في لحظة فارقة من تاريخ النظام الدولي، يجتمع قادة العالم في دافوس وسط اعتراف متزايد بأن القواعد التي حكمت التجارة والسياسة لعقود قد انتهت بلا رجعة، إذ لم تعد الهيمنة مجرد تنافس تقني بين واشنطن وبكين، بل تحولت إلى استراتيجية معلنة من الإكراه والتهديد بالتعريفات الجمركية، مما وضع الحلفاء والخصوم على حد سواء أمام اختبار صعب للتكيف مع عالم يسوده شعار "أمريكا أولاً" في صيغته الأكثر حدة.
ورغم ردود الفعل الغاضبة بأن العالم يدخل عهدًا استعماريًا جديدًا، لم يتردد الرئيس الأمريكي "ترامب" لحظة عن التوقف عن نهجه وتهديداته، بل نشر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لنفسه وهو يضع علم بلاده على أراضي الجزيرة القطبية التي يسعى لضمها، مع لافتة كتب عليها "جرينلاند-أرض أمريكية تأسست عام 2026.

نشر بعد ذلك رسائل نصية خاصة من الرئيس الفرنسي "ماكرون" والأمين العام لحلف الناتو "مارك روته" تشيد بقيادته وتسعى لإيجاد حل للأزمة، وأكد رؤيته في منشور عبر "تروث سوشيال": جرينلاند ضرورية للأمن القومي والعالمي.لا رجعة إلى الوراء.
لهجة حادة
بدت لهجة "ترامب" خلال الأيام الأخيرة مختلفة كليًا، إذ توقع مغادرة "ماكرون" لمنصبه قريبًا، وهدد بفرض تعريفات جمركية جديدة، وسخر من بريطانيا لموافقتها على التنازل عن سيادتها على جزر تشاغوس لموريشيوس، وتحولت تصريحاته من مجرد تكهنات استفزازية إلى تأكيد رسمي للهيمنة الأمريكية.
مخاوف عالمية
أظهر تقرير حديث صادر عن "إف جي إس جلوبال" والذي يستند إلى 175 مقابلة مع كبار القادة العالميين وخبراء السياسة، فضلاً عن استطلاع رأي شامل أن العالم الحالي أصبح معاداً تشكيله بفعل انهيار التوافق متعدد الأطراف وصعود القيادة الاستبدادية على حساب المؤسسات الضعيفة.
عصر النخبة
أضاف التقرير أن 69% ممن شملهم المسح يعتقدون أن للقادة الأقوياء حول العالم تأثيرًا متزايدًا على الأحداث العالمية يفوق تأثير المؤسسات الدولية، ويرى 73% منهم أن الحياة ستكون أكثر صعوبة على الجيل القادم، و74% منهم يرون أن النظام السياسي يخدم مصالح نخبة ثرية بدلاً من مصالح عامة الشعب.

دلالة بالغة
بدا تأثير التهديد الأخير من قبل "ترامب" للحلفاء الأوروبيين بفرض تعريفات جمركية جديدة في حال لم يقبلوا مسعاه لضم جرينلاند، مخيمًا على اجتماع قادة العالم ورجال الأعمال في المنتدى الاقتصادي العالمي 2026، حتى يبدو أن توقيت التهديد حدد بعناية لأجل هذا الاجتماع.
استراتيجية متعمدة
ذلك إلى جانب جهوده في السيطرة على قطاع النفط في فنزويلا، فضلاً عن تهديده لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي والذي أثار مخاوف لدى قادة البنوك المركزية العالمية وقادة الأعمال والمشرعين، وأدت تلك المخاوف إلى تغيير مسار الأيام الأولى للمنتدى إلى التركيز على المواجهة التي تهدد حلف الناتو، بدلاً من الحديث عن قضايا الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي وتغير المناخ.
دافوس 2026
يستقطب المنتدى – الذي ينعقد في دافوس بسويسرا - على مدار أيامه الخمسة، عشرات الآلاف من المشاركين بشكل منتظم، بمن فيهم رؤساء دول ومسؤولون تنفيذيون من قطاع الأعمال والمجتمع المدني، وسجل حضورًا قياسيًا في الدورة الحالية تحت شعار "روح الحوار" رغم إقرار مسؤوليه بمشكلات منها نقص أماكن الإقامة وتكاليف الأمن ومحدودية البنية التحتية.
إدانات غير مباشرة
حتى الآن كانت الإدانات الموجهة لسياسة "ترامب" مبطنة وغير مباشرة، فمثلاً "مارك كارني" رئيس الوزراء الكندي الذي حظى خطابه بتصفيق حار من المشاركين في المنتدى بعدما ذكر أن النظام الدولي القائم منذ زمن طويل على القواعد انتهى ولن يعود، وحث الدول متوسطة القوى على التوحد ردًا على ذلك، رغم أنه لم يذكر اسم الرئيس الأمريكي صراحة.

القوة الفجة
كما صرح الرئيس الفرنسي "ماكرون" بأن أوروبا تفضل سيادة القانون على الوحشية، وأكدت "أورسولا فون دير لاين" رئيسة المفوضية الأوروبية على ضرورة تعزيز أوروبا علاقاتها التجارية مع شركاء خارج الولايات المتحدة، وضرورة التخلي عن الحذر التقليدي في عالم يزداد فوضوية تحكمه القوة الفجة.
أجندة القوة القسرية
يترقب العالم اليوم عودة "ترامب" – بنواياه التي أصبحت واضحة - لحضور المنتدى في وقت يسوده الارتباك وقلق متزايد لقادة العالم من تحول الولايات المتحدة إلى قوة قسرية لا يمكن التنبؤ بها.
إقرار الهيمنة
من شأن هذا الخطاب اختبار ما إذا كان "ترامب" سيسعى إلى طمأنة الحلفاء كما فعل في 2018، أم أنه يعتزم إضفاء الطابع الرسمي على عقيدة الإكراه سواء باستخدام التعريفات أو التهديدات السياسية لتحقيق أجندته ومصالح بلاده، وبالفعل عندما سئل عن الخطاب المرتقب أوضح أنه سيسعى لإبراز الهيمنة الأمريكية والحديث عن النجاح - الذي وصفه بالهائل - المحقق خلال العام الأول من عودته للبيت الأبيض.
أصبح هذا التشاؤم يغذي عدم الاستقرار السياسي، بعدما بدا "ترامب" – الذي تصاعدت حدة خطاباته منذ العملية العسكرية في فنزويلا - غير مستعد للتنازل عن طموحاته في ضم الجزيرة القطبية التابعة للدنمارك، خاصة بعدما تخلى عن سعيه نحو السلام بعد انهيار آماله بالفوز بجائزة "نوبل"، وأصبح يركز على ما هو الأفضل ويناسب الولايات المتحدة فقط.
المصادر: أرقام – تقرير "إف جي إس جلوبال رادار" - فاينانشال تايمز - بوليتيكو - التايمز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: