نبض أرقام
01:31 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/02
2026/02/01

أزمات ممتدة في قطاع الطيران .. الاحتكار في مقدمتها

08:01 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

قبل عامين، أعلنت شركة رايان إير، أكبر شركة طيران منخفض التكلفة في أوروبا، عن خطط طموحة لتوسيع شبكتها عبر إطلاق مسارات جديدة وزيادة السعة في عدد من رحلاتها الإقليمية.

 

 

هذا الإعلان خلق آمالًا لدى المسافرين، وفتح الباب أمام فرص نمو للمطارات والشركات السياحية المحلية، غير أن هذه الخطط اصطدمت سريعًا بعائق لم يكن مرتبطًا بالطلب، بل بتأخر تسليم الطائرات وقطع الغيار.

 

ومع استمرار مشكلات سلسلة التوريد لدى شركات تصنيع الطائرات والمحركات، اضطرت رايان إير إلى التراجع عن خطط توسعها وأجلت تشغيل عدد من المسارات الجديدة، رغم قوة الحجوزات.

 

وفي يناير 2025 خفضت الشركة هدفها لعدد المسافرين في السنة المالية 2026 من 215 مليون راكب إلى 210 ملايين راكب بسبب تأخر تسليم عدد من طائرات بوينج 737، وأعربت الإدارة عن إحباطها من نقص بعض الطائرات.

 

هذا المثال يعكس واقعًا بات شائعًا في صناعة الطيران العالمية، وهو امتلاك شركات الطيران لخطط نمو واضحة، لكن اختناقات تسليم الطائرات وقطع الغيار تجبرها على تعديل استراتيجياتها.

 

ويقف قطاع الطيران العالمي اليوم عند مفترق طرق حاسم، فبعد الصدمة العنيفة التي سببها وباء كوفيد-19، عاد الطلب على السفر الجوي بقوة، وتشير التقديرات أنه في عام 2025 نما الطلب العالمي على السفر الجوي بنسبة 5.3% مقارنة بـ2024.

 

لكن هذا التعافي السريع كشف عن اختلالات هيكلية عميقة في سلاسل تصنيع وصيانة الطائرات منها تضخم التكاليف ونقص المكونات الحيوية، لتجد شركات الطيران نفسها أمام تحديات مستمرة تؤثر مباشرة في جداولها التشغيلية وخطط تحديث الأساطيل والربحية.

 

ولا يمكن تبسيط هذه الأزمة على أنها مجرد خلل لوجستي عابر، بل هي نتيجة عوامل متداخلة تسبب تداعيات لا تقتصر فقط على عدد الرحلات المؤجلة، بل بحجم الفرص الاقتصادية التي تضيع، والاستثمارات التي تجمد، والثقة التي تتآكل لدى المسافرين.

 

اختناقات سلاسل التوريد وصعوبات التسليم

 

أحد أكثر مظاهر الأزمة وضوحًا يتمثل في الارتفاع التاريخي في طلبيات الطائرات التي لم يتم تسليمها.

 

فخلال عام 2024، تجاوز إجمالي الطلبيات المتراكمة للطائرات التجارية عالميًا 17 ألف طائرة، وهو رقم غير مسبوق ويمثل ما يقارب 60% من حجم الأسطول التجاري العامل حول العالم حينها.

 

ويعكس هذا التراكم نقصًا في المكونات الأساسية مثل المحركات، وأنظمة الطيران، والهياكل، وليس فقط في الطائرات النهائية.

 

 

ولإدراك تأثير هذا الأمر، نما عدد الركاب عالميًا بنحو 10.4% خلال 2024، في مقابل نمو الطاقة الاستيعابية بوتيرة أبطأ عند 8.7%، ما أجبر شركات الطيران على تشغيل طائرات أقدم لفترات أطول، ما يؤخر تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض الانبعاثات.

 

إجمالي الطائرات التي جرى تسليمها من شركتي بوينج وإيرباص (* أرقام تقديرية)

السنة

بوينج

إيرباص

2021

340

611

2022

480

661

2023

556

707

2024

588

710

*2025

620

725

 

ولم تقتصر الأزمة على الطائرات الجديدة، بل امتدت بقوة إلى سوق قطع الغيار، فقد شهدت فترات تسليم المكونات الأساسية، وخاصة المحركات تأخيرات كبيرة.

 

وتشير الرابطة الدولية للنقل الجوي (إياتا) إلى أن شركات الطيران باتت مضطرة إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر من المعتاد للتحوط لتأمين نفسها من حالة عدم اليقين، وهو ما يرفع التكاليف ويزيد من تعقيد العمليات.

 

ويعد ما حدث مع الخطوط الجوية البريطانية مثالا واضحا على ذلك إذ اضطرت خلال 2024 إلى إيقاف عدد من طائرات بوينج 787 دريملاينر عن الخدمة بسبب تأخر تسليم قطع غيار لمحركات رولز رويس ترنت 1000.

 

هذه الأزمة أدت إلى تحمل شركات الطيران كلفة اقتصادية باهظة جراء هذه الاختناقات، ووفق دراسة مشتركة بين إياتا وشركة أوليفر وايمان، من المتوقع أن تتجاوز التكلفة التراكمية لتعطل سلاسل التوريد في عام 2025 نحو 11 مليار دولار أمريكي.

 

ويتوزع هذا المبلغ كالتالي: 4.2 مليار دولار تكاليف وقود إضافية نتيجة تشغيل طائرات أقل كفاءة؛ 3.1 مليار دولار نفقات صيانة أعلى؛ و2.6 مليار دولار تكاليف استئجار محركات بسبب طول فترات الإصلاح؛ و1.4 مليار دولار تكاليف تخزين مخزون قطع غيار إضافي.

 

هذه الأعباء بالطبع تضغط على هوامش الربح، وتنعكس في نهاية المطاف على أسعار التذاكر وموثوقية خدمات النقل الجوي.

 

احتكار وعدم توازن.. أزمة تمتد لفترة طويلة

 

تتميز صناعة الطيران بطبيعتها التنظيمية المعقدة، ما يؤدي إلى تركيز شديد في عدد الموردين، خصوصًا في أجزاء مثل المحركات والمكونات عالية الدقة، هذا التركيز يمنح الموردين الكبار نفوذًا كبيرًا في التسعير والتسليم.

 

ويُظهر واقع صناعة الطائرات التجارية أن عدد الشركات المصنعة للطائرات على مستوى العالم محدود للغاية.

 

 

ووفق بيانات إياتا، فهناك نحو 26 شركة مصنعة للطائرات تجاريًا عالميًا، لكن شركتين فقط تمثلان نحو 80% من أسطول الطائرات التجارية العامل في العالم وهي إيرباص وبوينج.

 

أما الشركات المتبقية مجتمعة فتمثل حصة صغيرة جدًا من السوق، وغالبًا في فئات الطائرات الإقليمية أو المتخصصة فقط.

 

كما تهيمن شركات مثل برات آند ويتني (تابعة لمجموعة آر تي إكس)، وجي إي إيروسبيس، ورولز رويس على سوق محركات الطائرات التجارية وقطعها، وعندما تواجه هذه الشركات مشكلات إنتاج أو جودة، تمتد التداعيات إلى كامل القطاع.

 

وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع كبير في أسعار المحركات، حيث باتت تمثل ما يصل إلى 80% من قيمة الطائرة، مقارنة بنسبة تتراوح بين 20 و30% فقط قبل عقدين، وهو ما يعكس اختلال ميزان العرض والطلب.

 

وأشار "ريك دورلو"، رئيس قطاع المحركات التجارية في برات آند ويتني في تصريحات نقلتها رويترز، إلى أن عدم التوازن الحالي بين العرض والطلب قد يستمر حتى نهاية هذا العقد، ما يؤكد أن الأزمة ذات طابع هيكلي وليس مؤقتًا.

 

نفوذ المصنعين الأصليين يمتد أيضًا إلى سوق ما بعد البيع، من خلال عقود الصيانة والترخيص التي تحدّ من دخول الموردين البديلين، هذا الأمر يمنحهم قدرة على فرض أسعار مرتفعة والتحكم في توافر القطع، وهو ما انتقدته شركات الطيران مرارًا.

 

في المقابل، اتجهت شركات الطيران بشكل متزايد إلى الاعتماد على القطع المستعملة الصالحة للخدمة والمستخرجة من الطائرات المفككة.

 

ونتيجة لهذا تشير التقديرات إلى أن هذا السوق سينمو من 8.07 مليار دولار أمريكي في 2023 إلى 14.72 مليار دولار بحلول 2033.

 

في حين يزيد من حدة الأزمة تداخلها مع توترات التجارة العالمية، وفرض الرسوم الجمركية، ونقص العمالة الماهرة في مصانع المحركات والمكونات، وهي عوامل يصعب معالجتها سريعًا حتى مع زيادة الاستثمارات.

 

استجابات القطاع والحلول الناشئة

 

رغم عمق الأزمة، يعمل قطاع الطيران على تطوير حلول يقودها بنفسه لتعزيز المرونة وتقليل الاعتماد على مصادر محدودة.

 

ويتمثل الرقمنة والشفافية في سلاسل التوريد في استخدام تحليلات البيانات المتقدمة ومنصات الرصد الفوري لتحسين الشفافية.

 

 

وتعد منصة إياتا إم آر أو سمارت هَب مثالًا على ذلك، إذ تساعد شركات الطيران ومراكز الصيانة على مقارنة الأسعار، وتحديد مصادر القطع، وتحسين قرارات الشراء.

 

كما تسهم تقنيات الصيانة التنبؤية في تقليل الأعطال المفاجئة وخفض حالات بقاء الطائرات على الأرض.

 

كما تسعى شركات الطيران إلى تقليل الاعتماد على المصنعين الأصليين عبر التوسع في استخدام قطع حاصلة على اعتمادات معترف بها من موردين مستقلين، إضافة إلى زيادة الاعتماد على إصلاح المكونات بدل استبدالها بالكامل.

 

ورغم التحديات التنظيمية، فإن توسع قبول هذه البدائل قد يخفف من هيمنة السوق.

 

كما يشهد القطاع تعاونًا أوسع بين شركات الطيران، والمصنعين، وشركات التأجير، ومراكز الصيانة، بهدف تنسيق المخزون، وكشف المخاطر في سلاسل الموردين الثانوية.

 

ولكن هل هذا يعني أن هناك حلا قريبا، وللإجابة عن هذا السؤال يجب إدراك أن أزمة قطاع الطيران تعكس مزيجًا معقدًا من الطلب المتسارع، والقدرات الإنتاجية المحدودة، وتركيز السوق، والعوامل الجيوسياسية.

 

ومع أن التحسن السريع لا يبدو وشيكًا، فإن الحلول التي يقودها القطاع قد تمثل خطوات حقيقية نحو تخفيف حدة الأزمة.

 

ومن المرجح أن يتحقق تحسن تدريجي خلال السنوات القليلة المقبلة، إذا جرى توسع الطاقة الإنتاجية وزيادة الاستثمارات في القطاع، خاصة في ظل تطور الذكاء الاصطناعي ونضوج الحلول الرقمية.

 

وحتى ذلك الحين، ستظل القدرة على التكيف والابتكار عاملًا حاسمًا في إبقاء الطائرات محلّقة.

 

المصادر: أرقام- الرابطة الدولية للنقل الجوي (إياتا)- صحيفة فايننشال تايمز- وكالة رويترز- صحيفة ذا تايمز البريطانية- سي إن بي سي

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.