لطالما كان العمل يُنظر إليه بوصفه حجر الأساس للأمان المالي، فعلى مدار معظم القرن العشرين، كان الحصول على وظيفة مستقرة — لا سيما في القطاع الرسمي — يعني دخلًا منتظمًا، ومزايا اجتماعية، ومسارًا واضحًا للصعود الاقتصادي.
لكن يبدو أن هذه المعادلة بدأت تتصدع على أرض الواقع، فـ"روبورت واليسون" وهو موظف في منتصف الثلاثينيات كان لسنوات طويلة قانعًا براتبه الثابت، يرى فيه مصدرًا كافيًا لتلبية احتياجاته الشخصية والادخار التدريجي للمستقبل.
وكان يرى أن وضعه الحالي يكفي لتأمين حياة مستقرة، لكن المشهد تغيّر مع زواجه وولادة أول طفل له، إذ فجأة لم يعد الراتب رقمًا يقارن بالمصاريف الشهرية، بل مسؤولية لا تنتهي، والتزامات تتزايد، ونفقات لا تقبل التأجيل.
ومع قدوم طفله الثالث، اكتشف "واليسون" أن مفهوم الوظيفة الآمنة لم يعد بالبساطة التي بدا عليها سابقًا، وأن الاستقرار المالي لم يعد مضمونًا لمجرد وجود عمل.
ليجد نفسه أمام واقع جديد وهو دخل ثابت، لكن التكاليف تتسارع بوتيرة أسرع، ومساحة المناورة تضيق، فيما يظل الأمان الوظيفي قائمًا نظريًا فقط.
وضع "واليسون" لم يعد استثناءً، بل أصبح مرآة لواقع يعيشه ملايين العاملين حول العالم، حيث لم تعد الوظيفة وحدها كافية لضمان الطمأنينة الاقتصادية في عالم يتغير بسرعة.
فمع التحولات الاقتصادية العالمية، والتغيرات التكنولوجية المتسارعة، وتبدّل طبيعة أسواق العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، تآكلت العلاقة التقليدية بين العمل والاستقرار المالي.
وحتى في الاقتصادات المتقدمة التي لا تزال تسجل مستويات توظيف جيدة نسبيًّا، يواجه كثير من العاملين ركود الأجور، وانعدام الاستقرار الوظيفي، وارتفاع تكاليف الحياة.
أما في الاقتصادات الناشئة، فتزداد المشكلة حدة بفعل انتشار العمل غير الرسمي وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، ما يجعل الملايين عرضة للصدمات الاقتصادية.
يستعرض هذا التقرير أسباب تراجع قدرة العمل على ضمان الأمان المالي، مع مقارنة بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة، مدعومة بأمثلة واقعية وبيانات موثوقة.
التحولات الهيكلية في سوق العمل العالمي
شهد سوق العمل العالمي تحولات جذرية في طبيعة الوظائف. فالنموذج التقليدي للعمل بدوام كامل مع مزايا ثابتة أصبح أقل شيوعًا، وحل محله العمل المؤقت، والعمل الجزئي، والعمل عبر المنصات الرقمية، أو ما يُعرف باقتصاد المهام.
تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن نسبة العاملين في العمل الرقمي عبر المنصات قد تتراوح بين 4.4% و12.5% من إجمالي قوة العمل العالمية، مع تقديرات تشير إلى أن نحو 435 مليون شخص يعملون في تلك المنصات.
كما أشار إلى أن "اقتصاد المنصات" لم يعد مجرد وظائف إضافية، بل أصبح المصدر الرئيس للدخل لنحو 30% من العاملين في هذا القطاع في الدول الناشئة حيث لا يملك نحو 60% من هؤلاء العاملين أي شكل من أشكال "التأمين الصحي" أو "تعويضات البطالة".
وحتى في الاقتصادات المتقدمة، لا يعني توفر الوظائف بالضرورة توفر الأمان الوظيفي، إذ تنتشر العقود قصيرة الأجل، والاستعانة بمصادر خارجية، والضغوط المرتبطة بالأتمتة.
أما في الاقتصادات الناشئة، فالمشكلة أعمق، إذ لا يزال العمل غير الرسمي يشكل نسبة كبيرة من إجمالي التوظيف. هذا النوع من العمل يفتقر إلى العقود القانونية والتأمينات الاجتماعية، ما يجعل العاملين فيه عرضة للفقر حتى وهم يعملون.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من 60% من العمال حول العالم يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، أي الوظائف التي تفتقر للحماية القانونية والاجتماعية.
الأجور في مواجهة تكاليف المعيشة
من أبرز أسباب تآكل الأمان المالي للعاملين هو أن نمو الأجور لم يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة، ففي العديد من الدول المتقدمة، ظلت الأجور الحقيقية -أي بعد احتساب التضخم- دون مستوياتها السابقة لجائحة كورونا لفترة طويلة، ولم تبدأ في التعافي إلا بشكل محدود مؤخرًا.
وحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الأجور الحقيقية في نصف دول المنظمة لا تزال دون مستويات ما قبل جائحة كورونا رغم نموها السنوي في بعض البلدان، ما يعني أن القوة الشرائية للرواتب لم تعد بالكامل إلى مستويات ما قبل ارتفاع التضخم.
في المقابل، شهد العالم أزمة غلاء معيشة حادة، ارتفعت خلالها أسعار الغذاء والطاقة والسكن، ما قلّص القوة الشرائية للأجور، ونتيجة لذلك، باتت الأسر العاملة تجد صعوبة في تغطية احتياجاتها الأساسية رغم وجود دخل مستقر.
وفي الاقتصادات الناشئة، يكون الأثر أشد وطأة، إذ يؤدي التضخم وتقلبات العملة وضعف الأجور إلى تآكل سريع للدخل، ما يدفع كثيرين إلى الاعتماد على أكثر من مصدر دخل أو العمل الإضافي فقط لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ويفيد تقرير الأجور العالمية 2024–2025 الصادر عن منظمة العمل الدولية أن 45% من 160 دولة ظل الحد الأدنى للأجور الحقيقي بها دون مستوى التضخم.
التكنولوجيا وتغير طبيعة العمل
أصبحت التكنولوجيا وخاصة الأتمتة والذكاء الاصطناعي، عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل سوق العمل العالمي.
ووفق تقرير منتدى الاقتصاد العالمي – مستقبل الوظائف 2025، من المتوقع أن يتم الاستغناء عن نحو 92 مليون وظيفة عالميًا بسبب التحولات التكنولوجية.
ورغم أن هذا الرقم جاء وسط توقعات بخلق حوالي 170 مليون وظيفة جديدة خلال العام نفسه، مما يعني نموًا صافياً في عدد الوظائف، لكنه نمو غير متوازن بين القطاعات والدول.
وفي الاقتصادات المتقدمة، تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من الوظائف معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، سواء عبر الإحلال الكامل أو التغيير الجذري في طبيعة المهام، هذا التحول يضغط على الأجور، ويزيد الفجوة بين أصحاب المهارات المتقدمة وبقية العاملين.
أما في الاقتصادات الناشئة، فتواجه العمالة ما يُعرف بـ"الضعف المزدوج" وهو الجمع بين وجود نسب كبيرة من الوظائف القابلة للأتمتة، إلى جانب محدودية فرص إعادة التأهيل واكتساب مهارات جديدة، ما تسبب في فقدان وظائف تقليدية دون توفر بدائل ذات دخل مستقر.
وتظهر أمثلة واقعية لهذا الاتجاه في تراجع فرص العمل للمبتدئين في كثير من الدول المتقدمة، حيث باتت الشركات تعتمد على أنظمة آلية بدلًا من توظيف عمالة بشرية، ما يعيق دخول الشباب إلى سوق العمل واستقرارهم المالي في بدايات حياتهم المهنية.
وتشير دراسات حديثة إلى تزايد ظاهرة العمل دون المستوى، حيث يضطر أصحاب مؤهلات جامعية أو مهارات عالية إلى قبول وظائف منخفضة الأجر أو لا تتناسب مع خبراتهم.
هذا الخلل يحد من العائد الاقتصادي للتعليم، ويقوض قدرة العمل على توفير الأمان المالي.
الفوارق بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة
في الولايات المتحدة وأوروبا ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يزال العمل يوفر مستوى من الاستقرار النسبي، لكن هذا الاستقرار يتعرض لضغوط متزايدة.
فالأجور لا تنمو بالوتيرة نفسها التي تنمو بها الإنتاجية أو تكاليف المعيشة، ما يؤدي إلى تراجع نصيب العامل من ثمار النمو الاقتصادي.
كما أن الكثير من العاملين باتوا يعيدون تقييم مفهوم الأمان الوظيفي، مفضلين المرونة والتوازن بين العمل والحياة على الاستقرار التقليدي، وهو تحول يعكس تغيرًا أعمق في علاقة الأفراد بالعمل.
إلى جانب ذلك، تمثل الشيخوخة السكانية تحديًا إضافيًا، إذ من المتوقع أن تؤدي إلى تباطؤ نمو الدخول وزيادة الضغط على أنظمة التقاعد، ما يضع عبئًا أكبر على العاملين للحفاظ على استقرارهم المالي لفترات أطول من حياتهم.
في المقابل، تواجه الاقتصادات الناشئة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تحديات أكثر حدة. فانتشار العمل غير الرسمي يعني أن ملايين العاملين لا يتمتعون بأي حماية اجتماعية أو تأمين صحي أو حتى دخل مستمر.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 1.2 مليار شاب سيدخلون سوق العمل في دول الجنوب العالمي خلال العقد المقبل، في حين أن فرص العمل المتاحة لن تكون كافية لاستيعابهم جميعًا، وهو ما يهدد بارتفاع معدلات البطالة والعمل الهش، حتى بين المتعلمين.
كما تعكس إحصاءات الأمم المتحدة تزايد ظاهرة "The Working Poor" (الفقراء العاملين)؛ حيث يوجد حالياً أكثر من 630 مليون عامل حول العالم يعيشون هم وأسرهم تحت خط الفقر (أقل من 3.20 دولار أمريكي يوميًا) رغم امتلاكهم لوظائف.
ولم يعد العمل وحده كافيًا لضمان الأمان المالي في عالم يشهد تحولات اقتصادية وتكنولوجية عميقة.
فضعف نمو الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانتشار العمل غير المستقر، وتأثير الأتمتة والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل أسهمت في تفكيك الرابط التقليدي بين الوظيفة والاستقرار المالي.
وفي عالم لم يعد فيه الراتب الثابت كافيًا، يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن إعادة تعريف العمل قبل أن يفقد معناه كليًا؟
المصادر: أرقام- الأمم المتحدة- جيج إيكونومي- المنتدى الاقتصادي العالمي-منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- منظمة العمل الدولية- صندوق النقد الدولي- البنك الدولي
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: