شهد عام 2025 تحولا نوعيا في مسار التمويل المصرفي الموجه لقطاع الأعمال في الكويت، ليس فقط على مستوى الأرصدة القائمة، بل من حيث التدفقات الصافية التي تعكس توسعا حقيقيا في الائتمان الممنوح للنشاط الاقتصادي المنتج، وخلال العام الماضي سجل قطاع الأعمال في الكويت صافي تمويلات مصرفية بلغ 3.06 مليارات دينار، بعد استبعاد التسهيلات الشخصية وتسهيلات الإسكان بكل أشكالها.
ويعكس هذا الصافي الفرق بين التمويلات الجديدة التي منحتها البنوك المحلية للشركات والمؤسسات من جهة، وما تم سداده أو إطفاؤه من محافظ الائتمان القائمة من جهة أخرى، بما يؤكد أن الائتمان لم يكن مجرد إعادة تدوير للأرصدة، بل توسع فعلي في دعم النشاط الاقتصادي. ونتيجة لهذه التدفقات ارتفع إجمالي رصيد الجزء النقدي المستخدم من تسهيلات الأعمال من مستوى 30.09 مليار دينار بنهاية 2024 إلى 33.15 مليار دينار بنهاية 2025، محققا نموا سنويا قدره 10.16%.
ووفقا للبيانات الرسمية التي استندت اليها «الأنباء» من بنك الكويت المركزي، سجل الجزء النقدي من التسهيلات الائتمانية الممنوحة لقطاع الأعمال، الذي بلغت نسبته نحو 62.3% من إجمالي التسهيلات الائتمانية للمقيمين خلال 2025.
وعند تفصيل هذا الإجمالي قطاعيا يتضح أن قطاع العقار واصل تصدره لمحفظة تمويل الأعمال، إذ بلغ رصيده 10.72 مليارات دينار في نهاية 2025 مقارنة بـ 10.19 مليارات دينار في نهاية 2024، وبذلك سجل القطاع صافي زيادة قدرها 531.7 مليون دينار، وبنسبة نمو بلغت 5.22%، وهذا الارتفاع يعكس استمرار اعتماد البنوك على العقار بوصفه قطاعا عالي الضمانات، إلى جانب دوره المحوري في تشغيل منظومة واسعة من الأنشطة المرتبطة، تشمل المقاولات والخدمات الهندسية والإدارية والتمويل التشغيلي، فضلا عن المشاريع العقارية المدرة للدخل.
وفي قطاع الخدمات الأخرى، برز أحد أعلى معدلات النمو خلال 2025، حيث ارتفع رصيد التسهيلات من 3.55 مليارات دينار في 2024 إلى 4.12 مليارات دينار في 2025، وبذلك حقق القطاع صافي تمويلات بلغت 573.5 مليون دينار، وبنسبة نمو قوية قدرها 16.14%، ويعكس هذا الأداء اتساع قاعدة الاقتصاد الخدمي في الكويت، ولاسيما الأنشطة المرتبطة باللوجستيات، وخدمات الأعمال، والخدمات التقنية والمهنية، التي استفادت من تحسن بيئة الأعمال وتسارع وتيرة المشاريع الكبرى.
أما قطاع التجارة، فقد ارتفع رصيد التسهيلات الممنوحة له من 3.64 مليارات دينار في نهاية 2024 إلى 3.7 مليارات دينار في نهاية 2025، محققا صافي زيادة قدرها 63.1 مليون دينار وبنسبة نمو بلغت 1.73%، ورغم محدودية النمو مقارنة بقطاعات أخرى، إلا أن هذا الأداء يعكس طبيعة التمويل التجاري المرتبط برأس المال العامل وتمويل المخزون وسلاسل الإمداد، في ظل إدارة أكثر تحفظا للمخاطر، مع استمرار الطلب المرتبط بالمشاريع الكبرى والأنشطة الاستهلاكية غير المباشرة.
وفي قطاع الإنشاء، سجلت التسهيلات نموا ارتفع من 2.58 مليار دينار في 2024 إلى 2.68 مليار دينار في 2025، محققة صافي زيادة بقيمة 100.3 مليون دينار وبنسبة نمو بلغت 3.88%، ويعكس هذا الارتفاع الزخم المتواصل في قطاع المقاولات، الذي يستفيد بشكل مباشر من المشاريع الحكومية والخاصة، ويعتمد بطبيعته على التسهيلات الدوارة وخطابات الضمان والاعتمادات المرتبطة بتنفيذ العقود.
وأنهت القروض الموجهة لشراء الأوراق المالية عام 2025 عند مستوى يعكس تحولا هيكليا واضحا في علاقة المستثمر الكويتي بالسوق، ليبلغ رصيد القروض والائتمان الموجهة لشراء الأوراق المالية بنهاية ديسمبر 2025 نحو 4.79 مليارات دينار، مقابل 3.74 مليارات دينار في نهاية ديسمبر 2024، محققا زيادة سنوية قدرها 1.04 مليار دينار، وتمثل هذه الزيادة نموا سنويا بنسبة 27.85%، وهي النسبة الأعلى خلال فترة المقارنة الممتدة منذ 2020، ما يعكس أن قفزة 2025 لم تكن امتدادا طبيعيا لمسار بطيء، بل كانت انتقالا واضحا إلى مستوى أعلى من التوسع الائتماني المرتبط بالسوق.
وفي المقابل، أظهرت البيانات أن القطاع الصناعي سجل تراجعا طفيفا، حيث انخفض رصيد التسهيلات من 2.16 مليار دينار في نهاية 2024 إلى 2.13 مليار دينار في نهاية 2025، ما يعني صافي انخفاض قدره 38.4 مليون دينار وبنسبة تراجع بلغت 1.77%، ويعكس هذا التراجع الحذر الائتماني تجاه بعض الأنشطة الصناعية، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل، وطول آجال التمويل، وتقلبات الطلب، رغم استمرار التمويل الموجه للمصانع القائمة والأنشطة ذات الجدوى المؤكدة.
وسجل قطاع النفط الخام والغاز نموا لافتا خلال العام، إذ ارتفع رصيد التسهيلات من 1.81 مليار دينار في 2024 إلى 2.05 مليار دينار في 2025، محققا صافي زيادة قدرها 240.3 مليون دينار وبنسبة نمو بلغت 13.22%، ويعكس هذا النمو نشاطا متزايدا في تمويل الخدمات المساندة لقطاع الطاقة، وسلاسل الإمداد المرتبطة به، في ظل استمرار الاستثمار في المشاريع النفطية والغازية.
وفي بند المؤسسات المالية غير البنوك، ارتفعت التسهيلات من 1.39 مليار دينار في نهاية 2024 إلى 1.67 مليار دينار في نهاية 2025، مسجلة صافي زيادة قدرها 283.3 مليون دينار وبنسبة نمو بلغت 20.37%، وهي من أعلى نسب النمو القطاعية، ويعكس ذلك توسع نشاط شركات الاستثمار والتمويل، وزيادة اعتمادها على التسهيلات المصرفية لدعم عملياتها واستثماراتها.
كما شهد بند القروض الممنوحة للبنوك قفزة واضحة، إذ ارتفع الرصيد من 828.6 مليون دينار في 2024 إلى 1.1 مليار دينار في 2025، محققا صافي زيادة قدرها 279 مليون دينار وبنسبة نمو مرتفعة بلغت 33.67%، ويرتبط هذا الارتفاع بترتيبات السيولة والتمويل البيني بين البنوك خلال العام، في ظل إدارة المراكز المالية وتوازنات السيولة.
وعلى صعيد القطاعات الأصغر وزنا، ارتفع تمويل الزراعة وصيد الأسماك من 36.4 مليون دينار في 2024 إلى 41.6 مليون دينار في 2025، محققا صافي زيادة قدرها 5.2 ملايين دينار وبنسبة نمو بلغت 14.29%، رغم محدودية حجمه في هيكل الائتمان. في المقابل، تراجع تمويل الخدمات العامة من 138.9 مليون دينار إلى 115.6 مليون دينار، مسجلا صافي انخفاض قدره 23.3 مليون دينار وبنسبة تراجع بلغت 16.78%، ما يعكس طبيعة هذا القطاع ذات الطلب المستقر والمحدود نسبيا على الائتمان.
وتشير هذه القراءة القطاعية المفصلة إلى أن صافي التمويل البالغ 3.06 مليارات دينار في 2025، يؤسس لحقبة نمو كبيرة من تمويلات قطاع الأعمال خلال السنوات المقبلة، وتؤكد أن البنوك المحلية لعبت دورا محوريا في دعم النشاط الاقتصادي، عبر تمويل أكثر ارتباطا بالأنشطة القادرة على توليد تدفقات نقدية واضحة ومستدامة.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: