في أروقة البنك المركزي بالعاصمة "أكرا"، تتكشف واحدة من أكثر المفارقات المالية إثارة في الأسواق الناشئة؛ فبينما كانت غانا تحتفي بتحقيق أضخم عوائد تصديرية من الذهب في تاريخها بقيمة 20.9 مليار دولار بنهاية عام 2025، صُدمت الأسواق ببيانات تظهر "تبخر" نحو 51% من احتياطيات البنك من المعدن الأصفر خلال شهرين فقط.
ويأتي هذا التآكل المادي في وقت سجلت فيه الدفاتر خسائر صافية مجمعة بلغت 7.1 مليار سيدي غاني (ما يعادل حوالي 494 مليون دولار)، ناتجة عن برامج شراء الذهب المحلية الرامية لمقايضة المعدن بالنفط وتعزيز الاحتياطيات.
وبينما تصر الحكومة على أن هذا "التسييل" كان خطوة تكتيكية لاقتناص أرباح الذهب عند قمم تاريخية للمعدن الأصفر ودعم العملة المحلية، يتساءل المراقبون: هل نحن أمام إدارة عبقرية للأصول السيادية نجحت في تحويل المعدن إلى سيولة نقدية جبارة لإنقاذ الاقتصاد، أم أن "ساحل الذهب" غرق في تفاصيل هندسة مالية أغفلت حساب الخسائر التشغيلية؟

انفجار العائدات
- استعادت غانا بريقها كأكبر منتج للذهب في إفريقيا والسادس عالمياً بإنتاج بلغ 141 طناً في عام 2024، متفوقة على مالي وجنوب إفريقيا، ليساهم الذهب بنسبة 67% من إجمالي صادرات البلاد البالغة 31.1 مليار دولار في عام 2025، متفوقاً بفارق هائل على الكاكاو (3.8 مليار دولار) والنفط (2.6 مليار دولار).
لغز الاحتياطيات
- تمثل المفارقة الكبرى في انخفاض الاحتياطيات الرسمية إلى 18.6 طن في نهاية 2025 من 38.04 طن، ويبرر البنك المركزي هذا الانخفاض بأنه عملية "إعادة توازن" تهدف لتحويل الذهب إلى أصول أجنبية سائلة تدر عائداً، بدلاً من الاحتفاظ بمعدن جامد، مستغلاً الأسعار القياسية لتوفير غطاء استيراد تاريخي وصل إلى 5.7 شهر، مقارنة بـ 4.1 شهر في العام السابق.
نزيف مالي
- رغم ضخامة الإنتاج، كشفت التقارير عن خسائر تشغيلية مجمعة بلغت 7.1 مليار سيدي غاني بين عامي 2022 و2024، وذلك بسبب "العلاوات السعرية" التي يضطر البنك المركزي لدفعها للمنقبين الصغار لتحفيزهم على التعامل عبر القنوات الرسمية بدلاً من التهريب؛ حيث بلغت الخسائر في قطاع صغار المنقبين والحرفيين نحو 4.84 مليار سيدي في عام 2024، صعوداً من 74 مليوناً فقط في 2022.
هندسة المقايضة
- يعد برنامج "الذهب مقابل النفط" (G4O) حجر الزاوية في استراتيجية غانا لتقليل الاعتماد على الدولار؛ حيث ضخ البنك المركزي 4.69 مليار سيدي كرأس مال عامل لشراء الذهب محلياً ومقايضته بالوقود، وبالرغم من أن البرنامج خفف الضغط على النقد الأجنبي، إلا أن تكاليف التنفيذ وفروق أسعار الصرف سجلت خسائر 1.82 مليار سيدي في 2024، تضاف إلى 317 مليوناً في 2023.
تعليق اضطراري
- أعلن محافظ البنك المركزي في يناير، استمرار تعليق برنامج "الذهب مقابل النفط"، ريثما يتم الانتهاء من تدقيق خارجي شامل، بعد أن بلغت الخسائر التشغيلية المرتبطة بهذا المسار تحديداً نحو 2.43 مليار سيدي، ويهدف التعليق إلى معالجة ثغرات الشفافية واستجابة لتحذيرات صندوق النقد الدولي بشأن المخاطر المالية التي تهدد الميزانية العمومية للبنك المركزي.

سيادة وطنية
- اتخذت غانا قراراً جريئاً بإنهاء الاتفاقيات التي منحت شركات التعدين العالمية شروطاً ضريبية ثابتة لعقود، هذا التوجه السيادي بدأ بمنجم "أهافو" التابع لشركة "نيومونت" فور انتهاء اتفاقيته في ديسمبر 2025، ويهدف لضمان حصول الدولة على حصة عادلة من الارتفاع الكبير في أسعار الذهب.
إتاوات تصاعدية
- فرضت التشريعات الجديدة نظام إتاوات مرناً يبدأ من 9% ويصل إلى 12% إذا تجاوز سعر الذهب حاجز 4500 دولار للأوقية، وهو ما يمثل ضعف المعدلات السابقة التي كانت تتراوح بين 3% و5%، وحذرت غرفة المناجم من أن هذه الأعباء قد ترفع تكلفة رأس المال وتدفع الشركات الكبرى لتقليص نفقاتها الاستكشافية في المشاريع الهامشية.

الإصلاح الهيكلي
- يبدأ التحول الاستراتيجي في فبراير 2026، عقب توقيع اتفاقية لتكرير طن واحد من الذهب أسبوعياً داخل "مصفاة ساحل الذهب"، وتمنح الاتفاقية الدولة 15% كحصة ملكية مجانية في المصفاة، وتهدف للاحتفاظ برسوم التكرير التي كانت تُدفع لمصافي دبي وسويسرا، مع السعي للحصول على اعتماد جمعية سوق لندن للسبائك (LBMA) لرفع مرتبة الذهب الغاني دوليا.
آفاق مستقبلية
- يتوقع صندوق النقد الدولي نمو اقتصاد غانا بنسبة 4.8% في 2026، مدعوماً بإنتاج مناجم جديدة مثل "نامديني"، بينما من المتوقع أن ينمو الاقتصاد بنسبة 5.7% هذا العام، وفقًا لتحليل حديث أجرته شركة التدقيق العالمية "ديلويت"، ومع ذلك، تظل الاستدامة المالية مرهونة بقدرة البنك المركزي على معالجة خسائر برامج الذهب وتحقيق الشفافية التي طالب بها الصندوق.
المصادر: أرقام - مجلس الذهب العالمي - صندوق النقد الدولي - البنك المركزي الغاني - بلومبرج - وكالة إيكوفين - رويترز - غانا ويب - ماينينج دوت كوم - كيتكو - بي آند إف تي أونلاين - جوي أونلاين.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: