نبض أرقام
01:02 ص
توقيت مكة المكرمة

2026/02/21
2026/02/20

من إنقاذ أبولو 13 إلى بناء نيوم: قصة التقنية التي لا تنام

2026/02/20 أرقام

في عام 1970، وبينما كانت مركبة "أبولو 13" تسبح في ظلام الفضاء وتواجه كارثة محققة بعد انفجار خزان الأكسجين، كان مهندسو وكالة "ناسا" على الأرض يسابقون الزمن لإنقاذ رواد الفضاء الثلاثة.

 

لم يمتلك المهندسون حينها وسيلة للصعود إلى المركبة، لكنهم امتلكوا "توأماً"؛ نسخة طبق الأصل من الأنظمة الكهربائية والميكانيكية للمكوك في مختبراتهم، وعبر محاكاة الحلول على هذا "التوأم" الأرضي قبل إرسال التعليمات للفضاء، نجحت المهمة المستحيلة.

 

اليوم، لم يعد هذا المفهوم حكراً على أزمات الفضاء، بل تحول إلى العمود الفقري للثورة الصناعية الرابعة، حيث يتوقع الخبراء أن يصبح "التوأم الرقمي" المحرك الخفي لاقتصادات المستقبل، محولاً كل آلة، ومبنى، وحتى جسد بشري، إلى بيانات حية تدر مليارات الدولارات.

 

 

ما هو التعريف الدقيق للتوأم الرقمي الذي يجعله مختلفاً عن مجرد النمذجة الحاسوبية التقليدية؟

 

يمثل التوأم الرقمي نموذجاً افتراضيًا ديناميكيًا لكائن أو نظام مادي يتم تحديثه باستمرار عبر تدفقات بيانات حقيقية من المستشعرات ليعكس الحالة الراهنة بدقة متناهية.  

 

يتميز عن النمذجة التقليدية بوجود رابط حي وثنائي الاتجاه، حيث تؤثر التغييرات في الأصل المادي على النموذج الرقمي، ويمكن للمحاكاة الرقمية توجيه القرارات التشغيلية في الواقع.  

 

يعمل كجسر يدمج بين الهندسة الميكانيكية، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء لخلق بيئة اختبار آمنة تمنع المخاطر قبل حدوثها في العالم الحقيقي.  

 

هناك مثلا "توأم العنصر" الذي يركز على قطعة غيار واحدة، ثم "توأم الأصل" الذي يغطي معدة كاملة مثل التوربين، ويتوسع المفهوم ليشمل "توأم النظام" الذي يربط عدة أصول معاً، وصولاً إلى "توأم العملية" الذي يحاكي تدفق العمل في مصنع أو مستشفى بالكامل.

 

 

كيف تطورت هذه التقنية من مختبرات وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" لتصبح عماد الصناعة الرابعة؟

 

بدأت الجذور الأولى في بعثات "أبولو" حيث استخدمت ناسا نماذج أرضية لمحاكاة سلوك المركبات في الفضاء، وتطورت مع الوقت لتصبح أنظمة رقمية كاملة.  

 

انتقلت التقنية إلى قطاعات الطيران والطاقة في العقدين الماضيين لمراقبة التوربينات والمحركات المعقدة التي تتطلب دقة تشغيلية فائقة لمنع الحوادث الكارثية.  

 

وصلت اليوم إلى مرحلة النضج لتشمل المصانع الذكية، والمدن الكبرى، وحتى النماذج البيولوجية للإنسان، مدفوعة بانخفاض تكاليف الحوسبة السحابية.  

 

 

ما هو حجم سوق التوأم الرقمي العالمي وتوقعات النمو حتى عام 2033؟

قُدر حجم السوق بنحو 21 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات قوية بالوصول إلى 230 مليار دولار بحلول عام 2032 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 41.3%.  

 

تشير تقديرات أخرى متفائلة إلى أن السوق قد يخترق حاجز 500 مليار دولار بحلول عام 2033، مدفوعاً بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء الصناعي.  

 

يعكس هذا النمو المتسارع تحول التوأم الرقمي من "خيار ابتكاري" إلى "ضرورة تشغيلية" للمؤسسات الكبرى التي تسعى لتعزيز تنافسيتها.  

 

 

لماذا يعتبر قطاع التصنيع هو القوة الدافعة الكبرى خلف تبني هذه التقنية عالمياً؟

 

يستحوذ قطاع التصنيع على حصة سوقية تزيد عن 30% نظراً للحاجة الملحة لتقليل فترات التوقف غير المخطط لها وتحسين كفاءة خطوط الإنتاج.  

 

تتيح التقنية للمصنعين اختبار الماكينات برمجياً قبل تركيبها فعلياً، ما يقلل تكاليف التشغيل الأولية بنسبة تصل إلى 25%.  

 

يساهم التوأم الرقمي في تحسين جودة المنتجات عبر مراقبة متغيرات التصنيع في نفس الوقت، ما يقلل النفايات ويزيد من إنتاجية المصنع بنسبة تتراوح بين 5% و40%.  

 

 

كيف يساهم إنترنت الأشياء في توفير "الجهاز العصبي" للتوأم الرقمي؟

 

تعمل مستشعرات إنترنت الأشياء كأدوات استشعار حيوية تجمع البيانات الميكانيكية والبيئية لحظة بلحظة وترسلها عبر شبكات عالية السرعة إلى النموذج الرقمي.  

 

يضمن التكامل مع إنترنت الأشياء الصناعي مزامنة دقيقة للحالة المادية، ما يجعل التوأم الرقمي مرآة حقيقية للأداء الفعلي للأصل.  

 

توفر هذه المستشعرات بيانات ضخمة حول الحرارة، والضغط، وغيرها، ما يسمح للنماذج الرقمية باكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل تحولها إلى أعطال مكلفة.

  

ما هو الدور الحيوي للذكاء الاصطناعي في تحويل البيانات الصماء إلى رؤى استراتيجية؟

 

يقوم الذكاء الاصطناعي بمعالجة البيانات الضخمة الواردة من التوأم الرقمي للتنبؤ بالأعطال المستقبلية بدقة تصل إلى 95% في بعض القطاعات.

 

تساهم خوارزميات التعلم الآلي في تحسين العمليات ذاتياً، حيث يتعلم التوأم الرقمي من السيناريوهات السابقة لتقديم توصيات ذكية لرفع الكفاءة.  

 

يتيح الذكاء الاصطناعي توليد محاكاة لسيناريوهات "ماذا لو" المعقدة، ما يساعد المديرين على اتخاذ قرارات مدروسة في بيئة متقلبة.  

 

 

لماذا تُعد الحوسبة السحابية المحرك الأساسي لانتشار "التوأم كخدمة"؟

توفر السحابة قوة معالجة هائلة وسعة تخزينية مرنة تتيح للشركات بناء توائم رقمية ضخمة دون الحاجة لاستثمارات رأسمالية كبيرة في الأجهزة.  

 

يسهل النموذج السحابي الوصول إلى التوائم الرقمية من أي مكان في العالم، مما يدعم التعاون عن بُعد بين الفرق الهندسية والتشغيلية.  

 

يساهم انتشار الحوسبة السحابية في ظهور نموذج (التكنولوجيا كخدمة)، الذي يقلل تكاليف الدخول للشركات الصغيرة والمتوسطة عبر نظام الاشتراك الشهري.  

 

كيف تضمن تقنيات "البلوكتشين" سلامة وموثوقية البيانات داخل أنظمة التوأم الرقمي؟

 

توفر البلوكتشين سجلات غير قابلة للتلاعب لتبادل البيانات بين مختلف الأطراف، مما يضمن أن المعلومات المستخدمة في المحاكاة صحيحة وموثقة.  

 

تساهم التقنية في حماية الملكية الفكرية للتصاميم الرقمية وضمان خصوصية البيانات الحساسة في القطاعات الدفاعية والطبية.  

 

تُحول العقود الذكية شروط الصيانة إلى أوامر رقمية ذاتية التنفيذ؛ فبمجرد أن يرصد التوأم الرقمي خللاً في الأداء، يُفعل العقد أمر الإصلاح ويسدد المستحقات المالية فوراً، ليدير النظام نفسه ذاتياً دون الحاجة لتدخل بشري أو تعقيدات إدارية.

 

التطبيقات الاستراتيجية للتوأم الرقمي: العمق التقني والأثر الاقتصادي

الترتيب

القطاع المستهدف

التطبيق

الأثر الاستثماري

1

الاستثمار العقاري والميتافيرس

دمج أجهزة الواقع المختلط مع الوكلاء الذكيين لإدارة الأراضي وبناء ناطحات سحاب رقمية فورية عبر "الذكاء الاصطناعي المعماري".

تحول السوق للعوائد التشغيلية (8-12% سنوياً).

حجم معاملات الأراضي الافتراضية: 500 مليون دولار أسبوعياً.

2

التوأم الرقمي البشري

نمذجة حيوية وسلوكية تدمج بيانات الأجهزة القابلة للارتداء لمحاكاة اتخاذ القرار

إضافة 40 ألف وظيفة افتراضية. تطوير أبحاث العلوم الاجتماعية

3

الأمن الغذائي والزراعة

استخدام المستشعرات للكشف المبكر عن الآفات (النخيل والكاكاو) قبل ظهور الأعراض.

خفض خسائر المحاصيل بنسبة 30%.

4

إدارة الكوارث والمدن

محاكاة فيزيائية عالية الدقة لارتفاع منسوب البحر والفيضانات بدمج بيانات الأقمار الصناعية

خفض الخسائر العالمية (75 مليار دولار سنوياً للزلازل).

تصميم مدن مرنة بدقة إغاثة تصل إلى 95%

5

الطيران والدفاع

مراقبة المحركات ومنع الأعطال

تقليل توقف الأساطيل بنسبة 30%. خفض تكاليف الصيانة عبر "التكليف الافتراضي

6

دبي

(السيادة الرقمية)

منصة موحدة تدمج بيانات IoT بالبنية التحتية لخلق نموذج افتراضي حي يدعم اتخاذ القرار اللحظي.

تعزيز الشفافية العقارية. كفاءة تشغيلية بنسبة 30% في مرافق المدينة وإضافة مليارات للاقتصاد الرقمي.

7

نيوم

(المدن الإدراكية)

نظام عصبي مركزي يربط 90% من البيانات للتنبؤ بالاحتياجات البشرية.

استدامة 100%. توفير 50% من وقت التنقل و40% من تكاليف إدارة الطاقة.

8

صناعة السيارات

محاكاة ملايين الأميال افتراضياً لتدريب الذكاء الاصطناعي

خفض الانبعاثات بنسبة 7%. توفير في تكاليف الإنتاج يصل إلى 35%

9

الرعاية الصحية

تطوير التوائم للتجارب السريرية ونمذجة الأعضاء كـ "القلب الحي" لمحاكاة الجراحات المعقدة.

توفير 97.2 مليون دولار لكل عقار مطور. دقة 97% في التنبؤ بالأمراض العصبية وتخصيص العلاج.

10

الطاقة والمرافق

دمج "الديناميكا الحرارية" مع الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بفشل المعدات قبل 60-90 يوماً من العطل.

زيادة كفاءة مزارع الرياح بنسبة 20%. توفير 40% من تكاليف الصيانة عبر الموازنة الذكية للأحمال.

 

كيف تعيد "التوائم الرقمية" صياغة مستقبل الاقتصاد العربي؟

 

تقود جامعات مرموقة مثل "جامعة خليفة" في الإمارات، و"جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية" في السعودية، أبحاثاً متقدمة لتطوير نماذج افتراضية تحاكي الأنظمة الواقعية بدقة، ما يسمح بمراقبة الأداء وتحسين اتخاذ القرار في قطاعات حيوية كالطاقة والبنية التحتية.

 

وفي قطاع الطاقة، تركز الأبحاث في السعودية على دمج مصادر الطاقة المتجددة في الشبكات الوطنية باستخدام التوائم الرقمية، بالتعاون مع عمالقة الصناعة مثل "أرامكو" وشركة "إينوا" التابعة لمشروع "نيوم"، لضمان استقرار الشبكات وتقليل التكاليف التشغيلية.

 

أما في مجال إدارة الكوارث، فقد طورت "جامعة قطر" نظاماً متطوراً للبحث والإنقاذ يعتمد على طائرات "الدرون" المربوطة بتوائم رقمية، ما يتيح الكشف عن الناجين تحت الأنقاض بدقة عالية، بينما يعمل فريق مشترك من الجامعة الأمريكية بالقاهرة وشركة "سيمنز إي دي إيه" على دمج تقنيات الواقع المعزز لتسهيل التفاعل بين البشر والروبوتات.

 

نهاية المطاف

 

إن التوأم الرقمي ليس مجرد صيحة تقنية عابرة، بل هو إعادة صياغة جوهرية لكيفية التفاعل مع العالم المادي، ففي الوقت الذي تتصارع فيه القوى الاقتصادية على الموارد المحدودة، تبرز البيانات والمحاكاة كأدوات لخلق قيمة من العدم وتحويل التحديات إلى فرص استثمارية بمليارات الدولارات.

 

إن النجاح في هذا العصر يتطلب رؤية ثاقبة تدرك أن "النسخة الرقمية" هي التي ستقود "الأصل المادي" نحو الكفاءة والاستدامة، سواء كان ذلك في مصنع صغير أو في مدينة عملاقة مثل "نيوم".

 

بالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، فإن الرسالة واضحة: من لا يمتلك "توأماً رقمياً" لأصوله اليوم، سيجد نفسه غداً يصارع في عالم مادي بطيء، مكلف، ومليء بالمفاجآت غير السارة، بينما يمضي الآخرون نحو آفاق من الربحية والنمو تضمنها لهم "الأشباح الذكية" التي لا تنام.

 

المصادر: أرقام - ساينس دايركت – ترايانجل ديجيتال – ماركت دوت يو إس – ريسيرش آند ماركتس – بيرسيستنس ماركت ريسيرش – جلوبال ماركت إنسايتس – ريسيرش جيت – فورتشن بيزنس إنسايتس – بي إم سي – إم دي بي آي – إيه سي إم – سكاي كويست – ماكينزي – روش – أيدار سولوشنز – إمباكت ماي بيز – جراند فيو ريسيرش – ماركتس آند ماركتس – ديلويت – إس إن إس إنسايدر.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.