في عالم المال والأعمال، لا تعترف لغة الأرقام بصيحات الجماهير ولا بتاريخ البطولات العريق، بل تنحني فقط أمام مؤشرات النمو المستدام والعوائد المضمونة، وبينما تشتعل المدرجات الأوروبية حماساً وشغفاً بكرة القدم، يقف المستثمرون الكبار على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، حيث تحولت الرياضة الأمريكية إلى ماكينة طباعة أموال لا تتوقف.
ولكن المشهد يبدو متناقضاً؛ فاللعبة الأكثر شعبية في العالم تعاني أنديتها العريقة من نزيف مالي مستمر، في حين تحطم فرق كرة القدم الأمريكية والسلة أرقاما قياسية في التقييمات السوقية، متجاوزة نظيراتها الأوروبية بمراحل ضوئية.
هذا التباين الصارخ يطرح تساؤلاً جوهرياً يتردد في أروقة "وول ستريت: لماذا يفر المستثمرون من "جنة كرة القدم" الأوروبية لضخ ملياراتهم في "قلاع الرياضة" الأمريكية؟

فجوة التقييم
- تشهد الساحة الرياضية الأمريكية طفرة غير مسبوقة في قيم الأندية، حيث باتت تقييمات فرق دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) وكرة السلة (NBA) تقفز بمعدلات فلكية مقارنة بنظيراتها الأوروبية، فبينما تحلق الأندية الأمريكية بتقييمات تتجاوز حاجز الـ 10 مليارات دولار، تقف أعرق أندية كرة القدم الأوروبية عاجزة عن مجاراة هذه الأرقام، ما يعكس تحولاً جذرياً في شهية المستثمرين نحو النموذج الأمريكي الأكثر ربحية واستقراراً.
مضاعفات الإيراد
- تبرز الفجوة بوضوح عند النظر إلى مضاعفات الإيرادات، ففي صفقة حديثة، تم تقييم حصة في فريق "نيو إنجلاند باتريوتس" بما يعادل 11 مرة ضعف الإيرادات، ووصل تقييم "لوس أنجلوس ليكرز" إلى 18 ضعفاً، وفي المقابل، تقبع تقييمات أندية النخبة الأوروبية عند متوسط متواضع يبلغ 4.2 مرة فقط من إيراداتها، ما يجعل الاستثمار فيها أقل جاذبية بمراحل للمحافظ الاستثمارية الكبرى.
الركود الأوروبي
- على الرغم من الشعبية الطاغية لكرة القدم، إلا أن حركة الاستحواذات والاندماجات في أوروبا شهدت تباطؤاً ملحوظاً منذ عام 2022، حيث تشير البيانات إلى أن ريال مدريد، النادي الأغلى في عالم كرة القدم (6.5 مليار دولار)، لا يحتل سوى المرتبة 22 في قائمة أغلى الفرق الرياضية عالمياً، تاركاً المراكز العشرين الأولى لهيمنة أمريكية خالصة، حيث تستحوذ فرق الـ "إن إف إل" والـ "إن بي إيه" على الصدارة بلا منازع.
|
أغلى 10 فرق رياضية في العالم |
|||||
|
الترتيب |
الفريق |
الدوري |
القيمة السوقية (مليار دولار) |
الإيرادات (مليون دولار) |
نسبة القيمة للإيراد (مرة) |
|
1 |
دالاس كاوبويز |
كرة القدم الأمريكية |
12.80 |
1,250 |
10.24 |
|
2 |
جولدن ستايت واريورز |
كرة السلة الأمريكي للمحترفين |
11.33 |
767 |
14.77 |
|
3 |
لوس أنجلوس رامز |
كرة القدم الأمريكية |
10.43 |
866 |
12.04 |
|
4 |
نيويورك جاينتس |
كرة القدم الأمريكية |
10.25 |
760 |
13.49 |
|
5 |
لوس أنجلوس ليكرز |
كرة السلة الأمريكي للمحترفين |
10.00 |
570 |
17.54 |
|
6 |
نيويورك نيكس |
كرة السلة الأمريكي للمحترفين |
9.85 |
606 |
16.25 |
|
7 |
نيو إنجلاند باتريوتس |
كرة القدم الأمريكية |
8.76 |
793 |
11.05 |
|
8 |
سان فرانسيسكو 49 |
كرة القدم الأمريكية |
8.60 |
772 |
11.14 |
|
9 |
فيلادلفيا إيجلز |
كرة القدم الأمريكية |
8.43 |
749 |
11.26 |
|
10 |
نيويورك يانكيز |
البيسبول الرئيسي |
8.39 |
799 |
10.5 |

الأمان الاستثماري
- يكمن السر في جاذبية النموذج الأمريكي في "النظام المغلق" للبطولات، حيث لا يوجد شبح يسمى "الهبوط"، ويضمن هذا الاستقرار للمستثمرين تدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها ونمواً مستداماً، بعكس النموذج الأوروبي المفتوح الذي يحمل مخاطر كارثية في حال هبوط النادي للدرجة الأدنى، ما يهدد بانهيار قيمته السوقية وإيراداته في لحظة واحدة.
نزيف الخسائر
- ترسم بيانات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) صورة قاتمة؛ فأكثر من نصف أندية الدرجة الأولى في أوروبا سجلت خسائر تشغيلية في عام 2024، بإجمالي خسائر مجمعة بلغت 300 مليون يورو، ومع إضافة تكاليف انتقالات اللاعبين، قفزت الخسائر قبل الضرائب إلى 1.2 مليار يورو، بينما تضخمت الديون بنسبة 10% لتصل إلى 28.1 مليار يورو، ما ينفر رؤوس الأموال الباحثة عن الربح لا الديون.

تنامي الحقوق
- بينما نجحت الدوريات الأمريكية في مضاعفة عوائد حقوق البث التلفزيوني بفضل المنافسة الشرسة بين الشبكات التقليدية ومنصات البث الرقمي (حيث قفزت حقوق الـ "إن بي إيه" إلى 6.9 مليار من 2.6 مليار دولار سنوياً)، تعاني الدوريات الأوروبية من ركود واضح، فحتى الدوري الإنجليزي الممتاز، الأنجح تجارياً، لم يحقق سوى زيادة بنسبة 4% في حقوق البث المحلية مقارنة بصفقاته قبل ثماني سنوات.
انضباط التكاليف
- يتميز النموذج الأمريكي بصرامة مالية تفتقدها أوروبا، وتحديداً من خلال "سقف الرواتب"، فهذا النظام يمنع تضخم أجور اللاعبين بشكل جنوني ويحمي هوامش ربح الأندية، بينما تعاني الأندية الأوروبية من سباق تسلح مالي غير منضبط في رواتب اللاعبين ورسوم الانتقالات، ما يأكل الأخضر واليابس من الإيرادات ويحرم المستثمرين من أي توزيعات أرباح حقيقية.
عدالة التوزيع
- تتبنى الرياضة الأمريكية، للمفارقة، نظاماً "اشتراكياً" في توزيع الإيرادات المركزية، حيث يتم تقاسم عوائد البث والرعايات بالتساوي بين جميع الفرق، ما يضمن المنافسة والاستقرار المالي للجميع، ويرفع من قيمة الدوري ككل، بينما في أوروبا، فإن التفاوت الطبقي المالي بين الأندية الكبيرة والصغيرة يخلق بيئة استثمارية غير متوازنة ومحفوفة بالمخاطر.
الملكية الخاصة
- سمح الدوري الأمريكي لكرة القدم مؤخراً لشركات الملكية الخاصة بشراء حصص أقلية في الأندية، ما فتح الباب لتدفق مليارات الدولارات ورفع التقييمات بشكل جنوني، ليجذب هذا التطور المؤسسي شركات استثمارية مثل "أركتوس بارتنرز" و"سيكسث ستريت"، الذين يرون في الرياضة الأمريكية أصلاً عالي الجودة وقليل المخاطر مقارنة بمتاهة الكرة الأوروبية.
ثورة الجماهير
- حاولت أوروبا استنساخ النموذج الأمريكي عبر مشروع "دوري السوبر الأوروبي" لضمان الأرباح وإلغاء مخاطر الهبوط، لكن المشروع اصطدم بجدار الرفض الجماهيري العنيف، ليرسخ هذا قناعة المستثمرين الأمريكيين بأن البيئة الأوروبية "معادية" للتطوير التجاري البحت، ويدفعهم للإبقاء على أموالهم في ملاعب البيسبول وكرة القدم الأمريكية الآمنة.
المصدر: فاينانشال تايمز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: