أجمع خبراء اقتصاديون على أن التقدم المحقق في برامج الإصلاح المالي ووضوح الرؤية الاقتصادية لدولة الكويت انعكسا إيجابا على التصنيفات والتقييمات الاقتصادية الصادرة عن أبرز المؤسسات المالية العالمية ووكالات التصنيف بدءا من مؤسستي (بريتون وودز) الدوليتين مرورا بوكالات التصنيف الدولية وصولا إلى تقرير مجموعة العمل المالي (فاتف) الأمر الذي أسهم في إعادة صياغة النظرة الدولية للاقتصاد الكويتي ليس فقط كاقتصاد غني بالأصول بل كاقتصاد يسير تدريجيا نحو إدارة أكثر كفاءة واستدامة للموارد.
وقال هؤلاء الخبراء في لقاءات متفرقة مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الاثنين إن الاقتصاد الكويتي يمر حاليا بمرحلة تحول من إدارة الاستقرار إلى إدارة النمو في المرحلة المقبلة وهو ما يتطلب الانتقال من الحفاظ على الاستقرار الآني إلى خلق محركات نمو مستدامة عبر تمكين القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار النوعي وتطوير سوق العمل.
وبدوره أكد رئيس مجلس إدارة اتحاد شركات الاستثمار عبد الله التركيت في ل(كونا) أن المؤشرات الإيجابية الصادرة عن عدد من المؤسسات الدولية المتخصصة وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تعكس تحسنا ملموسا في أداء الاقتصاد الكويتي وتؤكد أن الاقتصاد الوطني يسير على مسار تعاف تدريجي ونمو أكثر توازنا بما يعكس سلامة التوجهات الاقتصادية المتبعة وقدرة الدولة على إدارة التحديات.
وأشار إلى أن التقارير الدولية الأخيرة رأت أن التحول الإيجابي في نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد الكويتي يعكس مستوى متقدما من الثقة في الإجراءات الإصلاحية التي تنفذها البلاد إضافة إلى قدرة الاقتصاد الكويتي على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والعالمية لا سيما في ظل التقلبات المرتبطة بأسواق الطاقة.
وأوضح أن صندوق النقد الدولي توقع عودة الاقتصاد الكويتي إلى مسار النمو في العام الماضي مع تسجيل نمو حقيقي بنسبة 2.6 في المئة على أن يستمر التحسن في العام الحالي مدفوعا بتعافي النشاط الاقتصادي وارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية فيما توقع البنك الدولي نموا متواصلا يقارب 2.2 في المئة للعام الماضي و2.7 في المئة خلال العام الحالي.
وأضاف أن التحسن في المؤشرات الاقتصادية يعكس استمرارية الجهود الإصلاحية التي تنتهجها دولة الكويت على صعيد تحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية بما يسهم في تعزيز الجاذبية التنافسية للاقتصاد على المدى الطويل.
وأكد أن هذه التقارير تعتمد على قراءة موضوعية لمجموعة من العوامل من أبرزها تحسن الاستقرار المالي واتباع سياسة نقدية متوازنة تحقق النمو دون أن تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في مستويات التضخم إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انخفاض التضخم إلى 2.3 في المئة خلال العام الماضي مقارنة بنحو 2.9 في المئة في عام 2024.
وأشار التركيت إلى أن التصنيفات الائتمانية الدولية للكويت واصلت التحسن والاستقرار خلال العام الماضي بما يعكس متانة الأوضاع المالية وقوة المركز الخارجي للدولة مشيرا إلى قيام وكالة (ستاندرد آند بورز) برفع التصنيف السيادي للكويت في نوفمبر الماضي إلى (AA-) مع نظرة مستقبلية مستقرة استنادا إلى التقدم المحقق في الإصلاحات المالية وإقرار تشريعات داعمة للاستدامة المالية في مقدمتها قانون التمويل والسيولة إلى جانب الجهود المبذولة لتنويع مصادر الإيرادات غير النفطية.
وذكر التركيت أن هذا التحسن والاستقرار في التصنيفات الائتمانية ينعكس بشكل مباشر على خفض كلفة التمويل السيادي وتمويل الشركات وتعزيز ثقة المستثمرين الدوليين وتحسين جاذبية الكويت للاستثمار الأجنبي المباشر بما يدعم النمو الاقتصادي المستدام على المدى المتوسط والطويل.
وعلى صعيد التأثير المحلي قال التركيت إن هذه المؤشرات الإيجابية تنعكس بشكل مباشر على تعزيز ثقة المستثمرين وتسهم في تسريع وتيرة المشاريع التنموية وتحسين بيئة الأعمال ودعم القطاع الخاص مشيرا إلى أن التدفقات المباشرة للاستثمار الأجنبي في الكويت ارتفعت بنسبة 8 في المئة على أساس سنوي لتصل إلى 223 مليون دينار كويتي (نحو 725 مليون دولار أمريكي) خلال السنة المالية (2024-2025) ما يعكس جذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى مختلف القطاعات لا سيما في ظل الإصلاحات الجاذبة للاستثمار.
واعتبر أن أبرز العوامل التي دفعت المؤسسات الدولية إلى تقديم صورة إيجابية عن الاقتصاد الكويتي يتمثل في التقدم المحقق في برامج الإصلاح المالي ووضوح الرؤية الاقتصادية إلى جانب التركيز المتزايد على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية.
من جانبه أكد أمين سر الجمعية الاقتصادية الكويتية محمد الجوعان ل(كونا) أن المؤشرات الإيجابية الصادرة عن المؤسسات الدولية لا تبنى على الانطباع بل على نماذج كمية صارمة وتحليل اتجاهات مالية ونقدية وهيكلية وبالتالي فإن إيجابيتها تجاه الكويت تعكس اعترافا بقدرة الاقتصاد الكويتي على امتصاص الصدمات والحفاظ على الاستقرار في بيئة عالمية شديدة التقلب.
وقال الجوعان إن تأثير هذه المؤشرات يتجاوز البعد الإعلامي ويمتد مباشرة إلى سلوك المستثمرين وكلفة التمويل السيادي إلى جانب ثقة المؤسسات المالية الدولية مبينا أنه على المستوى العملي تسهم هذه التقييمات في تعزيز جاذبية الكويت الاستثمارية لدى المستثمر المؤسسي طويل الأجل وتدعم التسعير العادل للمخاطر السيادية في أدوات الدين والتمويل وتمنح صانعي القرار مساحة أوسع للتحرك في السياسات الاقتصادية دون ضغوط فورية من الأسواق.
وأشار إلى أنه يمكن تلخيص أبرز العوامل التي أسهمت في تحسن نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد الكويتي في ستة محاور مترابطة أولها تحسن الانضباط المالي وارتفاع كفاءة إدارة الفوائض المالية بما يعكس قدرة الدولة على إدارة دورات الاقتصاد بمرونة أعلى وثانيها متانة القطاع المصرفي وخضوعه لإطار رقابي متقدم يقوده بنك الكويت المركزي ومتوافق مع أفضل المعايير الدولية لإدارة المخاطر والحوكمة.
وذكر أن ثالث هذه العوامل يتمثل في التقدم التدريجي في الإصلاحات المؤسسية وتعزيز الشفافية لا سيما في مجالات الإفصاح والحوكمة المالية في حين يتمثل العامل الرابع في استقرار السياسة النقدية وربط الدينار بسلة عملات ما عزز مصداقية السياسة النقدية وحد من التقلبات.
وأشار إلى وجود عاملين جوهريين كان لهما أثر مباشر في تغيير التقييم الدولي أولهما انحسار حالة الاستقطاب السياسي التي كانت تعيق اتخاذ قرارات مالية استراتيجية وعلى رأسها تمرير قانون الدين العام إذ كانت وكالات التصنيف العالمية ترى أن ملاءة الدولة مركزة بشكل كبير في صندوق احتياطي الأجيال القادمة مع محدودية أدوات التمويل المرنة وهو ما شكل ضغطا على التقييم السيادي رغم قوة الأصول فيما أسهم التحول في هذا المسار في إعادة التوازن لتقييم القدرة التمويلية للدولة.
وبين أن العامل السادس يتمثل في تكثيف الجهود الحكومية على أعلى المستويات وبتوجيه رشيد من القيادة السياسية في مكافحة الفساد والحد من الهدر في الميزانية العامة وهو عنصر بالغ الأهمية في تقييم المؤسسات الدولية إذ يعكس جدية الدولة في حماية المال العام وتحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز الثقة في الإدارة المالية.
وأشار إلى أن هذه المتغيرات مجتمعة أسهمت في إعادة صياغة النظرة الدولية للاقتصاد الكويتي ليس فقط كاقتصاد غني بالأصول بل كاقتصاد يسير ولو تدريجيا نحو إدارة أكثر كفاءة واستدامة للموارد.
وعن التوقعات المستقبلية قال الجوعان إن بقاءها إيجابية يرتبط بثلاثة مسارات رئيسية أولها تسريع الإصلاح الهيكلي وتنويع القاعدة الاقتصادية بعيدا عن النفط وثانيها تفعيل دور القطاع الخاص وتمكينه كمحرك حقيقي للنمو وثالثها الانتقال من إدارة الاستقرار إلى إدارة النمو المستدام.
وأضاف أنه في حال الحفاظ على زخم الإصلاح فمن المرجح أن تشهد الكويت تحسنا تدريجيا إضافيا في التصنيفات والمؤشرات أما في حال تباطؤ التنفيذ فستبقى المؤشرات إيجابية من حيث الأساسيات لكنها قد تفقد زخمها النسبي مقارنة باقتصادات إقليمية أكثر سرعة في التحول.
وبين أن التوقعات المستقبلية للمؤشرات الاقتصادية الدولية المتعلقة بالكويت تظل إيجابية بحذر ومدروسة مع ارتباط وثيق بسرعة وعمق التنفيذ الإصلاحي على أرض الواقع ويمكن تلخيص المسار المتوقع في استمرار التحسن المشروط حيث إن المؤشرات مرشحة لمزيد من التحسن التدريجي في حال استمرار الزخم الإصلاحي خصوصا في الجوانب المالية والتشريعية والمؤسسية مع الحفاظ على الانضباط المالي وكفاءة إدارة الموارد.
وأشار إلى التقييم الجيد الأخير الصادر عن مجموعة العمل المالي (فاتف) في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مؤكدا أن هذا التقييم يجب التعامل معه كنقطة انطلاق لا كنقطة وصول عبر معالجة الملاحظات الفنية وتعزيز فاعلية التطبيق العملي.
وأوضح أن التقدم في هذا المسار ينعكس مباشرة كمؤشر إيجابي لدى وكالات التصنيف الائتماني وكذلك لدى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عند تقييم متانة الإطار المؤسسي والمالي للدولة إذ إن تعزيز المصداقية الدولية والتقدم في الامتثال لمعايير الحوكمة والشفافية المالية يرفع من مستوى الثقة الدولية ويقلص ما يعرف بمخاطر السمعة وهو عنصر غير مباشر لكنه مؤثر في تقييم الجدارة الائتمانية.
وذكر أن التحول من إدارة الاستقرار إلى إدارة النمو في المرحلة المقبلة يتطلب الانتقال من الحفاظ على الاستقرار المالي إلى خلق محركات نمو مستدامة عبر تمكين القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار النوعي وتطوير سوق المال وإذا ما تم استثمار نتا.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: