علم المملكة العربية السعودية
أعلنت وزارة المالية أن الميزانية الفعلية للمملكة لعام 2025 سجلت إيرادات بلغت 1111.8 مليار ريال مقابل مصروفات 1388.4 مليار ريال، بعجز بلغ 276.6 مليار ريال، أعلى من العجز المتوقع البالغ 245 مليار ريال.
وأوضح محللون في لقاء مع أرقام، أن ارتفاع العجز في الربع الرابع أمر طبيعي نتيجة زيادة دفع مستخلصات للقطاع الخاص وتنفيذ المشاريع الرأسمالية، مؤكدين أن الأمر لا يُعد مقلقاً.
وأضاف المحللون أن العجز يعكس استثماراً مخططاً له مستنداً إلى نمو القطاع غير النفطي وارتفاع الإيرادات غير النفطية ووفرة الاحتياطيات السيادية، وليس ضعفاً هيكلياً، حيث إن استمرار المشاريع التنموية يمثل محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي مع الحفاظ على استدامة المالية العامة.
أسباب ارتفاع العجز الفعلي
اعتبر المحلل والباحث الاقتصادي، علي الحازمي، أن ارتفاع العجز في الربع الرابع من عام 2025 أمر طبيعي، نظراً لزيادة دفع مستخلصات القطاع الخاص من قبل الدولة وتنفيذ المشاريع الرأسمالية بشكل أكبر خلال هذا الربع، مبينا أن هذا أحد أهم الأسباب التي دفعت العجز إلى مستوى 95 مليار ريال، مشيراً إلى أن الأمر ليس مقلقاً بشكل كبير.

علي الحازمي محلل وباحث اقتصادي
ومن جانبه قال الأكاديمي والكاتب الاقتصادي الدكتور بندر الجعيد إن هناك عدة أسباب رئيسية أدت إلى ارتفاع العجز الفعلي بمقدار 94.8 مليار ريال عن العجز المعتمد، أبرزها:
- سياسة مالية معاكسة للدورة الاقتصادية: استمرار توجيه الإنفاق نحو المشاريع التنموية والحفاظ على وتيرة الاستثمار رغم تذبذب الإيرادات النفطية.
- تقلبات أسعار وإيرادات النفط: الاعتماد النسبي على النفط يجعل الإيرادات عرضة للتقلبات السعرية، وأي انحراف سعري ينعكس مباشرة على الرصيد المالي.
- تسارع الإنفاق التنفيذي: ارتفاع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية واستمرار الإنفاق الاجتماعي بنحو 99 مليار ريال حتى نهاية العام، بالإضافة إلى التوسع في البرامج التحفيزية لدعم النمو.
-ارتفاع تكلفة خدمة الدين.

الدكتور بندر الجعيد أكاديمي وكاتب اقتصادي
وفيما إذا كان العجز مؤقتاً أم هيكلياً، رأى الجعيد أن القراءة الأقرب هي عجز استثماري مخطط له أكثر من كونه هيكلياً، مستنداً إلى نمو القطاع غير النفطي بنسبة 4.9% سنوياً، وارتفاع الإيرادات غير النفطية إلى 505 مليارات ريال، وتحسن معطيات سوق العمل والقطاع الخاص، مع توفر احتياطيات سيادية أجنبية عند 1.7 تريليون ريال، مضيفا أن العجز الهيكلي يظهر عادة عند ضعف قاعدة الإيرادات غير النفطية، وهو ما لا تشير إليه البيانات.
ومن ناحيته أوضح الحازمي أن هذا العجز مرتبط بدورة اقتصادية دورية، نتيجة انخفاض أسعار النفط والإيرادات غير النفطية أحياناً، وهو ما يظهر بشكل متقطع. وذكر أن العجز الكلي لعام 2025 بلغ نحو 276 مليار ريال، وهو أعلى من السيناريو المتشائم البالغ 275 ملياراً، لكنه يعكس ظروفاً ودورة اقتصادية عالمية، وليست اختلالاً بنيوياً في المالية العامة.
وأشار الحازمي إلى أن المملكة تمتلك احتياطيات جيدة ولا ترغب في استخدامها لتغطية العجز، حفاظاً على التصنيف الائتماني، معتبراً أن العجز الحالي مرتبط بالدورة الاقتصادية وليس بضعف هيكلي في المالية العامة.
خطة الحكومة لخفض العجز في 2026
فيما يتعلق بخطط الحكومة لخفض العجز خلال 2026، قال الحازمي إن العجز المتوقع والبالغ 165 مليار ريال يُعد عجزاً مخططاً له، حيث تراهن الحكومة على المشاريع الرأسمالية لتحقيق دخل مستقبلي يغطي فوائد القروض.
وأشار إلى أن الحكومة ربما تعتمد على تحسين الإيرادات غير النفطية ورفع كفاءة الإنفاق، من خلال هيئة كفاءة الإنفاق، وإدارة الدين بذكاء عبر تنويع مصادر التمويل وتقليل التكلفة. كما قد تسهم التوجهات نحو الخصخصة والمشاركة مع القطاع الخاص في خفض بعض النفقات على الدولة، مُضيفا أن هذه الاستراتيجيات ستُستخدم لموازنة الإنفاق دون التأثير على المشاريع الكبرى.
ومن جانبه أكد الجعيد أن الحكومة ستعتمد على نهج متكامل لإدارة العجز دون التأثير على المشاريع الاستراتيجية، ويقوم على ثلاثة محاور رئيسية تشمل ما يلي:
- رفع كفاءة الإنفاق: من خلال إعادة جدولة بعض المشاريع وإعطاء الأولوية للمشاريع ذات العائد الاقتصادي الأعلى، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص (PPP).
- تعظيم الإيرادات غير النفطية: عبر توسيع القاعدة الضريبية، رفع الامتثال الضريبي، تنمية إيرادات الرسوم والخدمات، وتحفيز نمو القطاعات غير النفطية.
- إدارة الدين بمرونة: من خلال تنويع أدوات التمويل، والاستفادة من انخفاض تكلفة السيولة، والموازنة بين الاقتراض والسحب من الاحتياطيات.
وأوضح أن الهدف ليس إيقاف المشاريع الكبرى، بل إدارة سرعتها التمويلية بما يحافظ على الاستدامة المالية.
توقعات 2026 في ظل العجز
وأشار الجعيد إلى أن السيناريو المرجح لعام 2026 يشمل: تسارع النمو بدعم القطاع غير النفطي، وتحسنا نسبيا في الإيرادات النفطية إذا استقرت الأسعار، مع انخفاضٍ تدريجي في العجز كنسبة من الناتج المحلي على المدى البعيد، واستقرار نسبة الدين ضمن نطاق آمن يقدر بحوالي 30–35%.
وذكر أن عوامل داعمة لهذا السيناريو تشمل مؤشر مديري المشتريات عند 57.7 نقطة، ونمو الائتمان للقطاع الخاص بنسبة 10%، وتوسع التجارة الإلكترونية بنسبة 64%، مع تضخم منخفض عند 2%، لافتا إلى أن أبرز المخاطر المحتملة تتمثل في استمرار ضعف أسعار النفط، وارتفاع تكاليف التمويل عالمياً، وضغوط خارجية إقليمية وجيوسياسية.
أما الحازمي، فتوقع استمرار المملكة في الإنفاق على المشاريع الرأسمالية، خصوصاً المرتبطة برؤية 2030، مع الحفاظ على عجز محدود تحت السيطرة، مؤكداً أن معدلات العجز الحالية أقل من المتوسط العالمي البالغ من 60 إلى 70%، في حين أن الدين السيادي يبلغ نحو 33 إلى 34%، ما يمنح المملكة مساحة مالية للتحرك دون التضحية بالنمو الاقتصادي.
ولفت إلى أن استمرار المشاريع الاستثمارية يُعد محركاً أساسياً للنمو، وأن الإيرادات غير النفطية قد تسهم في تخفيف العجز، مضيفا أن تحسن أسعار النفط أو ارتفاعها إلى مستويات قريبة من 70 دولاراً سيخلق سيناريو إيجابياً يُسهم في زيادة الإيرادات النفطية وخفض العجز بشكل أسرع. أما السيناريو المتحفظ فيتعلق باستمرار الضغط على أسعار النفط وارتفاع تكلفة التمويل، ما يزيد الضغط على خدمة الدين.
وختم الحازمي بالتأكيد على أن المملكة لن تضحي بالنمو الاقتصادي من أجل معدلات العجز، وأن ملف الاستدامة المالية يبقى أولوية، مع وجود مساحة مالية للتحرك نظراً لمستوى الدين المنخفض نسبياً مقارنة بالمعايير العالمية.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: