نبض أرقام
03:35 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/02
2026/01/01

لماذا يتمسك المتداولون بالأسهم الخاسرة ويبيعون الرابحة؟

07:59 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

يعاني كثير من المتداولين في سوق الأسهم من القلق المستمر على استثماراتهم، وبجانب تأثيرات القلق السلبية على صحتهم العامة، فإنه يدفعهم أيضًا إلى اتخاذ بعض القرارات الاستثمارية التي تتسم بـ"عدم الرشادة".

 

وأحد أبرز آثار القلق في سوق الأسهم، وربما الأمل أيضًا، فيما يعرف بـ"تأثير التصرف" (تأثير النزعة)، والذي يتمثل في ميل المستثمرين إلى بيع الأصول الرابحة بسرعة لتأمين المكاسب، خوفًا من تراجع سعر الأسهم، في حين يحتفظون بالأصول الخاسرة لفترات طويلة أملاً في التعويض، مع "احتمالية ارتفاع أسعار الأسهم لاحقًا.

 

 

دراسة لافتة

 

وتعد الدراسة التجريبية التي أجراها "ويبر" و"كاميرر" بالتعاون بين جامعتي كيل وشيكاغو من أهم الدراسات التي أجريت لـ"تأثير التصرف"  (Disposition Effect)  في تداول الأسهم.

 

واستندت هذه الدراسة إلى "نظرية الاحتمال" (Prospect Theory)، التي تكشف أن الأفراد يقيمون قراراتهم بناءً على نقطة مرجع هي "سعر الشراء"، حيث يميلون لتجنب المخاطرة في حالة الأرباح لضمان المكسب، بينما يتحولون للسعي وراء المخاطرة في حالة الخسائر أملاً في استرداد رأس المال الأصلي.

 

وفكرة وضع "رقم مرجعي" للاستثمار تقوم على أنه إذا اشترى المتداول السهم عند 100 ريال، ووصل السهم إلى 110 ريالات مع توقعات ببلوغه 120 ريالًا، فإن نسبة كبيرة من المتداولين ستحجم عن الشراء عند 110، لأنهم يشعرون كما لو فقدوا فرصة الشراء عند 100، رغم أن المنطق الاقتصادي يفرض الاستفادة من الاتجاه الصاعد.

 

هذا السلوك يعكس تأثير التصرف، حيث تصبح القرارات مبنية على الأرقام المرجعية لا الحقائق المستقبلية.

 

وبدأت التجربة بمنح كل مشارك رصيداً افتراضياً، مع تحفيزهم على التداول بصورة أقرب للحقيقة من خلال الحصول على نسبة فعلية من القيمة النهائية لمحفظتهم الاستثمارية.

 

وأثبتت نتائج الدراسة بوضوح "تأثير التصرف" في قرارات البيع خلال التجربة الأولى، حيث وجد الباحثون انحيازاً صارخاً لدى المتداولين، ففي المتوسط بلغت نسبة مبيعات الأسهم "الرابحة" التي ارتفع سعرها عن سعر الشراء حوالي 59%، في حين لم تتجاوز نسبة مبيعات الأسهم "الخاسرة" 36% فقط.

 

 

وقد انعكس هذا السلوك بشكل مباشر على جودة الأرباح المحققة، إذ حقق المشاركون ربحاً متوسطاً قدره 60% لكل سهم تم بيعه، مقابل الأسهم التي اختاروا الاحتفاظ بها حتى نهاية التجربة، ما يؤكد أن المستثمرين يضحون بالعوائد المستقبلية مقابل تصفية استثماراتهم الناجحة مبكراً وتجميد أموالهم في أصول متعثرة.

 

كما أظهرت الدراسة نمطاً معاكسًا للبيع في حالة الشراء، حيث إن 62% من الأسهم التي اشتراها المشاركون في التجربة الأولى كانت أسهمًا خاسرة في الفترة السابقة، مما يعكس اعتقاداً خاطئاً بارتداد الأسعار، أو ما يعرف بـ"انحياز الارتداد"، وهو السلوك المتولد نتيجة الاعتقاد بأن "الأمور لن تسوء أكثر مما هي عليه"، بغض النظر عن وجود حقائق تدعم هذا الاعتقاد من عدمه.

 

تأثير الضغوط النفسية

 

وفي هذا الإطار، يقول "جريجوري مانكيو"، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، إن المتداولين يواجهون ضغوطًا نفسية هائلة أثناء العمل في أسواق الأسهم المتقلبة، تشمل هذه الضغوط الخوف من الخسارة، والشك الذاتي، والجشع، والضغط الاجتماعي.

 

 هذه الضغوط لا تؤثر فقط على قراراتهم اللحظية، بل تدفعهم أحيانًا إلى سلوكيات غير عقلانية، مثل الاحتفاظ بالأصول الخاسرة أملاً في التعويض، وفي المقابل بيع الأصول الرابحة بسرعة لتأمين المكاسب، رغم أن المنطق الاقتصادي يفرض العكس.

 

ويضيف مانكيو أن هؤلاء المتداولين لا يفرطون في الثقة أو في عدم الثقة لكنهم يقعون في فخ نفسي خطير عند التعامل مع أصولهم الشخصية.

 

 فقد أظهرت البيانات أن أكثر من 50% من موظفي بنك "ليمان برازر" وشركة "إنرون" للطاقة احتفظوا بأغلب ثرواتهم في صورة أسهم بالشركات التي يعملون بها، وهو سلوك يعكس تأثير التصرف بشكل واضح، إذ لم يتمكنوا من بيع هذه الأسهم رغم مؤشرات الانهيار، مما أدى إلى خسائر فادحة مع إفلاس المؤسستين.

 

لذا فمن أهم صفات المتداول الناجح نفسيًا شجاعة الاعتراف بالخطأ، وهي الصفة التي تجنبه الوقوع في فخ التكلفة الغارقة المرتبط أيضًا بتأثير التصرف، إذ تشير الدراسات إلى أن قرابة 88% من المستثمرين يقعون في مغالطة التكلفة الغارقة، حيث يستمرون في الاحتفاظ بمراكز خاسرة بسبب ما أنفقوه من تكلفة لا يمكن استعادتها، متجاهلين أن القرار الأمثل يجب أن يستند إلى المستقبل لا الماضي.

 

 

وحتى بعد أن يتكشف خطأ السير في منهج التكلفة الغارقة، فإن أكثر من 50% ممن يقعون في هذا الفخ يبررون سلوكهم باعتقاد أن الخسائر قد تتحول إلى أرباح بطريقة أو بأخرى، مما يعكس الميل النفسي للتشبث بالأمل، أحد المحركات الأساسية لتأثير التصرف، حيث يراهن المستثمر على ما لا يملك التحكم فيه بدلاً من اتخاذ قرار عقلاني بالبيع.

 

ولا شك أن جميع المتداولين يقعون فريسة لتأثير التصرف في وقت أو آخر خلال مسيرتهم، لكن من يستكملون رحلتهم بنجاح هم من يتعلمون من تجاربهم السيئة ويلتزمون منهجًا أكثر توازنًا في صفقاتهم اللاحقة.

 

ويكشف "ديفيد كوهين"، مؤلف كتاب "الخوف والطمع والذعر: سيكولوجيا سوق المال" أن 70% ممن يدخلون سوق الأسهم يقودهم الطمع في الربح السريع دون جهد، وهو ما يعرف بالدخل السلبي.

 

بيتكوين مثالًا

 

وعندما يوجد الطمع مع تأثير التصرف، يتجاهل المستثمرون الإشارات العقلانية للبيع، مع تراجع بعض مراكزهم المالية، ويتمسكون بها في ظل "مرجعيتهم" الأساسية ممثلة في سعر شراء السهم.

 

ويقدر كوهين أن أكثر من 80% من المتعاملين يفقدون اتزانهم بفعل الخسائر أو المكاسب المتتالية، فيصرون على الاحتفاظ بالأسهم حال الخسائر رغم حتمية البيع، ويبيعون بعض الأسهم بشكل سريع فيما يعرف بشكل واسع بالتوجه لـ"جني الأرباح"، وهو السلوك الذي يمثل جوهر تأثير التصرف.

 

ويرى جيم روجرز، المتداول الأمريكي الشهير، أن سوق الأسهم ليس مكانًا لمن يتأثرون بتأثير التصرف، لأن من يسعى لتقليص احتمالات الخسارة إلى الحد الأدنى عليه أن يودع أمواله بالبنوك أو يلجأ لاستثمارات أكثر استقرارًا مثل العقارات، حيث تقل المؤثرات على الأسعار نسبيًا.

 

ويشير روجرز إلى أن رغبته في التحكم الكامل في استثماراته والوصول إلى "الربح المؤكد" قادته في نهاية الستينات وبداية السبعينات إلى خسارة 25% من رأسماله، نتيجة محاولاته المفرطة لتوقع ردود أفعال السوق وحساب كل الاحتمالات، وتمني احتمالات الارتفاع والانخفاض وفقًا لـ"الأماني" وهو سلوك يعكس تأثير التصرف في أقصى صوره.

 

 

ولا شك أن كثيرين تعرضوا لأضرار "تأثير التصرف" عليهم خلال الشهرين الماضيين مع انخفاض أسعار العملات المشفرة ولا سيما "بيتكوين"، حيث انخفضت قيمة العملة من القمم التي وصلت إليها في أكتوبر الماضي بـ124 ألف دولار لتصل إلى مستويات دون 90 ألف دولار في نوفمبر وديسمبر الماضيين.

 

ومع ذلك تشير التقارير إلى أن نسبة كبيرة من المبيعات هي للمؤسسات وليست للأفراد، بما يؤكد ميل الكثير منهم للتمسك بالعملة المشفرة، والتي لا توجد دلائل حاليا على إمكانية عودتها لمستوياتها القياسية السابقة -مع ملاحظة أن سوق "بيتكوين" لا يسير بمنطق المنافسة الكاملة في ظل استحواذ عدد قليل من الأفراد على نسبة كبيرة من المتاح منها.

 

لذا فإن هؤلاء يتمسكون بأصل لا يمتلكون أي قدرة على توقع اتجاهاته أو التحكم فيه، فضلًا عن عدم تأثير آليات السوق التقليدية فيه بشكل كامل، وهو ما يمثل تجسيدا واضحا وصارخا لـ"تأثير التصرف" بالاعتقاد في ارتفاع قيمة الأصل بعد تراجعها.

 

المصادر: أرقام- كتاب "الخوف والطمع والذعر: سيكولوجيا سوق المال"- فوربس- فورتشن- ياهو فينانس- كتاب "stocks for dummies"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.