تخيل أنك في قاعة تداول صاخبة، تماماً كما حدث في قصة فيلم "الرهان الكبير-The Big Short"، حيث العالم بأسره يرقص طرباً على حافة الهاوية قبيل الأزمة المالية عام 2008، والمؤشرات كلها خضراء في نظر العامة.
لكن، في زاوية معتمة، تجلس قلة من المحللين الذين قرأوا ما بين السطور، وأدركوا أن البنيان يتصدع، فراهنوا عكس التيار وربحوا المليارات حينما خسر الجميع. اليوم، نحن نعيش لحظة مشابهة في عالم التجارة.
لقد ولى الزمن الذي بشر به الصحفي والمؤلف الأمريكي "توماس فريدمان" في كتابه "العالم المسطح- The World Is Flat"، ونحن اليوم نقف على أنقاض النظام التجاري القديم.
لم تمت التجارة العالمية، لكنها كالأفعى، تخلع جلدها القديم لترتدي رداءً جديداً مخيطاً من قطع غير متجانسة؛ عالم لا تحكمه مطرقة واحدة، بل تتجاذبه أقطاب تتصارع تارة وتتعانق تارة أخرى.
ويمثل هذا التقرير "إسطرلاباً" فنيّاً يتيح للمستثمر الحذق إمكانية الإبحار الواعي في المحيطات التجارية المتلاطمة، واستكشاف مسارات الثروة الكامنة في تضاريس هذا العالم المتغير بحلول عام 2034.

نهاية البديهيات
- لم يعد مسار التجارة العالمية خطاً مستقيماً نحو الانفتاح، بل أصبح متشعباً تحكمه المصالح القومية، وتشير الأبحاث إلى أربعة سيناريوهات محتملة للمستقبل: الأول هو الانعزالية التامة (الاكتفاء الذاتي)، والثاني هو تكتلات إقليمية مغلقة (القلاع الإقليمية)، والثالث هو عودة النظام القديم القائم على القواعد (وهو الأقل ترجيحاً)، أما الرابع، والأكثر واقعية وزخماً، فهو "عالم متعدد الأقطاب"، حيث تتدفق التجارة عبر قنوات محددة بين أقطاب رئيسية، كل واحد يغني على ليلاه بقواعده الخاصة.
عالم المرقعات
- في السيناريو الرابع، يتجه العالم بثبات نحو سيناريو "المرقعات" (Patchwork)؛ وكأن ثوب التجارة العالمية لم يعد نسيجاً واحداً متيناً، بل صار قطعاً متباينة الألوان والخامات خيطت ببعضها على عجل، حيث يبتعد العالم عن الحروب التجارية الشاملة المدمرة، وأيضاً عن الوداعة السابقة، مثل "سلام مسلح" وحل وسط شائك؛ حيث تتدفق التجارة ورؤوس الأموال بناءً على الجغرافيا السياسية لا الكفاءة الاقتصادية وحدها.
الأقطاب الأربعة
- سيرتكز الاقتصاد العالمي بحلول 2034 على أربعة أعمدة رئيسية، كل منها يمتلك عقيدة تجارية مختلفة، وفي المقدمة تأتي الولايات المتحدة التي تتبنى نهج "أمريكا أولاً"، ثم الصين التي تسعى إلى الاكتفاء الذاتي مع ضمان منافذ لمنتجاتها، قبل القطب الثالث الذي يمكن تسميته بـ"التعدديين" (Plurilateralists) وهم مجموعة متنوعة (أوروبا، اليابان، كندا، المكسيك) تتمسك بالتجارة الحرة القائمة على القواعد، وأخيراً، دول "بريكس+" (باستثناء الصين) التي تعطي الأولوية للسيادة الوطنية والنمو الاقتصادي على حساب الاندماج العميق.
أمريكا أولاً
- تقف الولايات المتحدة في هذا المشهد كلاعب منفرد يلعب بقواعده الخاصة، حيث ستستخدم السياسات المختلفة لتعزيز إنتاجها المحلي وتقليص العجز التجاري، وفي هذا السيناريو، من المتوقع أن تنخفض حصة أمريكا من تجارة السلع العالمية، حيث سينمو حجم تجارتها بمعدل بطيء يبلغ 1.5% فقط سنوياً، وهذا لا يعني ضعفاً اقتصادياً، بل يعني تحولاً نحو الداخل، مع فرض قيود صارمة على الاستثمارات والتكنولوجيا تحت شعار الأمن القومي.

التنين المتحوط
- تلعب الصين لعبة مزدوجة بذكاء شديد، فهي من ناحية تدعم صناعاتها المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ومن ناحية أخرى تحتاج بشدة إلى الأسواق الخارجية لتصريف فائض إنتاجها والحصول على المواد الخام، ولذلك تظهر التوقعات أن تجارة الصين ستنمو بوتيرة أسرع من أمريكا (حوالي 40% أسرع)، لكن نموها الأكبر سيكون مع "الجنوب العالمي" ودول بريكس الأخرى، حيث ستتعمق الروابط التجارية لتعويض التراجع في الأسواق الغربية.
حلفاء القواعد
- "التعدديون" تكتل يعد الحصان الأسود في هذا السباق، حيث تضم هذه المجموعة الاتحاد الأوروبي ودولاً مثل فيتنام والمكسيك، وفي حين لا تشكل كتلة جغرافية متصلة، إلا أن الالتزام بالاتفاقيات التجارية العميقة يجمعها، ليكون هؤلاء هم حراس الشعلة القديمة للتجارة الحرة، ومن المتوقع أن يشهدوا نمواً تجارياً أعلى من المتوسط العالمي (3% سنوياً) فيما بينهم، ليصبحوا الملاذ الآمن للشركات التي تبحث عن استقرار تشريعي وبيئة استثمارية يمكن التنبؤ بها بعيداً عن تقلبات القطبين الكبيرين.
صعود الجنوب
- تمثل دول "بريكس+" (من دون الصين) القوة الصاعدة التي ترفض التبعية العمياء، وتشمل هذه المجموعة دولاً ثقيلة الوزن النسبي مثل الهند والبرازيل وروسيا، ودولاً صاعدة بقوة مثل الإمارات ومصر وإندونيسيا، حيث تتميز هذه المجموعة بالبراجماتية؛ فهي ترى التجارة محركاً للنمو لكنها ترفض التخلي عن سيادتها في اتفاقيات ملزمة، ولأن تجارتهم مع الصين من المتوقع نموها بنسبة تصل إلى 5.5% سنوياً، يخلق ذلك محوراً تجارياً "جنوبياً-جنوبياً" يوازي في قوته المحاور التقليدية القديمة.
|
تطور خريطة العلاقات التجارية حتى 2034 |
||
|
طرفا العلاقة التجارية (من - إلى) |
معدل النمو السنوي المركب (%) |
التغير الإجمالي في قيمة تجارة السلع (مليار دولار) |
|
الولايات المتحدة ↔ الصين |
(4.50%) |
(250) |
|
الولايات المتحدة ↔ التعدديون |
%1.50 |
660 |
|
الولايات المتحدة ↔ بقية العالم |
%2.50 |
190 |
|
الولايات المتحدة ↔ التعدديون |
%1.50 |
50 |
|
الصين ↔ بريكس+ |
%5.50 |
620 |
|
الصين ↔ التعدديون |
%2.50 |
450 |
|
الصين ↔ بقية العالم |
%3.00 |
450 |
|
التعدديون (تجارة داخلية بين الأعضاء) |
%3.00 |
2,500 |
|
التعدديون ↔ بريكس+ |
%2.50 |
380 |
|
التعدديون ↔ بقية العالم |
%3.00 |
900 |
|
بريكس+ ↔ بقية العالم |
%3.00 |
400 |
|
بريكس+ (تجارة داخلية) |
%2.50 |
50 |
|
بقية العالم (تجارة داخلية) |
%1.50 |
190 |
الخريطة تتغير
- بلغة الأرقام التي لا تكذب، سيحافظ الاقتصاد العالمي على مرونته، حيث تشير توقعات عام 2034 إلى أن حجم التجارة العالمية للسلع سينمو بمعدل سنوي مركب قدره 2.5%، متفوقاً بشكل طفيف على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي (2.4%)، لكن لأن الشيطان يكمن في التفاصيل؛ تتقلص التدفقات بين الغرب والشرق، وتزدهر الطرق التجارية الجديدة.

ثقلٌ متصاعد
- لم يعد "الجنوب العالمي" مجرد مصطلح جغرافي، بل هو تحول إلى "ماركة مسجلة" لدولٍ ترفض التهميش الاقتصادي، حيث تشير البيانات إلى أن هذه الدول باتت القاطرة الحقيقية للنمو؛ فبينما تترنح الاقتصادات المتقدمة بنمو متواضع قدره 1.9%، ينطلق الجنوب العالمي بمعدل نمو سنوي يبلغ 4.2% حتى عام 2029، وكأنه إعلان انتقال مركز الثقل الاستهلاكي والإنتاجي نحو أسواق كانت تُسمى بالأمس "ناشئة"، وغدًا تصبح "قائدة".
العمالقة الجدد
- تكشف التوقعات لعام 2029 عن خريطة قوة جديدة كلياً، حيث ستعتلي الهند منصة التتويج كثالث أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي يصل إلى 6.3 تريليون دولار، ولن تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، بل ستقتحم البرازيل قائمة الكبار في المركز الثامن، وتلحق بها إندونيسيا في المركز السادس عشر، بينما تواصل السعودية والفلبين وبنغلاديش صعودها السريع في سلم التصنيف العالمي، ما ينهي عهد "نادي الكبار" الحصري الذي سيطر على مقدرات العالم لعقود.

جسورٌ جنوبية
- تظهر إحصاءات التجارة تحولاً جوهرياً في مسارات السفن؛ حيث من المتوقع أن تقترب تجارة الجنوب العالمي من عتبة 14 تريليون دولار بحلول عام 2033، واللافت هنا هو ازدهار التجارة "الجنوبية - الجنوبية"، التي تنمو بمعدل 3.8% سنوياً، متجاوزةً بكثير نمو التجارة بين دول الشمال المتقدمة (2.2%)، وهذا يعني أن دولاً مثل المكسيك وفيتنام وتايلاند، بدأت تنسج شبكاتها الخاصة بعيداً عن الوصاية التجارية التقليدية، لتعمل كـ "اقتصادات ربط" تجمع بين الشرق والغرب ببراعة.
عضلات جيوسياسية
- بالنسبة للشركات والمستثمرين، الرسالة واضحة: الكفاءة وحدها لم تعد تكفي، لذلك يجب على قادة الأعمال بناء "عضلات جيوسياسية" ضمن قراراتهم الاستراتيجية، هذا يعني إعادة تشكيل سلاسل التوريد لتكون أكثر شفافية ومرونة، وربما أكثر تكلفة، لضمان الامتثال لقواعد الأقطاب المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة لن يكونا مجرد أدوات لخفض التكلفة، بل ضرورة لتعويض الرسوم الجمركية المرتفعة وتكاليف الامتثال المعقدة في هذا العالم المجزأ.
اقتناص الفرص
- في الختام، هذا العالم "المرقع" ليس نذير شؤم، بل هو ساحة مليئة بالفرص لمن يملك البصيرة، فالحكومات الذكية يمكنها أن تلعب دور الجسر بين هذه الأقطاب المتنافرة، والمستثمر الذكي هو الذي لا يضع بيضه في سلة قطب واحد، بل ينوع محفظته لتستفيد من نمو "التعدديين" وزخم "الجنوب العالمي"، لذلك يمكن القول بأن العولمة لم تنتهِ، لكنها تطورت إلى لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد، والفائز هو من يتقن النقلات بين الرقع المختلفة.
المصادر: أرقام – المنتدى الاقتصادي العالمي - بوسطن كونسلتينج جروب (بي سي جي)
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: