عندما بدأت الهواتف المحمولة في إرسال أولى الرسائل التحذيرية قبل أكثر من عقدين، كان الأمر مختلفًا تمامًا عمّا هو عليه اليوم.

فصوت تنبيه الرسائل، الجديد حينها، كان كفيلًا بقطع اجتماع، أو تغيير خطط السفر، أو دفع الناس إلى متابعة الأخبار بشكل متواصل، في وقت لم يعتد فيه المستخدمون بعد على تلقي تلك الرسائل، مفترضين بأن أي تنبيه يحمل في طياته رسالة أو تحذيرًا مهمًا.
في تلك المرحلة، لم يكن عدد الرسائل كبيرًا، ولم تكن مصادرها متعددة، لذلك كان كل تنبيه له وزنه، حيث كانت تقرأ تلك الرسائل بتمعن، ويتخذ على أساسها القرار.
لكن مع مرور السنوات، تغيّر المشهد جذريًا، إذ ازدادت الرسائل، وتنوّعت التحذيرات بين طقس، وأمن، وصحة، ونقل، واقتصاد، واختلفت درجات الجدية، من مخاطر حقيقية إلى احتمالات متعددة، ومع هذا التراكم، لم يعد الصوت ذاته يحمل المعنى نفسه.
لم تختفِ الأخطار بالطبع، لكن طريقة التعامل معها تغيرت، إذ لم يعد العقل يستجيب لكل تحذير، بل ينتظر الإشارة التي تؤكد أن الخطر تجاوز الاحتمال إلى الواقع.
هذا التحول لم يكن استهتارًا، بل تكيفًا وآلية دفاع طبيعية في بيئة تتدفق فيها الإنذارات بلا توقف.
واللافت للنظر أن هذا السلوك لم يبق حبيس الهواتف أو الأفراد، بل انتقل -بصورة أكثر تعقيدًا- إلى الأنظمة الاقتصادية الكبرى.
وفي مقدمتها سوق النفط الذي طالما ارتبطت أسعاره بالتوترات الجيوسياسية، وكانت أي أزمة سياسية أو عسكرية أو تهديد بعقوبات كفيلة بإشعال موجات صعود حادة في الأسعار.
غير أن هذا الارتباط التقليدي بدأ يتآكل تدريجيًا منذ عام 2020، ليصل في 2024 و2025 وبداية 2026 إلى مرحلة أكثر وضوحًا، حيث ظلت أسعار النفط منخفضة نسبيًا أو تميل إلى المحافظة رغم تصاعد الأزمات عالميًا.
فخلال هذه الفترة، تراوح سعر خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط في الغالب بين 55 و70 دولارًا للبرميل، رغم استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، واندلاع أزمات في سلاسل الإمداد، فضلًا عن التطورات الأخيرة في فنزويلا.
الأسواق تسعّر الوقائع لا الاحتمالات
وفي هذا الإطار يقول "بشار الحلبي"، محلل أسواق النفط والطاقة في شركة أرجوس (Argus)، في تصريحات خاصة لـ "أرقام" إن هذا السلوك السعري يعكس انتقال الأسواق النفطية إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"تطبيع المخاطر الجيوسياسية".

وأضاف "الحلبي" أنه منذ جائحة كوفيد-19، باتت الأزمات عنصرًا شبه دائم في المشهد العالمي، ما دفع الأسواق إلى التكيف معها بدلًا من المبالغة في تسعيرها.
كما أكد أن هذا التكيف أدى إلى تراجع تأثير العلاوة الجيوسياسية، إذ لم تعد قادرة على رفع الأسعار لفترات طويلة كما كان يحدث في السابق، رغم كثافة الأخبار وتسارع تدفقها.
ويرى "الحلبي"، أن الجغرافيا السياسية لم تفقد تأثيرها بالكامل، لكنها تغيرت طريقة تسعيرها حيث أصبحت الأسواق النفطية أكثر قدرة على التمييز بين الضجيج السياسي وبين الاضطرابات الفعلية التي تهدد المعروض النفطي.
ويشير إلى أن أي حدث جيوسياسي، مهما بلغت حدته، لا ينعكس على الأسعار إلا إذا كان من شأنه إحداث انقطاع مباشر ومستدام في الإمدادات، أما المخاطر المحتملة أو التهديدات غير المؤكدة، فلم تعد كافية لإشعال موجات صعود طويلة الأمد.
ويستشهد "الحلبي" بحرب الـ12 يومًا بين إيران وإسرائيل، التي أدت إلى قفزة سريعة في أسعار النفط بنسبة تراوحت بين 15 و16%، قبل أن تتراجع الأسعار سريعًا مع تأكد الأسواق من استمرار تدفقات النفط من منطقة الشرق الأوسط دون تأثر جوهري.
ويعكس هذا السلوك -بحسب "الحلبي"- حقيقة أن الأسواق لم تعد تسعّر السيناريوهات الأسوأ افتراضيًا، بل تنتظر دلائل ملموسة على تعطل الإمدادات، وطالما استمرت التدفقات النفطية، فإن أثر التوترات يظل محدودًا زمنيًا وسعريًا.
فائض المعروض العالمي عامل حاسم
يتقاطع هذا التحليل مع رؤية "يوهانس راوبال"، المحلل الأول لأسواق النفط الخام لدى شركة كبلر (Kpler)، الذي يرى أن السبب الجوهري لاستمرار ضعف أسعار النفط يتمثل في فائض المعروض العالمي.
ويوضح "راوبال" في تصريحات خاصة لـ "أرقام" أن أسعار النفط تتحرك في مسار هبوطي منذ نحو أربع سنوات، رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية حيث يتداول خام برنت حاليًا قرب 60 دولارًا للبرميل، وهو ما يعادل قرابة نصف المستويات المسجلة في مطلع عام 2022.
ويعزو "راوبال" هذا الاتجاه إلى أن نمو الإمدادات العالمية بات يفوق نمو الطلب بنحو 3 ملايين برميل يوميًا، مدفوعًا بارتفاع الإنتاج من داخل تحالف أوبك+ وخارجه، مع تسجيل مستويات إنتاج قوية من الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وكندا.

ويشير إلى أن هذا الفائض الهيكلي أضعف قدرة التوترات الجيوسياسية على دفع الأسعار صعودًا، إذ إن السوق لديها حاليًا قدرة كبيرة على امتصاص أي صدمات محتملة.
حتى في الحالات التي قدمت فيها التوترات دعمًا مؤقتًا للأسعار، سرعان ما تلاشت تلك المكاسب مع عودة التركيز إلى وفرة المعروض وتراكم المخزونات العالمية، خاصة في مراكز التخزين الرئيسية مثل كوشينغ في الولايات المتحدة وروتردام في أوروبا.
مرونة السوق وتغير قواعد التسعير
يرى "بشار الحلبي" أن قدرة الأسواق على التكيف لا تعود فقط إلى فائض المعروض، بل أيضًا إلى الطاقات الإنتاجية الفائضة لدى كبار المنتجين، الذين لديهم قدرات تشغيلية تتيح لهم التدخل خلال فترات قصيرة لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات.
ويؤكد أن هذا العامل يبعث برسالة طمأنة دائمة للأسواق مفادها أن أي انقطاع محتمل يمكن احتواؤه بسرعة، ما يقلل من احتمالات حدوث صدمات سعرية حادة.
كما أشار إلى أن تطورات فنزويلا الأخيرة باتت تُقرأ من زاوية إيجابية للأسواق حيث أسهمت أزمة احتجاز رئيسها، إلى جانب تصريحات "ترامب" بشأن إمكانية دخول ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الفنزويلي للأسواق بشكل قانوني، في تعزيز الثقة بالمعروض مستقبلًا.
كما تتزايد التوقعات بعودة الشركات الأمريكية للاستثمار في البنية التحتية النفطية الفنزويلية، وهو ما يدعم النظرة الإيجابية للمعروض على المدى المتوسط.
من جانبه، يرى "راوبال" أن الأسواق أصبحت أكثر مناعة تجاه الأخبار الجيوسياسية بفضل الاعتماد المتزايد على البيانات الفعلية التي تتيح تتبع تدفقات النفط في الوقت الحقيقي وهو ما مكّن المستثمرين من تقييم الأثر الحقيقي لأي اضطراب، بدل الاعتماد على التوقعات.
وأشار إلى أن مثل تلك البيانات مكنت المستثمرين من رؤية كميات النفط وهي تتدفق للأسواق ومتبعة تلك الإمدادات في حالة وجود مشكلة.
كما تلعب الأسواق المالية والعقود الآجلة دورًا محوريًا في تسعير النفط، حيث تعتمد نماذج التسعير الحديثة على التوقعات طويلة الأجل أكثر من اعتمادها على الأحداث الجيوسياسية قصيرة الأجل.
كل تلك العوامل حدت من تأثير الصدمات السياسية لتولد تقلبات مؤقتة بدلًا من اتجاهات سعرية طويلة الأمد.
هل هي مناعة مطلقة؟
لكن هذه المناعة هل يمكن أن تصمد أمام كل السيناريوهات؟ أجاي بارمار، مدير تحليلات أسواق النفط في شركة آي سي آي إس (ICIS)، يجيب عن هذا التساؤل في تصريحات خاصة لـ"أرقام" قائلًا إن السوق اليوم يرزح تحت وطأة فائض كبير في المعروض.

وأوضح "بارمار" أن هناك توقعات بفائض يقترب من 3 ملايين برميل يوميًا في 2026، نتيجة نمو الإمدادات من الولايات المتحدة وكندا وغيانا، مقابل توقعات ضعيفة لنمو الطلب.
لكنه أردف يقول إن التوترات الجيوسياسية لا تزال توفر دعمًا سعريًا محدودًا، لكنها لا تستطيع تحدي الإشارة الهبوطية الواضحة القادمة من أساسيات السوق.
ويرى أن السوق أصبح أقل حساسية للأحداث الجيوسياسية مع افتراض أن هذه الصراعات مؤقتة، وأن أثرها على المدى المتوسط والطويل يظل محدودًا في ظل سوق مشبعة بالإمدادات.
وفيما يتعلق بفنزويلا، شدد "بارمار" على أنها منتج صغير نسبيًا، وأن وضعها السياسي لا يُنظر إليه على أنه مصدر صدمة مستدامة للأسعار.
لكن الاستثناء، بحسب "بارمار"، يبقى مرتبطًا بإيران ومضيق هرمز، مؤكدًا أنه في حال تحول تصريحات الرئيس "ترامب" ضد إيران إلى مواجهة مباشرة فسوف يتأثر هذا الممر الحيوي، ما يجعل السوق تواجه صدمة حقيقية تتجاوز مناعة البيانات وفائض المعروض.
توقعات بنطاق سعري محدود
وبشأن التوقعات السعرية في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية عند مستوياتها الحالية، فمن المرجح بحسب تحليل "يوهانس راوبال" أن يستمر هذا المشهد خلال فترة تمتد من ستة إلى اثني عشر شهرًا مقبلاً.
وبناءً على ذلك، يُتوقع أن يتحرك خام برنت ضمن نطاق يتراوح بين 60 و70 دولارًا للبرميل خلال العام المقبل، حتى مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى.
لا يعني ما سبق أن تأثير التوترات الجيوسياسية على أسعار النفط قد فقد أهميته، بل إن آلية تسعيره تغيّرت جذريًا، وهو ما أكده بشار الحلبي، بأن الجغرافيا السياسية لا تزال قادرة على تحريك الأسعار، لكنها لم تعد العامل المسيطر الوحيد.
وفي ظل وفرة المعروض، ووجود طاقات إنتاجية فائضة، وتحسن أدوات متابعة وتحليل البيانات، يبدو أن سوق النفط دخل مرحلة مختلفة.
فكما لم يعد كل تنبيه على الهاتف يستحق القلق، لم يعد كل صاروخ أو تهديد عسكري كافيًا لرفع برميل النفط… إلا إذا انقطع الإمداد فعلًا.
المصادر: أرقام- وكالة رويترز- موقع إنفستينغ دوت كوم- صحيفة فايننشال تايمز- إيكونوميك تايمز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: