في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الأجهزة المنزلية الذكية، تتصاعد المخاوف بشأن حدود الأمان والخصوصية التي توفرها هذه التقنيات، فالمكانس الكهربائية أو الأجهزة التي تتحكم في الإضاءة، لم تعد أدوات ميكانيكية صامتة، بل تحولت إلى وحدات متصلة بالإنترنت.
هذه المخاوف تحولت مؤخرًا إلى واقع ملموس بعد واقعة كشفت هشاشة غير متوقعة في أحد أنظمة المكانس الكهربائية الذكية، حيث تبيّن أن خللًا تقنيًا أتاح الوصول إلى بيانات آلاف الأجهزة حول العالم، وحول هذه الآلات الروبوتية الصماء إلى "خطر كامن" في منازل مستخدميها.
الواقعة أعادت إلى الأذهان سيناريوهات طالما حذر منها خبراء الأمن السيبراني: ماذا لو تحولت الأجهزة المنزلية الذكية إلى نقاط ضعف رقمية داخل المنازل؟ وهل يساهم الذكاء الاصطناعي في تسهيل اختراقها؟

ماذا حدث؟
- بدأت القصة عندما حاول المهندس الإسباني "سامي أزدوفال" ربط مكنسته الكهربائية من طراز "DJI Romo" بذراع تحكم "بلايستيشن 5"، مستخدمًا "كلود كود" (أداة الذكاء الاصطناعي التي طورتها "أنثروبيك") لتحليل طريقة تواصل المكنسة مع الخوادم.
- لكن عندما ربط المهندس مكنسته الكهربائية مع وحدة التحكم، لم يستجب جهازه فقط، بل استجابت نحو 7 آلاف مكنسة ذكية أخرى في 24 دولة حول العالم، بعدما سمحت له رموز التحقق الخاصة بجهازه بالوصول إلى بيانات أجهزة إضافية.
- لم يكن الأمر متوقفًا على استجابة المكانس الذكية فحسب، بل بدت هذه الأجهزة ككتاب مفتوح أمام "أزدوفال"، حيث تمكن من مشاهدة بيانات التشغيل وخرائط المنازل وحتى فتح الكاميرات وتشغيل الميكروفونات.

هل أصلحت الثغرة؟
- أعلنت شركة "DJI" أنها أصدرت تحديثين لمعالجة الخلل، مؤكدة أن البيانات كانت مشفرة وأن عملية الاختراق غير المقصودة كانت محدودة، وأن المشكلة تتعلق بالتحقق من صلاحيات الأمان وليس بتسريب مباشر.
- أثارت الواقعة شكوكًا أوسع بشأن معايير الخصوصية في سوق الأجهزة الذكية، خاصة أن حوادث مشابهة وقعت سابقًا، من بينها اختراق مكنسات "Ecovacs Deebot X2" عام 2024 في عدة مدن أمريكية، حيث تمكن المخترقون من تشغيل الكاميرات والميكروفونات عن بُعد.
- هذه السوابق تعكس نمطًا متكررًا في قطاع الأجهزة المنزلية: سباق على الميزات والانتشار السريع، يقابله تأخر نسبي في تحصين البنية الأمنية بما يتناسب مع حساسية البيانات التي تجمعها هذه الأجهزة.
- هذه التطورات تعني أن المخاطر لم تعد محصورة في تسريب البيانات أو انتهاك الخصوصية، بل قد تمتد إلى تهديدات مادية مباشرة، فاختراق جهاز منزلي قد يفتح الباب أمام تعطيل متعمد، أو التسبب في حوادث خطرة مثل وقوع ماس كهربائي أو إشعال حرائق، وبالطبع التجسس.

هل للذكاء الاصطناعي دور؟
- أحد أبرز أبعاد واقعة "دي جي آي" أن المهندس الإسباني لم يعتمد على أدوات احترافية معقدة، بل استعان بمساعد ذكاء اصطناعي لتسريع تحليل بروتوكولات الأمان، ما يوضح كيف أصبحت الأدوات المتقدمة في متناول الجميع.
- هذا التطور يفتح بابًا مزدوجًا، فالذكاء الاصطناعي الذي يُعزز إنتاجية الشركات ويقلل التكاليف، هو ذاته الذي يختصر الطريق أمام المخترقين لشن هجمات تجسس إلكترونية على الأنظمة المتصلة بالإنترنت.
- قالت شركة "كراود سترايك"، إن الذكاء الاصطناعي ساهم في زيادة هجمات القرصنة بنسبة 89% خلال 2025، إذ انخفض متوسط الوقت الذي يستغرقه المهاجمون من الاختراق الأولي وحتى الوصول للأنظمة الحساسة إلى 29 دقيقة فقط، ما يمثل زيادة في السرعة بنسبة 65% مقارنة بعام 2024.

ماذا عن الروبوتات؟
- القلق لا يقتصر على الأجهزة المنزلية البسيطة، إذ حذّر خبراء الأمن السيبراني من أن الروبوتات التجارية أكثر عرضة للاختراق مما يتصور كثيرون، حيث تمكن باحثون صينيون من السيطرة الكاملة على روبوتات عبر الأوامر الصوتية والاتصالات اللاسلكية.
- كشفت تجربة أجراها باحثون من مجموعة "دارك نيفي" لأبحاث الأمن السيبراني، عن إمكانية تحويل روبوت بشري تجاري إلى أداة هجومية، بعد استغلال خلل في نظام التحكم القائم على الذكاء الاصطناعي، والأخطر أن الروبوت المخترق نقل الثغرة إلى روبوتات أخرى قريبة.
- مع انتقال الحديث من الأجهزة المنزلية إلى الروبوتات، يرتفع مستوى الإنذار، إذ يمكن توظيف الروبوتات في أعمال أكثر خطورة مثل تخريب أو إلحاق أذى مباشر بالبشر، ما يحول أي ثغرة أمنية من مجرد مشكلة تقنية إلى مسألة سلامة عامة.
- في النهاية، تكشف الواقعة عن أن التحول نحو المنازل الذكية والروبوتات لا يحمل وعود الراحة والكفاءة فحسب، بل يفتح أيضًا جبهة جديدة من المخاطر السيبرانية قد تمتد من تسريب البيانات إلى تهديد الحياة، ومع توظيف المخترقين للذكاء الاصطناعي، يصبح الأمن الرقمي عنصرًا حاسمًا لسلامة المجتمع.
المصادر: أرقام – ذا فيرج – الجارديان – إنترستنج إنجينيرنج (Interesting Engineering)
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: