على مدار عقود زمنية، وسوق الذهب يدار بمجرد "حبر على ورق" في أروقة بورصة شيكاغو، حيث يربح المستثمرون ويخسرون أيضًا دون أن يلمس أحدهم سبيكة واحدة، لكن يبرز التساؤل الآن: مع تزايد الطلب على التسليم الفعلي ورفع متطلبات التداول الورقي، هل تتغير قواعد اللعبة جذريًا ويعود الذهب إلى بريقه المادي بعيدًا عن شاشات التداول؟

كيف يمكن الاستثمار في الذهب؟
ببساطة، يمكن للمستثمرين الاحتفاظ بالذهب ماديًا على شكل عملات أو سبائك أو مجوهرات، أو عبر صناديق المؤشرات المتداولة والعقود الآجلة، ويعتمد اختيار الطريقة الأنسب لكل مستثمر على سبب الاحتفاظ بالذهب، على حد تعبير "مايك كيسي" المسؤول المالي لدى "إيه إي أدفيزورس".
التداول الورقي.. تضييق الخناق على السيولة؟
لكي تتضح فكرة التداول الورقي، يجب التطرق لمصطلح "الرافعة المالية - Leverage" والذي يعني ببساطة الاستثمار بمبلغ أكبر من رأس المال الحقيقي المتاح، عبر الاقتراض من شركة الوساطة.
مثال
مثلاً يرغب مستثمر في شراء عقود الذهب بقيمة 10 آلاف ريال لكنه لا يمتلك سوى 5 آلاف ريال فقط، في هذه الحالة تعرض شركة الوساطة إقراضه المبلغ المتبقي (أي أنه دين حقيقي) وبذلك تصبح الرافعة المالية 1:2، في هذه الحالة يضاعف المستثمر أرباحه عند صعود السعر، لكنه يضخم أيضًا خسائره عند التراجع فإذا هبط السعر 10% فتصبح الخسارة ألف ريال يتحملها المستثمر كاملة.
نداء الهامش
أما عند انخفاض قيمة الاستثمار بوتيرة حادة، يظهر الخطر الأكبر الذي يخشاه المستثمرون وهو "نداء الهامش –Margin Call"، حينها يطلب الوسيط من المستثمر إيداع أموال إضافية على الفور، أو يقوم ببيع العقود تلقائيًا.

إقصاء صغار المستثمرين
في ظل الارتفاعات القياسية الأخيرة للذهب والفضة خلال يناير، لجأت "سي إم إي" إلى سلاح رفع متطلبات الهامش أي ما يعني بشكل مباشر تقليل السيولة، وبالتالي الحد من المضاربة، في خطوة تقصي العديد من صغار المستثمرين الذين لا يملكون سيولة كافية لإيداع المبالغ المطلوبة.
|
ماذا حدث في السوق فعليًا؟ |
|
|
البورصة/شركة الوساطة |
التوضيح |
|
بورصة شيكاغو التجارية "سي إم إي جروب" |
أعلنت الجمعة رفع متطلبات الهامش على عقود الذهب إلى 8% من قيمة العقد الأساسي مقارنة بالسابق 6%، وذلك في حالة المخاطر غير المرتفعة، وإلى 8.8% في حالة المخاطر المرتفعة، إلى جانب رفع الهوامش على الفضة إلى 15%، وذلك في ظل تقلبات السوق لضمان تغطية الضمانات بشكل كاف.
وهو ما يعني ببساطة أن الراغبين في تداول العقود الآجلة للمعادن الثمينة بحاجة لتقديم ضمانات أكبر لضمان قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم.
|
|
"أواندا اليابانية" |
- أعلنت قيودا شاملة على تداول الفضة اعتبارًا من هذا الأسبوع، إذ خفضت الحد الأقصى للرافعة المالية إلى 5:1 بدلاً من 20:1، وزيادة متطلبات الشراء بالهامش 4 مرات، وخفض الحد الأقصى لأحجام الطلبات إلى 5 عقود فقط بدلاً من عشرة، وتقليص الحد الأقصى للمراكز المفتوحة.
- وحذرت من أن تلك التغييرات ستؤثر على كل من المراكز القائمة والصفقات الجديدة، وأخطرت عملاءها الذين لديهم مراكز استثمارية في الفضة من احتمال تصفية قسرية مع بدء تنفيذ تلك التغييرات الإثنين، حال عدم زيادة أموالهم المودعة أو تقليل تعرضهم للسوق.
|
تحول هيكلي
خلال العامين الماضيين، بدا أن التداول الورقي لم يعد كافيًا، إذ شهدت بورصة "كومكس" زيادة هائلة في طلبات التسليم الفعلي، التي كانت تقل في السابق عن 1%، لم يعد الأمر يقتصر على المضاربة السعرية، بل تزايد التوجه نحو الذهب كأصل مادي، وليس مجرد تداول على الشاشات.

هل تلاشت الثقة في الوعود المكتوبة؟
هذا التوجه قد يشكل ضغطًا كبيرًا على المخزونات، ويحدث حال استمراره صدمة في المعروض العالمي، مما يكشف عن هشاشة النظام الحالي، وذلك بالتزامن مع اتجاه البنوك المركزية لشراء الذهب الفعلي، وارتفاع الطلب على السبائك والعملات الذهبية في العام الماضي لأعلى مستوياته في 12 عامًا.
بما ينصح الخبراء؟
تختلف آراء الخبراء بشأن الأمر، فبينما يفضل البعض امتلاك الذهب المادي (خارج نطاق النظام المصرفي) نظرًا لسهولة الوصول إليه وتسييله على الرغم من عناء الاحتفاظ به وتأمينه، يميل آخرون إلى صناديق الاستثمار المتداولة في البورصة والتي تسمح بالبيع والشراء بسهولة، فيما يرى فريق آخر ضرورة امتلاك مزيج بين الذهب المادي والورقي.
هنا يبرز التساؤل هل رفع متطلبات شراء عقود الذهب والفضة بالهامش بالتزامن مع المستويات القياسية للأسعار بمثابة وضع حد للعقود الورقية، وبداية عصر يهيمن فيه التسليم المادي على السوق؟
المصادر: أرقام – بورصة شيكاغو التجارية – مجلس الذهب العالمي - فاينانس ماجنتس – ديسكفري ألرت - بلومبرج – سي إن بي سي
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: