بينما كانت إيرادات الطاقة الروسية تتآكل مسجلة مستويات متدنية مطلع العام الجاري، أعادت الاضطرابات في مضيق هرمز صياغة المشهد العالمي بصورة غير متوقعة، حيث أدى تقاطع رغبة واشنطن لكبح جماح أسعار النفط مع سعي دول آسيا لتأمين الإمدادات إلى توفير طوق نجاة للاقتصاد الروسي.
وخلال الحرب الراهنة ضد إيران، لم تعد روسيا مجرد طرف يراقب الأزمة من بعيد، بل إن التوترات منحتها نافذة تستطيع من خلالها تصريف الخام الروسي المحمل على الناقلات بأسعار تفوق تقديرات ميزانيتها، وبينما تترسخ مكانة موسكو كأكبر المستفيدين من هذا الاضطراب، يبقى التساؤل الجوهري قائماً: هل هذا الانتعاش مجرد طفرة عابرة مرهونة بانتهاء فتيل الأزمة؟

إرث العقوبات
كانت روسيا تخضع لعقوبات مشددة منذ غزوها لأوكرانيا عام 2022، تشمل قيودًا على الصادرات وتجميد أصول ووضع سقف لأسعار نفطها وغيرها من الضغوط الاقتصادية، وحتى قبل اندلاع الحرب ضد إيران، عانت موسكو بشدة من انخفاض أسعار النفط وفقدان معظم مبيعاتها للهند.
تبخر عائدات الطاقة
تراجعت عائدات النفط والغاز في الميزانية الروسية إلى حوالي 20% فقط في عام 2025، مقارنة مع 45% في عام 2021، وخلال أول شهرين من العام الحالي، انخفضت إيرادات الطاقة بنسبة تقارب 50% على أساس سنوي، مما رفع عجز الميزانية إلى أكثر من 90% من الرقم المتوقع للعام بأكمله.
إعادة ترتيب الأولويات
في ظل تلك الضغوط، ووضع الاقتصاد الذي استنزفته الحرب في أوكرانيا، اتجهت موسكو إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وشكل العجز ضغوطًا على صانعي السياسات في البلاد، لكن مع اندلاع الحرب تحول الوضع بشكل جذري، وأصبح مسؤولون روس واثقين من قدرتهم على تجاوز الأمر بعدما كانوا قلقين قبل أسبوعين بشأن كيفية معالجته.
الخام الروسي..البديل الذي فرضته الأزمة
خلال فبراير، انخفضت صادرات النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية 11.4% لتصل إلى 6.6 مليون برميل يوميًا، مسجلة أدنى مستوياتها منذ غزو أوكرانيا عام 2022، لكن مع اندلاع الحرب ضد إيران، وقفزة أسعار النفط العالمية مع اضطراب حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، برز الخام الروسي كبديل استراتيجي.

استثناءات مؤقتة
في محاولة لاحتواء ارتفاع أسعار النفط، رفع "ترامب" مؤقتًا بعض العقوبات المفروضة على شراء النفط الروسي، بما في ذلك استثناء لمدة 30 يومًا للهند، وربما يقدم البيت الأبيض على المزيد منها في حال لم تستأنف تدفقات النفط الخام من الشرق الأوسط عبر المضيق بشكل كامل.
بوتين يقتنص الأزمة
سارعت روسيا لتحميل الخام على الناقلات للاستفادة من الأزمة، وبفضل الإجراءات المؤقتة التي اتخذتها واشنطن، أصبح بإمكان الدول شراء براميل الخام الروسي المحملة على الناقلات دون خشية العقوبات، وبدأت موسكو تتمكن من استعادة حصتها السوقية، وأصبح "فلاديمير بوتين" المستفيد الرئيسي من الناحية الاقتصادية من هذه الحرب.
|
بالأرقام..كيف أصبحت روسيا الرابح الأبرز من الحرب؟ |
|
|
البند |
التوضيح |
|
بيع كميات أكبر بأسعار أعلى |
حققت روسيا – التي لا تزال من أكبر مصدري النفط في العالم - عائدات تقدر بـ 1.3 مليار إلى 1.9 مليار دولار من الضرائب المفروضة على صادرات النفط، في ظل الحرب.
|
|
تصريف النفط المُحمل على الناقلات |
أشارت "كيبلر" إلى أن كمية النفط الروسي العالق في ناقلات الخام في عرض البحر قد انخفضت بمقدار 11 مليون برميل لتصل إلى 125 مليون برميل.
|
|
قفزة في صادرات النفط الروسية إلى الهند |
أشار تحليل أجراه "ستاندرد تشارترد" إلى أن روسيا هي المستفيد الأكبر من الحرب، خاصة بعد السماح المؤقت لمصافي التكرير الهندية بشراء النفط الروسي.
إذ أوضح أن هذا الإعفاء القصير المدى قد يضاعف حجم صادرات النفط الروسية إلى الهند إلى مليوني برميل يوميًا على المدى القريب بارتفاع من مليون برميل يوميًا.
|
|
تنافس الهند والصين على الخام الروسي |
ذكر "فابيهاف راغوناندان" محلل شؤون الاتحاد الأوروبي وروسيا أن واردات كل من الهند والصين من النفط الروسي ارتفعت 22% أسبوعيًا بعد بدء الحرب، مقارنة بالمتوسط اليومي المسجل في فبراير.
|
|
أسعار أعلى |
يتداول النفط الروسي بسعر يزيد بحوالي من 20 دولارًا إلى 30 دولارًا للبرميل عن متوسط سعره في الأشهر الثلاثة الماضية، ويعتقد محللو "كيبلر" أن خام روسيا يباع في الهند بسعر يزيد 5 دولارات للبرميل تقريبًا عن سعر خام برنت.
|
قلق أوروبي
على الجانب الآخر، انتقد قادة أوروبا التوجه الأمريكي لتخفيف العقوبات، خشية أن تؤول هذه العوائد الإضافية لتمويل العمليات العسكرية في أوكرانيا وإطالة أمد النزاع؛ وهو ما دفع "أنطونيو كوستا"، رئيس المجلس الأوروبي، لوصف موسكو بأنها "الرابح الوحيد" من هذه الفوضى.

مكاسب مؤقتة .. مرهونة باستمرار الأزمة
لكن الجانب الأمريكي أوضح أن هذا الإجراء قصير الأجل لن يحقق فائدة مالية كبيرة للحكومة الروسية، ومع ذلك، حذرت دراسات حديثة من أن الضغط قد ينتقل للحكومات الأوروبية ذاتها، مما قد يضطرها لتأجيل حظر الغاز الطبيعي المسال الروسي في حال استمر اختناق إمدادات الشرق الأوسط.
تقييد الطموح الروسي
وفي هذا السياق، يرى "سيرغي فاكولينكو"، الباحث لدى مركز "كارنيغي"، أن طول أمد الأزمة قد يخلق صراعاً محموماً بين الهند والصين على الخام الروسي، لكن تجدر الإشارة إلى أن قدرة موسكو على الاستغلال الكامل لهذا الوضع تظل رهينة بسلامة بنيتها التحتية، التي تضررت بفعل العقوبات والهجمات الأوكرانية، مما يضع سقفاً لسرعة استجابة الإنتاج لطلب السوق المتزايد.
ورغم أن المكاسب الروسية تبقى رهينة جملة من العوامل، في مقدمتها استمرار الحرب، وتوجهات العقوبات الأمريكية، وتعطل الإمدادات عبر هرمز، فإن الصراع الراهن يوفر لـ"بوتين" دفعة مؤقتة، لن تترسخ إلا إذا استمرت ظروف السوق الحالية لأشهر إضافية كفيلة بتعويض خسائر بداية العام.
المصادر: أرقام – ذا تايمز – وكالة الطاقة الدولية - أويل برايس – كيبلر - بلومبرج – فاينانشال تايمز – سي إن بي سي
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: