بينما يترقب العالم نتائج الصراع على الرقائق الإلكترونية والفائز من سباق الذكاء الاصطناعي، تولد ثورة أخرى بعيدًا عن الأضواء، داخل أنابيب المختبرات، ففي الوقت الذي تخفت فيه الأضواء داخل بعض مختبرات التكنولوجيا الحيوية العريقة في كامبريدج وبوسطن، كانت الصين تكتب فصلاً جديدًا من الابتكار.
لم تعد بكين تركز على تصنيع الأدوية الجنيسة – غير المحمية ببراءات اختراع – كما كان الحل في السابق، بل تشهد تحولاً نوعيًا يعكس طفرة غير مسبوقة في مجال التكنولوجيا الحيوية، لتنتقل من كونها "مصنع العالم"، إلى "مختبر للابتكار"، فهل تنجح الصين في حسم هذا السباق؟

طفرة صينية
لم تأت هذه الطفرة مصادفة، بل كانت ثمرة مبادرات حكومية منسقة بدأت منذ سنوات، وفرت بيئة تنظيمية أكثر مرونة، إلى جانب توافر كفاءات بشرية عالية المستوى مع عودة كبار العلماء الصينيين إلى البلاد بعدما تلقوا تدريبهم في أمريكا خلال العقد الماضي، حتى باتت الشركات الصينية تطور أدوية مبتكرة في مجالات مثل علم الأورام والمناعة، وهو نشاط كان حكرًا على شركات من أسواق أكثر نضجًا.
سرعة النمو
في الوقت الذي تتحدث فيه تقارير عن تسريحات للعمالة ومختبرات شبه خالية في مراكز التكنولوجيا الحيوية في كامبريدج وبوسطن، تشهد الصين ارتفاعًا حادًا في تكاليف قرود المختبرات نتيجة تزايد الطلب من القطاع سريع النمو، مدفوعًا بموجة استثمار قياسية، وبلغ الأمر حد لجوء بعض المختبرات إلى إعادة استخدام القرود بشكل متزايد.

تكلفة القرود
قد تصل تكلفة القرد الواحد في المختبرات الصينية – كمؤشر على كثافة التجارب – إلى 150 ألف يوان (21.6 ألف دولار) مطلع هذا العام، في ظل نقص عدد القرود، ما دفع بعض الجهات إلى تأجيل تجاربها ومشاريعها لعدة أشهر.
|
بالأرقام .. طفرة الصين في مجال التكنولوجيا الحيوية |
|
|
النقطة |
التوضيح |
|
التجارب السريرية |
سجلت الصين أكثر من 7100 تجربة سريرية على منصة تسجيل التجارب الدولية التابعة لمنظمة الصحة العالمية في 2024، مقارنة مع 6 آلاف تجربة أمريكية.
|
|
براءات الاختراع |
قفز عدد براءات اختراع الأدوية والتكنولوجيا الطبية في الصين بنسبة 379% خلال العقد الماضي.
|
|
الأدوية المبتكرة |
ارتفع عدد الأدوية المطورة في الصين إلى حوالي 1250 دواء في 2024، مقارنة مع أقل من 350 دواءً في 2015.
|
فرصة للتفوق
تشير توقعات مركز "هارفارد بيلفر" للعلوم والشؤون الدولية إلى أن الصين تمتلك الفرصة لتجاوز الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا الحيوية، في المقابل حذرت لجنة برلمانية أمريكية من أن تفوق الصين في هذا المجال قد يجعل اللحاق بها شبه مستحيل، وأوصت بإنفاق ما لا يقل عن 15 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة لدعم القطاع الأمريكي.
التطور الصيني
دفع التطور الصيني شركات الأدوية الأمريكية والأوروبية إلى الاتجاه مؤخرًا إلى إنفاق مليارات الدولارات للاستحواذ على أدوية طورت في الصين، لا سيما تلك المرشحة لعلاج السرطان بعد حصولها على الموافقات التنظيمية.

نماذج واقعية
من بين تلك الشركات "فايزر"، و"أسترازينيكا" البريطانية التي استثمرت 2.5 مليار دولار في مركز للبحث والتطوير في بكين، إضافة إلى سلسلة من الاكتتابات العامة الأولية الناجحة لشركات التكنولوجيا الحيوية، مما دعم تدفقات رأس المال المخاطر نحو الشركات الناشئة.
الثورة القادمة ومخاطرها
في المقابل حذر تقرير لبنك "مورجان ستانلي" من أن المخاطر الجيوسياسية بين الصين وأمريكا قد تشكل تهديدًا محتملاً لقدرة شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية على اختراق السوق العالمية على المدى الطويل، كما تثير هيمنة الصين مخاوف خاصة مع احتمالية استخدام هذا التفوق كورقة ضغط إضافية، بعد القيود التي فرضتها البلاد على تصدير المعادن الأرضية النادرة في ظل حربها التجارية مع إدارة "ترامب".
لحظة "ديب سيك"
شبه البعض هذا الإنجاز بلحظة "ديب سيك" في إشارة إلى نجاح نموذج “R1” الذي قدمته الشركة الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي والذي أثار مخاوف في وادي السيليكون نظرًا لأدائه الذي يضاهي نماذج "أوبن إيه آي" و"جوجل"، ويجسد هذا التشبيه في مجال التكنولوجيا الحيوية صعوده السريع وقدرته على إحداث تغيير جذري.
لم تعد الصين مجرد لاعب ناشئ في مجال التكنولوجيا الحيوية، بل باتت محركًا عالميًا للابتكار وركيزة أساسية في تطوير الأدوية العالمية على مستوى العالم، يصعب تجاهلها، فهل تتغير موازين القوى العالمية لصالح الصين سريعًا؟ وهل تضيف ورقة ضغط جديدة إلى قائمة تتصدرها بالفعل المعادن النادرة؟
المصادر : أرقام – تقرير مركز "بيلفر" بجامعة هارفارد – أكسيوس - مورجان ستانلي - فاينانشال تايمز – سي إن بي سي – وول ستريت جورنال
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: