نبض أرقام
01:26 ص
توقيت مكة المكرمة

2026/01/16
2026/01/15

ومن الذكاء ما قتل
أرقام - خاص
22:23

ومن الذكاء ما قتل

2026/01/15 أرقام - خاص

في ولاية فلوريدا، انتهت حياة "ألكسندر" - شاب في الخامسة والثلاثين من عمره - بمشهد دموي أمام منزله، بعدما تحولت علاقة افتراضية مع روبوت دردشة مدعوم بالذكاء الاصطناعي من وسيلة تسلية إلى مأساة واقعية.
 

حيث قضى "ألكسندر" ساعات طويلة في محادثة مع "شات جي بي تي" الذي تخيله في صورة فتاة تُدعى "جولييت"، قبل أن يقنع نفسه لاحقًا بأن التطبيق قتل هذه الفتاة الافتراضية، ما أدخله في حالة من الحزن والغضب، وكأن شخصًا حقيقيًا اختفى من حياته فجأة.
 

وعندما حاول والده إعادته إلى الواقع، مؤكدًا له أن "جولييت" ليست سوى محادثة افتراضية، تصاعد التوتر سريعًا وتحول إلى اعتداء جسدي، وبعد استدعاء الشرطة، اندفع "ألكسندر" نحو الضباط وهو يحمل سكينًا، لينتهي المشهد بإطلاق النار عليه ووفاته في موقع الحادث.
 


 

في واقعة أخرى بدت للوهلة الأولى أقرب إلى السخرية، تجمع 200 شخص في سان فرانسيسكو لحضور جنازة رمزية، أُقيمت حدادًا على ما وصفوه بـ"وفاة كلود 3"، وذلك عقب إعلان شركة "أنثروبيك" إطلاق تحديث جديد لنماذجها وإيقاف العمل بالإصدار القديم.
 

هذه الحوادث، وغيرها من الوقائع التي تكررت خلال العام الماضي وتنوعت بين انتحار واعتداءات وانهيارات أسرية وحالات هلوسة وجنون العظمة، دفعت الأطباء النفسيين إلى التعمق في فهم آلية عمل الذكاء الاصطناعي وطريقة تفاعله مع البشر، وخلصوا إلى أن هناك أمراضا نفسية ظهرت مؤخرًا نتيجة هذه النماذج.
 

أمراض نفسية

- يُحذر الأطباء النفسيون من نمط جديد يلاحظونه في العيادات وغرف الطوارئ: أشخاص يقضون ساعات يوميًا مع روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ويخرجون منها بأفكار مريبة، أو طموحات مفرطة، أو انفصال عن الواقع.
 

- من هذا المنطلق، بدأ المختصون في صياغة مصطلح "ذهان الذكاء الاصطناعي"، وهي مجموعة من الأعراض الشبيهة بالذهان العادي، حينما يفقد الشخص اتصاله بالواقع، مع رؤية وسماع أشياء غير موجودة في الحقيقة.
 

- يشير الأطباء إلى أن ما يتم رصده لا ينطبق في الغالب على الذهان بمفهومه النفسي، الذي يشمل الهلوسة واضطراب التفكير والانفصال التام عن الواقع، بل يتركز أساسًا في ظهور أو تضخيم الأوهام والأفكار غير الواقعية.
 


 

- لا يكمن جوهر المشكلة في المحتوى الذي تقدمه أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في طريقة تفاعل هذه النماذج مع المستخدم، فأغلب النماذج مصممة لتأكيد افتراضات المستخدمين مع تلبية رغباتهم بطريقة حميمية وودودة، ما قد يشكل خطرًا مع شخص لديه هشاشة نفسية أو يعيش حالة عزلة أو ضغط شديد.
 

- قال الطبيب النفسي في جامعة كاليفورنيا، "كيث ساكاتا"، إنه استقبل أكثر من 10 مرضى مصابين بالذهان، تفاقمت حالتهم النفسية بسبب التحدث إلى برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
 

ما زلنا في البداية

- تعتقد الطبيبة "سوزان شيلمرداين" التي تعمل في مستشفى "جريت أورموند ستريت" في لندن، أن الأطباء قد يبدأون يومًا ما بسؤال المرضى عن مدى استخدامهم للذكاء الاصطناعي لتشخيص حالتهم، بنفس الطريقة التي يسألون بها حاليًا عن عادات التدخين.
 

- يُشير الأطباء إلى أن الغالبية العظمى من مستخدمي نماذج الذكاء الاصطناعي لا يواجهون مخاطر نفسية قوية، لكن القلق يتركز حول فئة محدودة من المستخدمين تظهر لديهم قابلية أعلى للتأثر السلبي.
 

- تُعد الفئات العمرية الأصغر، خصوصاً المراهقين والشباب في بداية العشرينات، من بين الأكثر عرضة للمخاطر المحتملة، فهذه المرحلة هي الأكثر تفاعلًا مع نماذج الذكاء الاصطناعي، كما أنها الأكثر عزلة اجتماعيًا بسبب كثرة استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
 


 

- ذكر "أندرو مكستاي" أستاذ التكنولوجيا والمجتمع في جامعة بانجور، أنه وجد (بناءً على دراسة أعدها هو وفريقه) أن 20% من الأشخاص يعتقدون أنه لا ينبغي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمن هم دون الثامنة عشر عاما.
 

- ليس هذا فحسب، بل تتفاقم المشكلات حينما يعتمد الأشخاص على هذه النماذج كمعالجين نفسيين، مثل اللجوء إليها للحصول على الدعم والتعاطف وتشخيص الأمراض، فقد تقدم للمستخدمين نصائح بإنهاء حياتهم في حال تم إقناعها بالطريقة المناسبة.
 

الذكاء البشري مهدد

- إلى جانب المخاطر النفسية، بدأت دراسات حديثة تُثير تساؤلات أعمق حول التأثير المعرفي طويل الأجل لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً على قدرات التفكير النقدي والتركيز والتعلّم.
 

- حيث أظهرت دراسة أعدها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن الاعتماد المكثف على روبوتات الدردشة أثناء أداء مهام ذهنية قد يؤدي إلى انخفاض واضح في نشاط الدماغ والقدرة على التفكير النقدي، مقارنة بالعمل المستقل أو حتى بالاعتماد على محركات البحث التقليدية.
 

- تتقاطع هذه المخاوف مع الرأي العام بأن قدرتنا العملية على التفكير العميق والاستدلال باتت أضعف من السابق، حيث أظهرت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA)، أن أداء الطلاب في القراءة والرياضيات والعلوم بلغ ذروته في أوائل العقد الثاني من الألفية، وتراجع لسنوات سبقت جائحة كورونا.
 


 

- كما تؤكد مؤشرات طويلة الأمد هذا التحول، ففي دراسات "مراقبة المستقبل"، وُجد أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، ظل معدل الإبلاغ عن صعوبات في التركيز والتعلّم مستقرًا لعقود، قبل أن يشهد ارتفاعًا حادًا منذ منتصف العقد الماضي.
 

- جزء من هذا التراجع يرتبط بالانتقال من المعرفة النصية إلى الوسائط البصرية، ومن القراءة المتأنية إلى التصفح السريع، فمع هيمنة الشاشات تراجعت معدلات القراءة، وتزامن هذا مع ضعف ملحوظ في مهارات الحساب والاستدلال المنطقي والتركيز الذهني.
 

- في هذا السياق، ظهرت مخاوف من أن يؤدي الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي إلى تعميق هذا التراجع المعرفي، عبر تقليص الحاجة إلى القراءة المتعمقة وبذل الجهد الذهني، فقدرة هذه النماذج على تلخيص الكتب والتقارير وتحويل الأفكار المعقدة إلى خلاصات سريعة قد تدفع المستخدم إلى الاكتفاء بالنتيجة النهائية.
 

أين يكمن الحل؟

- يقع عبء التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي على عاتق الشركات والمستخدمين معًا، فكما هي الحال مع أي منتج استهلاكي أو خدمة إلكترونية، لكن حتى مع سعي الشركات لتطوير نماذج أقل ودية في التعامل للفصل بين ما هو واقعي وافتراضي، انزعج المستخدمون.
 

- في أغسطس الماضي، اشتكى المستخدمون من أن نموذج "جي بي تي 5" أقل حميمية في التعامل وأكثر جفاءً، على عكس النموذج السابق الذي اعتبره الكثيرون بأنه متملق ومتحدث لبق.
 


 

- يرى "جوزيف بيير" أستاذ الطب النفسي في جامعة كاليفورنيا، أن أغلب حالات ذهان الذكاء الاصطناعي التي تعامل معها كانت تتعلق بعاملين، الأول هو كثافة الاستخدام، إذ إن قضاء ساعات طويلة يوميًا في التفاعل مع روبوتات الدردشة قد يكون مؤشرًا مبكرًا على علاقة غير صحية.
 

- أما العامل الثاني، فهو النظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي على أنها أدوات فائقة الذكاء أو مصدر موثوق للحقيقة المطلقة، وهو تصور بعيد تمامًا عن طبيعة هذه النماذج، إذ يجب على المستخدمين التدقيق في المعلومات التي يحصلون عليها من هذه النماذج.
 

- المفارقة الساخرة هنا، أن هذه الأدوات كانت ثمرة ذروة الذكاء وعبقرية الفكر البشري، وهي التي تهدد الآن قدرات العقل الإنساني والسلام النفسي للمستخدمين، لذلك من الضروري النظر إليها على أنها مجرد أدوات دون امتلاك فهم حقيقي أو إدراك أخلاقي.
 

- من ثم فإن جزءًا أساسيًّا من الحل يكمن في رفع وعي المستخدمين بحدود إمكانات هذه التكنولوجيا، وتحذيرهم من الاعتماد عليها في القرارات المصيرية أو التعامل معها في حال وجود أزمات نفسية حادة.
 

المصادر: بي بي سي – بي بي إس نيوز – الجارديان – تايم – فاينانشال تايمز – سي إن إن – فورتشن

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.