تخيل أن شركتك تنفق ملايين الدولارات على مشروع لم يحقق أي عائد، ومع ذلك تستمر في التمويل، فقط لأنك “سبق وأن دفعت”. هذا هو الفخ النفسي الذي يقود العديد من الشركات إلى الخسارة.. إنها التكاليف الغارقة (Sunk Costs).
الأزمة ليست مجرد أرقام على ورقة حسابات، بل هي “حمل ميت” يثقل كاهل القرار ويمنعك من التحول إلى مسار أكثر ربحية. في عالم الأعمال، لا يكفي أن تكون ذكياً في الربح، بل يجب أن تكون أشد ذكاءً في التوقف.

التكاليف الغارقة
التكاليف الغارقة هي المصروفات التي تم دفعها بالفعل ولا يمكن استردادها بأي شكل. قد تشمل معدات، عقود إيجار مصانع، نفقات تسويق، برمجيات، أو حتى رواتب الموظفين. وبغض النظر عن مدى فشل المشروع، يبقى هذا المال “مفقوداً” ولا يمكن استعادته.
لكن لماذا يهمك ذلك؟ لأن مراقبة هذه التكاليف ليست مجرد مسألة محاسبية، بل أداة استراتيجية تساعدك على تقييم مدى ربحية المشاريع واتخاذ قرارات أكثر واقعية. كما يؤكد ماثيو بارتون من “معهد المحاسبين الماليين”، أن تتبع التكاليف الغارقة يساعد في كشف المشاريع غير المربحة قبل أن تتحول إلى عبء دائم.
لماذا يجب قياسها ومراقبتها؟
غالباً ما تتردد الشركات في إيقاف مشروع فاشل، خوفاً من أن يُعد ذلك “هدرًا للموارد”. وهذا ما يُعرف بـ انحياز التكلفة الغارقة أو مغالطة التكلفة الغارقة، وهي التي تدفع المؤسسات إلى استمرار الإنفاق رغم عدم جدواه.
مراقبة هذه التكاليف عن كثب تساعد في:
- تحديد مجالات تقليل الإنفاق
- توجيه الاستثمارات بشكل أكثر فعالية
- تجنب المصاريف غير الضرورية
- وضع سقوف إنفاق كنسبة من الإيرادات
- تحديد تكاليف يمكن قطعها عند تراجع الأرباح
في النهاية، معرفة تكاليفك الحقيقية هي أساس اتخاذ قرارات استثمارية مربحة. فالإنفاق غير المبرر لا يقل خطورة عن عدم وجود رأس مال كافٍ.
أنواع التكاليف الغارقة في الأعمال (مع أمثلة)
1- العمالة (الرواتب)
الرواتب من أهم التكاليف التشغيلية، لكنها أيضاً من التكاليف الغارقة. فبمجرد دفعها، لا يمكن استردادها. لذلك من الضروري تقييم أداء الموظفين بشكل دوري (ربع سنوي أو سنوي) لضمان تحقيق عائد فعلي على الاستثمار في القوى العاملة.
2- المرافق والتكاليف الثابتة
مثل الإيجارات، الأقساط، فواتير الكهرباء، التأمين، الصيانة، أو الأجهزة. هذه تكاليف تُعتبر غارقة بمجرد دفعها.
ولتقليلها، يمكن التفكير في:
- دعم العمل عن بُعد
- تقليل مساحة المكتب
- الانتقال إلى مساحات عمل مشتركة (Co-working)
-3الآلات والمعدات
في قطاع التصنيع، تشمل التكاليف الغارقة المعدات والآلات وعقود إيجار المصانع، لأنها غالباً لا تُسترد بنفس قيمة الشراء.
4- التسويق
أمثلة واضحة: إنفاق 4,000 دولار مثلا على حملة تسويقية لم تُحقق النتائج المرجوة. هذا المبلغ يصبح “غارقاً” لأنه لا يمكن استرداده، حتى لو كان المشروع غير ناجح.
5- البحث والتطوير (R&D)
كلما كبرت الشركة، زادت استثماراتها في تطوير المنتجات والخدمات. لكن إذا لم تُقَدَّر نتائج هذه الاستثمارات، فقد تتحول إلى تكاليف غارقة ضخمة دون عائد.
لماذا يواجه أصحاب الأعمال صعوبة في التعامل مع التكاليف الغارقة؟
السبب ليس نقصاً في المعلومات، بل في الطبيعة النفسية البشرية، التي تدفعك إلى:
1- مقاومة التغيير
بسبب العادات أو التمسك بالطرق التقليدية رغم تغير السوق أو التكنولوجيا، مما يمنعك من الانتقال إلى أساليب أكثر كفاءة.
2- الخوف من الفشل
قد يستمر صاحب العمل في تمويل مشروع فاشل لتجنب الشعور بالفشل أو الاعتراف بخطأ سابق.
3- تجنب الهدر
ينتج عن "النفور من الخسارة" (Loss Aversion)، حيث يفضل أصحاب الأعمال الاستمرار في الإنفاق بدلاً من قبول خسارة الماضي، حتى لو كان ذلك يزيد الخسائر المستقبلية.
4- انحياز الالتزام (Commitment Bias)
التمسك بالخطة الأصلية رغم عدم صلاحيتها، مما يجعل التراجع عنها أمراً صعباً.

كيف تتجنب الوقوع في فخ التكاليف الغارقة؟
1- اختبار الفكرة قبل الاستثمار الكبير (Test & Learn)
قبل ضخ أموال كبيرة في مشروع جديد، يجب التحقق من الفكرة والسوق. مثل:
- اختبار إثبات المفهوم (POC)
- إعداد عرض تقديمي يتضمن رؤية المشروع ومشكلاته وكيف يحلها
- جمع ردود العملاء والموظفين
وكما يقول أليك دوبي، مؤسس FanFinders: "نحن نعمل وفق مبدأ البيانات أولاً، ومنتج الحد الأدنى القابل للحياة. نختبر بسرعة وبأقل تكلفة. إذا كان جيداً نستخدمه، وإذا لم يكن نرميه".
2- الحفاظ على الحياد والموضوعية
تجاهل المشاعر والارتباطات الشخصية، واتخاذ القرار بناءً على البيانات.
مثلاً في الحملات التسويقية: حدد مؤشرات النجاح (تحويلات، مبيعات، معدل النقر) وراقبها. إن لم تحقق النتائج، غير الاستراتيجية فوراً.
3- إعادة تقييم العمليات بشكل دوري
يجب مراجعة الإنفاق باستمرار، خاصة عند تغير الظروف مثل ارتفاع التكاليف.
بدلاً من الاستمرار في خطة استثمارية غير مجدية، راجع الأرقام وقرر إذا ما كان الاستمرار منطقيًا اقتصاديًا.
مثال توضيحي للتكاليف الغارقة
يذكر دوبي أن تكاليف شركته تشمل البحث والتطوير، والرواتب، والتسويق، ويتم مراقبتها يومياً عبر اجتماعات تجارية تعتمد على البيانات.
لنأخذ مثالاً عملياً:
أبحاث التصميم: 5,000 يورو
رسوم وكالة التصميم: 10,000 يورو
تكلفة معدات التصنيع: 30,000 يورو
حملة تسويقية لمدة 6 أشهر: 30,000 يورو
إجمالي الإنفاق: 75,000 يورو
إذا لم يحقق المنتج الهدف بعد 6 أشهر، فإن أفضل قرار هو إيقاف الإنفاق الإضافي وتحليل أسباب الفشل، ثم اتخاذ قرار إما بتعديل المنتج أو وقف الإنتاج.
التكاليف الغارقة مقابل التكاليف الثابتة
التكاليف الثابتة هي المصروفات التي لا تتغير بتغير حجم الإنتاج، مثل الإيجار والرواتب.
لكن الفرق الجوهري بينهما هو: كل التكاليف الغارقة هي تكاليف ثابتة، لكن ليست كل التكاليف الثابتة غارقة.
لأن التكلفة الغارقة لا يمكن تغييرها بعد دفعها، بينما يمكن تعديل التكلفة الثابتة أو إيقافها إذا لزم الأمر.
ختاما، التكاليف الغارقة ليست مجرد مصروفات ماضية، بل هي اختبار لقدرتك على اتخاذ القرار.
إذا استمررت في التمويل بسبب “الخوف من الهدر” أو “الاعتراف بالفشل”، فإنك تضيع فرصاً أفضل وتزيد خسائرك.
النجاح الحقيقي في الأعمال لا يكمن فقط في جني الأرباح، بل في القدرة على التوقف عند اللحظة الصحيحة.
المصدر: أمريكان إكسبرس
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: