هارييت هاينز، التي أنجب منها ثلاثة أطفال، ثم من هيلين فاول، التي أنجب معها أربعة أطفال آخرين.
وعند وفاته في مونتيسيتو، كاليفورنيا، في 16 ديسمبر/كانون الأول 1980، ترك وراءه ثلاثة عشر حفيدًا وعشرة من أبناء الأحفاد، إرثًا عائليًا يوازي إرثه المؤسسي.
ومع مرور 125 عامًا على ميلاده، لا يزال إرث العقيد إدوارد هاروود حاضرًا، ليس فقط عبر المؤسسة التي أسسها، بل من خلال نموذجه في الشجاعة الفكرية والحكمة العملية والتفاني في خدمة المجتمع.
لقد أثبت أن الجمع بين الانضباط العسكري والرؤية الاقتصادية يمكن أن يخدم الخير العام، وأن إصرار شخص واحد على فهم المشكلات المعقدة وشرحها يمكن أن يترك أثرًا لا يُمحى.
ويذكّرنا بأن القيادة الحقيقية تتطلب الشجاعة للتحذير من المخاطر، والالتزام ببناء المؤسسات التي تساعد الأجيال المقبلة على تجاوزها.
المصدر: ذا ديلي إيكونومي
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: