نبض أرقام
01:29 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/25
2026/01/24

حمّى الذهب في كاليفورنيا .. هوس غير وجه أمريكا

07:28 ص (بتوقيت مكة) أرقام

لم يكن الأمر بحاجة إلى إعلان رسمي ولا إلى خريطة كنز. قارورة صغيرة من الذهب كانت كافية لتُفرغ مدينة بأكملها من سكانها، وتدفع مئات الآلاف إلى رهن منازلهم وبيع مستقبلهم مقابل حلم واحد: الثراء السريع.

 

لحظة خاطفة من عام 1848، انزلقت الولايات المتحدة إلى واحدة من أكثر الهجرات البشرية جنوناً في تاريخها، حيث صار التراب أغلى من العمل، والحظ أثمن من الجهد، والذهب لغة يفهمها الجميع.

 

تقع حمّى الذهب في كاليفورنيا بين صفقة شراء لويزيانا عام 1803 والحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، ويعدّها كثير من المؤرخين الحدث الأهم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ليس فقط بسبب الثروة التي أُخرجت من باطن الأرض، بل لأن هذا الحدث أعاد رسم الخريطة الديموغرافية والاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة.

 

 

الثراء السريع

 

أدى اكتشاف الذهب في منشرة ساتر (Sutter’s Mill) في 24 يناير 1848 إلى إطلاق أكبر موجة هجرة في تاريخ الولايات المتحدة، وجذب الناس من أكثر من اثنتي عشرة دولة لتشكيل مجتمع متعدّد الأعراق على أطراف أمريكا.

 

وعد الثراء غيّر إلى الأبد توقّعات الحياة لمئات الآلاف الذين تدفّقوا إلى كاليفورنيا عام 1849 وفي العقد الذي تلاه. كما أشعل الذهب الاقتصاد الأمريكي وأجّج أحلاماً جامحة، من بينها إنشاء خط سكة حديد عابر للقارة.

 

الحرب مع المكسيك

 

عندما دخلت الولايات المتحدة والمكسيك الحرب عام 1846، كانت كاليفورنيا خاضعة لسيطرة فضفاضة من الحكومة المكسيكية.

 

وتكوّن سكانها آنذاك من نحو 6,500 من الكاليفورنيين (من أصول إسبانية أو مكسيكية)، و700 أجنبي (غالبيتهم أمريكيون)، ونحو 150 ألفاً من السكان الأصليين، الذين انخفض عددهم إلى النصف منذ وصول الإسبان عام 1769.

 

وكان الكاليفورنيون يعيشون في مزارع شاسعة منحتها لهم الحكومة المكسيكية.

 

قبل اكتشاف الذهب

 

بعد عامين من القتال، خرجت الولايات المتحدة منتصرة. وفي 2 فبراير/شباط 1848، وُقّعت معاهدة غوادالوبي هيدالغو، منهيةً الحرب رسمياً وناقلةً السيطرة على كاليفورنيا إلى الولايات المتحدة.

 

ولم يكن أيٌّ من الطرفين يعلم أن الذهب قد اكتُشف حديثاً في المنشرة التي كان يبنيها المهاجر السويسري جون ساتر قرب كولوما.

 

عدم تصديق

 

عندما وصل خبر الذهب أولاً إلى سان فرانسيسكو، قوبل بالتشكيك. ثم خرج رائد الأعمال سام برانان يجوب المدينة رافعاً قارورة من المعدن النفيس دليلاً.

 

وبحلول منتصف يونيو/حزيران، خلت المتاجر من البضائع، إذ توجّه معظم الرجال إلى المناجم. وسرعان ما لحقت بهم بقية كاليفورنيا.

 

وفي ذلك الصيف، حفر رجال مثل أنطونيو فرانكو كورونيل من لوس أنجلوس بحثاً عن الذهب جنباً إلى جنب مع كاليفورنيين وسكان أصليين وقلة من الأمريكيين الأنغلو الموجودين أصلاً في الإقليم.

 

علبة من الذهب

 

كتب الحاكم العسكري الكولونيل ريتشارد ب. ميسون، الذي جال في حقول الذهب، تقريراً تضمن أرقاماً مذهلة: عاملان في مناجم ويبر كريك جمعا 17 ألف دولار من الذهب خلال سبعة أيام؛ وستة عمال مع خمسين من السكان الأصليين استخرجوا 273 رطلاً من الذهب؛ وبلغت مبيعات متجر سام برانان قرب المناجم 36 ألف دولار في مايو ويونيو وبداية يوليو.

 

وأرسل ميسون تقريره وعلبة من الذهب إلى واشنطن في رحلة استغرقت أشهراً طويلة.

 

انتشار الخبر

 

وصل خبر الذهب بعد ذلك إلى الأماكن الأقرب إلى ساحل كاليفورنيا بحراً.

 

وتوجّه آلاف الأشخاص من جزر الساندويتش (هاواي)، وأوريغون، والمكسيك، وتشيلي، وبيرو، والصين إلى كاليفورنيا في صيف وخريف 1848، قبل أن يدرك الأمريكيون على الساحل الشرقي ما الذي سيحدث. وسرعان ما لحق بهم الأوروبيون.

 

 

حال الاتحاد

 

على الساحل الشرقي، نشرت الصحف أولى التقارير عن اكتشاف الذهب في منتصف صيف 1848.

 

وخفّف محررون متشككون من أهمية الخبر، رغم رسائل من كاليفورنيا، مثل تلك التي نشرتها صحيفة «فيلادلفيا نورث أميركان» في 14 سبتمبر، وجاء فيها: «لديكم جداول مليئة بالسمك الصغير، أما جداولنا فمرصوفة بالذهب».

 

ولم يقتنع الأمريكيون على نطاق واسع إلا عندما أعلن الرئيس جيمس ك. بولك تقرير الكولونيل ميسون في خطاب «حال الاتحاد» بتاريخ 5 ديسمبر 1848.

 

لم يحلموا بالثراء

 

فجأة، اقترض آلاف الأمريكيين (غالبيتهم من الرجال) الأموال، ورهنوا منازلهم، أو أنفقوا مدخرات عمرهم لاغتنام فرصة لم يتخيّلوها يوماً.

 

وفي مجتمع كان يتجه أكثر فأكثر إلى العمل المأجور، بدت فكرة تغيير المصير عبر جمع الذهب من الأرض فكرة لا تُقاوَم.

 

وذهبت بعض النساء الأمريكيات، بينهن لوزينا ويلسون، إلى كاليفورنيا، لكن معظمهن بقين في الوطن.

 

وتحملت النساء اللواتي بقين مسؤوليات غير متوقعة، مثل رعاية الأسر بمفردهن، وإدارة الأعمال، وتسيير المزارع.

 

اندفاع الباحثين عن الذهب

 

بحلول عام 1849، ارتفع عدد السكان غير الأصليين في كاليفورنيا إلى نحو 100 ألف شخص، كان قرابة الثلثين منهم أمريكيين.

 

وعند وصولهم، اكتشف المهاجرون أن التعدين من أشقّ أنواع العمل: نقل الصخور، وحفر التربة، والخوض في الجداول المتجمدة. فقدوا أظافرهم، ومرضوا، وعانوا سوء التغذية، ومات كثيرون بالأمراض أو الحوادث.

 

مدن تولد من الطين

 

على الرغم من العمل المضني، استمر وعد الذهب في جذب المزيد من الباحثين غرباً كل عام. ونشأت بلدات بأسماء مثل «هانغتاون» و«سكر فلات» و«بار القتلة» في كل شق واعد من جبال سييرا.

 

وخلال بضع سنوات، تحوّل ميناء سان فرانسيسكو الصغير إلى مدينة حدودية صاخبة باقتصاد نابض، وأُعلنت كاليفورنيا الولاية الحادية والثلاثين.

 

ملايين من الذهب

 

استُخرجت كميات هائلة من الذهب، لكن التعدين لم يكن متكافئ الفرص. ومع ازدياد المنافسة، لجأ عمّال المناجم من الأنغلو-أمريكيين إلى العنف لإقصاء الجنسيات الأخرى، بينما دفع السكان الأصليون ثمناً مأساوياً، إذ توفي نحو 120 ألفاً منهم بسبب المرض والجوع والقتل.

 

نهاية الحلم الفردي

 

مع اختفاء الذهب السطحي، تلاشت أحلام الثراء السريع. وحلّت الشركات الكبرى محل المغامرين الأفراد، مستخدمةً تقنيات مثل التعدين الهيدروليكي الذي استخرج ما قيمته 170 مليون دولار بين عامي 1860 و1880، لكنه دمّر البيئة وأغرق الأراضي الزراعية بالرسوبيات.

 

وفي عام 1884، أسدل حكم قضائي الستار على التعدين الهيدروليكي، لتنتقل كاليفورنيا من اقتصاد الذهب إلى اقتصاد الأرض والزراعة. لكن أثر تلك الحمّى لم ينتهِ؛ فقد تركت وراءها دولة، وسككاً حديدية، واقتصاداً وطنياً، وقصة تحذيرية خالدة عن الحلم الأمريكي حين يتحوّل إلى هوس.

 

المصدر: منصة "بي بي إس"

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.