في زمن تزداد فيه قيمة التُسوّق، قد يصبح الشراء أكثر من مجرد استهلاكٍ عابر؛ قد يتحوّل إلى هوس يسرق منك الوقت والمال والراحة. ليس من السهل تمييزه، لأن "التسوّق" يبدو طبيعيًا في مجتمع يعلي من قيمة الاستهلاك.
لكن عندما تتحول الرغبة في الشراء إلى قوة لا تُقاوم، وعندما يصبح صرف المال هو الملجأ الوحيد للشعور بالتحسن، هنا تبدأ علامات التسوّق القهري في الظهور—حالة نفسية قد تُشبه الإدمان أكثر من كونها مجرد عادة سيئة.

ما هو التسوّق القهري؟
التسوّق القهري (يُعرف أيضًا باسم الشراء القهري أو إدمان التسوّق) هو حالة تتمثل في الانشغال المفرط بشراء المنتجات وإنفاق المال، حتى يصبح الشراء هدفًا بحد ذاته وليس وسيلة لتلبية احتياجات فعلية.
يتقاطع التسوّق القهري مع عدة اضطرابات نفسية أخرى، مثل اضطرابات القلق والمزاج، واضطرابات تعاطي المخدرات، واضطرابات التحكم في الاندفاع، واضطراب الوسواس القهري. لذلك لا يزال هناك جدل حول كيفية تصنيفه بشكل دقيق.
ومؤخرًا، بدأ تصنيف التسوّق القهري كنوع من الإدمان السلوكي، حيث يشترك مع إدمان القمار في خصائص عديدة، مثل تكرار السلوك رغم عواقبه السلبية، رغم أنه لا يتضمن تناول مواد مُخدرة.
تشخيص التسوّق القهري
وفقًا لدراسة منشورة في مجلة Journal of Behavioral Addictions عام 2021، تُقترح مجموعة من المعايير لتشخيص التسوّق القهري، وتشمل:
- الانشغال المفرط بالتسوق (مثل الشعور بدافع لا يقاوم لشراء منتج ما).
- ضعف السيطرة على سلوك الشراء (إنفاق وقت أو مال أكثر مما كان مخططًا له).
- شراء منتجات لا تُستخدم لغرضها الحقيقي (مثل شراء ملابس أو أجهزة لا تُستخدم).
- استخدام التسوق لتنظيم المزاج (مثل الشعور "بالنشوة" أو لتخفيف التوتر والملل).
- العواقب السلبية الناتجة عن الشراء (مثل الشعور بالذنب أو العار، أو الديون، أو مشاكل العلاقات).
- أعراض سلبية عند محاولة التوقف (قلق، تهيّج، غضب، قلق متكرر أو أفكار متسلسلة).
- الاستمرار في السلوك رغم العواقب (استمرار التسوق رغم الضرر المتكرر).
يُقدّر انتشار التسوّق القهري بين البالغين في الولايات المتحدة بين 2% و8%. كما تشير الإحصاءات إلى أن حوالي 80% إلى 94% من المصابين به من النساء، وتبدأ الأعراض غالبًا في أواخر سن المراهقة أو أوائل مرحلة البلوغ. ويرى الباحثون أن ذلك قد يرتبط باستقلال الشخص عن الأسرة، أو بحلول الوقت الذي يحصل فيه الفرد على أول بطاقة ائتمان.
وقد يكون التسوّق القهري متقطعًا أو مزمنًا. وفي الحالات المزمنة، يرتبط بزيادة المخاطر المالية مثل الديون والإفلاس، وربما حتى السرقة والجرائم الأخرى، إضافة إلى تدهور جودة الحياة، ومشكلات عائلية وزوجية، ومعاناة نفسية بسبب عدم القدرة على السيطرة.
عوامل الخطر
يُعد الطفولة الصعبة أحد أبرز عوامل الخطر للتسوّق القهري، مثل:
- وجود أبوين مسيئين جسديًا أو مهملين.
- أو أبوين عاطفيًا مهملين يربطان الحب بسلوك “جيد”.
- أو أبوين غائبين لا يملكان الوقت أو الطاقة للطفل.
- أو عائلات تعرضت لأزمات مالية وتصبح مهووسة بالرفاهية المفقودة.
في هذه البيئات، قد تصبح الممتلكات وسيلة للتخفيف من الألم، أو لتعزيز تقدير الذات، أو لاستعادة المكانة الاجتماعية المفقودة.
كما أن الأقارب من الدرجة الأولى للأشخاص الذين يعانون من التسوّق القهري هم أكثر عرضة للإصابة بالحالة نفسها أو باضطرابات نفسية أخرى مثل اضطرابات القلق والمزاج وتعاطي المواد.

التشخيص التفريقي
من المهم تمييز التسوّق القهري عن:
اضطراب ثنائي القطب: يكون الشراء خلال نوبات الهوس أو الهوس الخفيف مدفوعًا بالنشوة والغرور، وليس برغبة قهرية للتحكم في المشاعر.
الفصام: حيث يكون السلوك الشرائي غالبًا غريبًا أو مرتبطًا بأوهام.
وفيما يخص الاضطرابات المصاحبة، تشير الأبحاث إلى انتشار اضطرابات القلق والمزاج وتعاطي المواد واضطرابات الشخصية، خاصة الشخصية التجنبية والتابعة والوسواسية. كما تُلاحظ أيضًا حالات من إدمان القمار، أو ممارسة الرياضة، أو استخدام الإنترنت بشكل قهري.
وعند استخدام مقاييس التقييم “البُعدية”، لوحظ أن المصابين يميلون إلى ارتفاع درجات الاكتئاب، والاندفاعية كصفة شخصية، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، مع انخفاض مستوى تقدير الذات.
وفي إطار نموذج “العوامل الخمسة الكبرى للشخصية” (Big Five)، يظهر لديهم انخفاض في القابلية للتعاون والانضباط، وارتفاع في العصابية والسعي للتجديد والبحث عن الجديد.
كيف يُعالج التسوّق القهري؟
تم استخدام عدة أنواع من العلاج الجماعي لعلاج سلوك الشراء القهري، وغالبًا ما تعتمد على تقنيات العلاج السلوكي المعرفي (CBT).
ويهدف العلاج إلى:
- مساعدة الشخص على إيقاف السلوك المدمّر والتحكم فيه.
- بناء أنماط شراء صحية.
- تطوير مهارات التأقلم الصحي، وإدارة التوتر، وحل المشكلات.
كما تُستخدم الأدوية (العلاج الدوائي) للتعامل مع بعض الأعراض بناء على تشخيص وتوصية الطبيب.
وقد وجدت مراجعة منهجية لعلاجات التسوّق القهري (شملت 17 علاجًا نفسيًا و12 علاجًا دوائيًا) أن العلاج النفسي الجماعي كان الخيار الأكثر وعدًا بناءً على الأدلة المتاحة.
وفقًا للباحث بلاك، يُعرّف التسوّق القهري بأنه “الانشغال المفرط أو الاندفاع غير المسيطر عليه نحو الشراء، ما يسبب ضيقًا نفسيًا وقد يعرّض الوظائف الحياتية للخطر”.
ورغم عدم وضوح تصنيفه بين اضطرابات القلق/المزاج أو الإدمان السلوكي، فإن التسوّق القهري غالبًا ما يكون مصاحبًا لاضطرابات القلق والمزاج وتعاطي المواد واضطرابات الشخصية.
ويظل العلاج الجماعي، الذي يعتمد غالبًا على عناصر العلاج السلوكي المعرفي، الأكثر فاعلية، عبر:
1- تحديد المحفزات التي تثير الرغبة في التسوق.
2- فهم العواقب المترتبة على السلوك.
3- تعلم إدارة التوتر.
4- التعرض التدريجي ومنع الاستجابة.
وأخيرًا، تحذير مهم: التسوق المتكرر أو إنفاق المال بكثرة لا يعني بالضرورة وجود قهر. ففي أوقات معينة مثل العطلات أو أعياد الميلاد أو بعد الفوز بمبلغ مالي، قد يبدو الشراء “مفرطًا” لكنه طبيعي. لذلك، إذا كنت قلقًا بشأن سلوكك الشرائي، فالأفضل مراجعة مختص نفسي بدلًا من التشخيص الذاتي.
المصدر: سايكولوجي توداي
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: