قبل ظهور "تيك توك" و"فيسبوك" و"إكس"، كان اسم "ماي سبيس" مرادفًا لفكرة التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، ونجح في جذب ملايين المستخدمين شهريًا، وحقق مكانة رائدة، لكن في عالم التكنولوجيا النجاح ليس مقعدًا محجوزًا للأبد، بل هو سباق مستمر، من يتوقف فيه للحظة لالتقاط الأنفاس، يجد نفسه خارج حلبة السباق.
في أغسطس 2003، تأسس موقع "ماي سبيس" على يد "دي وولف" و"توم أندرسون"، اللذين استلهما فكرته من موقع تواصل سابق باسم "فريندستر" ورغبا في إنشاء منصة أكثر مرونة وجاذبية لجمهور أوسع نطاقًا بهدف تواصل الأصدقاء معًا، وكان رمزًا أظهر قدرة الإنترنت على جمع الناس بطرق جديدة، وأصبح أشهر مواقع التواصل الاجتماعي قبل ظهور "فيسبوك".

العصر الذهبي
سرعان ما اكتسب شعبية هائلة بين المراهقين والشباب الذين أمضوا ساعات في تصميم حساباتهم الشخصية ونشر الصور وإضافة الأصدقاء، وحصد مليون مستخدم في غضون شهر تقريبًا، وبعد عام واحد فقط من انطلاقه، كان يستقطب آلاف المستخدمين يوميًا، وكان يحقق أرباحه بشكل أساسي من خلال عرض الإعلانات للمستخدمين، مما جعله عرضة لضغوط المسثمرين والشركاء.
نقطة تحول
وفي عام 2005، ومع سعي الشركة الإعلامية "نيوز كورب" - التابعة للملياردير "روبرت مردوخ" – لتعزيز حضورها عبر الإنترنت، قررت الاستحواذ على "ماي سبيس" مقابل 580 مليون دولار تقريبًا، عندما كان لديه 20 مليون مستخدم، في صفقة كانت في البداية بمثابة كنز ثمين لـ "مردوخ" حملت في طياتها الكثير من الوعود، لكنها باتت في النهاية عبئًا على المجموعة.
مكاسب سريعة
بعدها وقعت الشبكة الاجتماعية عقدًا إعلانيًا لمدة ثلاث سنوات مع "جوجل" بقيمة 900 مليون دولار، وهو ما غطى فعليًا تكلفة صفقة الاستحواذ، وفي غضون 15 شهرًا من الاستحواذ، قفزت الإيرادات من حوالي مليون دولار شهريًا إلى 50 مليون دولار، كانت تأتي نصفها من الإعلانات التي باعها فريق المبيعات الجديد والنصف الآخر من العقد الإعلاني.

عندما بدأت المعادلة تتغير
ومع تهافت المعلنين حاولت "ماي سبيس" التوسع عالميًا من خلال فتح مكاتب في أكبر عدد ممكن من الدول، وهو ما تسبب في إهدارها مئات الملايين من الدولارات، بينما رأت منافستها الجديدة "فيسبوك" – التي لم تركز على الربح في البداية - عدم الحاجة لإنشاء مكاتب بهذه السرعة.
الخطأ: الاستهانة بـالمنافس
بينما كان "زوكربيرج" يقود "فيسبوك"- الأبسط والأسهل استخدامًا- نحو النمو رغم انطلاقه من قاعدة مستخدمين أقل بكثير، تجاهل "مردوخ" الأمر وصرح بثقة للعالم أن "ماي سبيس" ستحقق مليار دولار من عائدات الإعلانات في 2008، مقارنة بحوالي 550 مليون دولار في العام السابق.

الإعلانات قبل المستخدم
بالطبع، لم يتحقق الهدف، بل بدأ المستخدمون تدريجيًا بالتخلي عن الموقع الذي كان يعرض إعلانات غير جذابة مثل منتجات تقويم الأسنان وإنقاص الوزن، وهو ما دفع "ماي سبيس" للاستغناء عن 40% من موظفيها وأغلقت عددًا من مكاتبها الدولية وتخلت علنا عن محاولاتها لمنافسة "فيسبوك" على لقب أكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم، وتراجعت حصتها السوقية.
وضع حرج.. إقرار بالهزيمة
حتى أصبح الوضع حرج للغاية بعدما أقر الموقع بفشله في جذب عدد كاف من الزيارات الإلكترونية لتحقيق الأهداف المحددة في اتفاقية الإعلانات مع "جوجل" وبالتالي سيتكبد خسائر بقيمة 100 مليون دولار هذا العام، وفي 2010 أصبحت المنصة وجهة ترفيهية اجتماعية، وفي عام 2011، بيعت لشركة "سبيسفيك ميديا" مقابل 35 مليون دولار فقط، وفشلت محاولات المنصة لإعادة ابتكار نفسها كشبكة تواصل اجتماعي.
من المسؤول؟
اختلفت الآراء حول تحديد المسؤول عن تراجع مكانة "ماي سبيس"، منها التأخر في التطور ومواكبة التغييرات التي تجريها الشركة المنافسة سريعًا، وتفاقم الخلافات الداخلية، والتركيز على خفض التكاليف – مع تراجع الإعلانات – بدلاً من التفكير في تطوير الموقع.
أزمات متلاحقة
إلى جانب التقنية المعيبة والإدارة السيئة، والتغطية الإعلامية السلبية، بدأ المستخدمون في الانتقال إلى منصات أخرى منها "فيسبوك"، وبينما كان "زوكربيرج" هو من يترك السوق يحدد مسار شركته، كانت "ماي سبيس" تدار بعقلية تقليدية تُملي على السوق ما يحتاجه.
الفجوة تتسع
اتضح الفارق، عندما تبنى "فيسبوك" تقنية "الأجاكس" التي تجعل التفاعل مع الأصدقاء فورياً وسلساً، حينها رفضت إدارة "ماي سبيس" لأن الطريقة التقليدية تجبر المستخدم على فتح 5 صفحات مختلفة لنشر تعليق واحد، وبالتالي مشاهدات أعلى لإرضاء المعلنين، لكن النتيجة كانت هروباً جماعياً للمستخدمين الذين سئموا البطء والتعقيد.
تؤكد قصة "ماي سبيس" أن إدارة الابتكار تتطلب شجاعة تمنح الموظفين المساحة والصلاحيات للخطأ والتعلم والتحرك بسرعة تفوق وتيرة السوق. ففي اللحظة التي تضع فيها 'البيروقراطية' قيوداً على 'الإبداع'، تكون قد بدأت بالفعل في كتابة فصل النهاية.
المصادر: أرقام – موقع "بيزنس أو آبس" – فاينانشال تايمز – فوربس - إن بي سي - الجارديان
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: