لم يكن وصول مؤشر "داو جونز" الصناعي إلى 50 ألف نقطة مجرد رقم جديد يُضاف إلى شاشات التداول، بل لحظة فارقة تختصر أكثر من 125 عامًا من التحولات الاقتصادية، ما يطرح سؤالًا أكبر من الرقم نفسه: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الصعود؟
لم يفوت الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الفرصة للاحتفاء بإنجاز السوق في عهده، وتطوع للإجابة على هذا السؤال من تلقاء نفسه، حيث اعتبر أن السياسات التجارية التي تتبناها إدارته، وعلى رأسها الرسوم الجمركية، كانت المحرك الأساسي لارتفاع السوق.
وتوقع "ترامب" تضاعف قيمة المؤشر إلى 100 ألف نقطة قبل نهاية ولايته في يناير 2029، ما يُثير تساؤلات واسعة في وول ستريت: هل تتحقق نبوءة "ترامب"؟ أم أن مسار السوق التاريخي قد يجعل المؤشر رهين صعود أقل من توقعات الرئيس؟

لماذا صعد المؤشر؟
- الزخم الأخير لمؤشر "داو جونز" جاء مدفوعًا بأداء قوي للقطاع المالي، الذي يستحوذ على الوزن الأكبر داخل المؤشر، مع تصدر أسهم البنوك وشركات الخدمات المالية موجة الصعود عقب صدور نتائج الأعمال.
- في الوقت نفسه، استفاد المؤشر من ارتفاع سهم صانعة معدات البناء والتعدين "كاتربيلر" (حيث تُشكل الشركة نحو 9% من وزن المؤشر) في ظل الارتفاع القياسي الأخير لعدد من المعادن والطلب القوي على مولدات الطاقة.
- هذا فضلًا عن شركات التكنولوجيا التي دعمت ارتفاع المؤشر، رغم صغر وزنها النسبي في المؤشر مقارنة بالقطاعات الأخرى، وذلك بجانب زخم شركات الدفاع مع التفاؤل بآفاق أعمالها.
- من جانبه قال "تشاك كارلسون"، الرئيس التنفيذي لشركة "هورايزون إنفستمنت سيرفيسز"، إن الارتفاع الأخير جاء مدفوعًا بتنويع المستثمرين أصولهم بعيدًا عن أسهم التكنولوجيا، في ظل مخاوف انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي.

كيف تحرك تاريخيًا؟
- يكشف تاريخ "داو جونز" عن وتيرة صعود متسارعة كلما تقدم الزمن، فالمؤشر احتاج إلى حوالي 130 عامًا للوصول إلى 50 ألف نقطة منذ تدشينه في 1896، لكنه استغرق ثلاثة عقود للانتقال من ألف نقطة إلى 10 آلاف، بينما قطع المسافة من 20 ألف إلى 50 ألف نقطة في أقل من 10 سنوات.
- خلال السنوات العشر الماضية فقط، حقق المؤشر متوسط نمو سنوي يقترب من 12%، وهو معدل مرتفع مقارنة بمتوسطه التاريخي الطويل البالغ 7.89%، ما يعكس أثر إدخال شركات تكنولوجية وصناعية أكثر ديناميكية ضمن مكوناته.
- بالاستناد إلى هذه الوتيرة، فإن الوصول إلى مستوى 100 ألف نقطة يبدو ممكنًا حسابيًا بحلول فبراير 2032، أي بعد 6 سنوات فقط إذا حافظ المؤشر على معدلات نمو مركبة قريبة من متوسط العقد الأخير.

هل توقع ترامب منطقي؟
- تحقيق قفزة من 50 ألف إلى 100 ألف نقطة خلال ثلاث سنوات فقط، يتطلب نموًا مركبًا يقترب من 26% سنويًا، وهو معدل يفوق بكثير المتوسطات التاريخية للسوق الأمريكية.
- رجح "إد يارديني" مؤسس شركة الأبحاث "يارديني ريسيرش"، وصول المؤشر إلى 60 ألف نقطة بحلول عام 2030، مدفوعًا بزيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي الذي سيطلق العنان لطفرة في الإنتاجية.
- لكن قد يبدو ارتفاع المؤشر إلى 100 ألف نقطة أمرًا منطقيًا عند ربط هذا التوقع بتصريح "ترامب" الذي أوضح فيه أن "كيفن وارش" (المرشح لتولي رئاسة الاحتياطي الفيدرالي) قادر على دفع الاقتصاد للنمو بمعدل يصل إلى 15%.

ماذا يعني هذا؟
- وصول مؤشر "داو جونز" إلى 100 ألف نقطة لا يقتصر على كونه رقمًا قياسيًا فحسب، بل يعكس في طياته واقعًا اقتصاديًا أعمق، بما في ذلك تزايد ثقة المستثمرين في الشركات التي يشملها المؤشر وتسارع إنفاق الشركات، ما ينعكس إيجابًا على أداء الاقتصاد الأكبر في العالم.
- مع ثبات وزن كل سهم في المؤشر وبافتراض بقاء قائمة الشركات المدرجة كما هي، قد تتضاعف القيمة السوقية للشركات المدرجة في حال وصول المؤشر إلى 100 ألف نقطة، لتحافظ "إنفيديا" على مكانتها كأكبر شركة في العالم بقيمة 9.2 تريليون دولار وقيمة "آبل" ستصل إلى 8.04 تريليون دولار.
- إذا حدث ذلك، فلن يقتصر الارتفاع القوي على "داو جونز" فحسب، حيث ستقود أسهم التكنولوجيا موجة الصعود في وول ستريت بدعم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ما قد يُضاعف قيمة "تسلا" إلى 3 تريليونات دولار، ليصبح "إيلون ماسك" أول تريليونير في التاريخ.
- في النهاية، فإن نبوءة "ترامب" تبدو للوهلة الأولى طموحة للغاية، لكن عند الوضع في الاعتبار وتيرة الارتفاع المتسارعة للمؤشر بمرور الوقت، ومع التفاؤل بآفاق السياسة النقدية، يصبح الوصول إلى هذا المستوى احتمالًا قائمًا على المدى المتوسط، وحتى وإن لم يكن في فترة حكم "ترامب".
المصادر: أرقام – ذا موتلي فول – رويترز – فوكس بيزنس – ماركت ووتش – وول ستريت جورنال
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: