لطالما ارتبط اسم شركة تسلا بالوعود التكنولوجية الكبرى: سيارات ذاتية القيادة، روبوتات بشرية، ومدن مستقبلية تعمل بالطاقة النظيفة. لكن خلف هذه العناوين المثيرة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة أقل ضجيجاً وأكثر واقعية من حيث الإيرادات والنمو.
في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام الأسواق على مشاريع مثل “الروبوتاكسي” أو الروبوت البشري “أوبتيموس”، يبدو أن الرهان الأكثر استقراراً وربحية للشركة قد يكون في مكان آخر: بطاريات تخزين الطاقة وأنظمة الطاقة الشمسية.

المنافسة العالمية
خلال العقد الماضي، كانت تسلا تُعدّ المحرك الأكثر جاذبية لنمو سوق السيارات الكهربائية في العالم.
غير أن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجياً. فالمنافسة العالمية اشتدت، خصوصاً من الشركات الصينية التي باتت تقود وتيرة الابتكار والإنتاج في هذا القطاع، وعلى رأسها شركة "بي واي دي" التي يُتوقع أن تتفوق مجدداً على تسلا في إجمالي مبيعات السيارات الكهربائية هذا العام.
هذا التحول في المشهد التنافسي ترافق مع تباطؤ نسبي في الطلب على السيارات الكهربائية في بعض الأسواق، ما جعل قطاع السيارات لدى تسلا يواجه ضغوطاً أكبر مما كان عليه في السنوات السابقة.
وبينما يواصل الرئيس التنفيذي إيلون ماسك جذب اهتمام المستثمرين بحديثه المتكرر عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فإن قطاع الطاقة داخل الشركة يحقق ما تحبه وول ستريت أكثر من أي وعود مستقبلية: إيرادات حقيقية ونمو ملموس.
أكثر أعمال تسلا قوةً
يرى بعض المستثمرين أن هذا القطاع أصبح بالفعل أحد أكثر أعمال تسلا قوة. ويقول روس غيربر، الرئيس التنفيذي لشركة " غيربر كاواساكي" للاستثمار وأحد المستثمرين في تسلا، إن الطلب العالمي على الطاقة يتزايد بوتيرة متسارعة، وإن الحلول الأكثر كفاءة من حيث التكلفة تتمثل في الجمع بين الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات.
ويضيف أن فرص نشر هذه الأنظمة هائلة حالياً، ما يمنح تسلا مجالاً واسعاً للتوسع.
طورت تسلا خلال السنوات الماضية مجموعة من حلول تخزين الطاقة التي تعتمد على خلايا البطاريات نفسها المستخدمة في سياراتها الكهربائية. وتشمل هذه المنتجات نظام "باور وول" المخصص للمنازل التي تستخدم الطاقة الشمسية، إضافة إلى بطاريات "ميغاباك" العملاقة المصممة لتخزين الكهرباء على مستوى الشبكات والمرافق الكهربائية.

التحول التدريجي
تعكس الأرقام حجم التحول التدريجي في هيكل أعمال الشركة. ففي عام 2025 سجل قطاع الطاقة والبطاريات لدى تسلا إيرادات قياسية بلغت 12.8 مليار دولار، بزيادة قدرها 27% مقارنة بالعام السابق.
في المقابل تراجعت إيرادات قطاع السيارات بنسبة 10% لتصل إلى نحو 69.5 مليار دولار. ورغم أن الشركة ما زالت تعتمد أساساً على مبيعات السيارات، فإن الاتجاه العام واضح: قطاع الطاقة ينمو بسرعة بينما يواجه قطاع السيارات تباطؤاً نسبياً.
ولا يقتصر هذا التحول على البطاريات وحدها. فمع تزايد الضغط على شبكات الكهرباء في مختلف أنحاء العالم—خصوصاً مع التوسع الكبير في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي—ازدادت الحاجة إلى حلول تخزين الطاقة وإدارة الأحمال الكهربائية.
هذا الواقع دفع تسلا أيضاً إلى إعادة إحياء طموحاتها في مجال تصنيع الألواح الشمسية بعد سنوات من النتائج المحدودة، بما في ذلك مشروع “السقف الشمسي” الذي لم يحقق النجاح المتوقع.

دمج سلسلة الإمداد
في هذا السياق، أعلن إيلون ماسك عن رؤية طموحة تهدف إلى إنتاج نحو 100 غيغاواط سنوياً من الخلايا الشمسية، مع دمج كامل لسلسلة الإمداد بدءاً من المواد الخام وحتى الألواح الجاهزة للاستخدام.
ويرى ماسك أن الجمع بين الطاقة الشمسية والبطاريات يمثل الطريقة الأكثر فاعلية لتعزيز قدرة الشبكات الكهربائية حول العالم.
في المقابل، يمر قطاع السيارات لدى تسلا بمرحلة انتقالية. فالشركة تعتمد بشكل رئيسي على طرازي " موديل 3" و"موديل واي" للحفاظ على حجم المبيعات، في حين لم يحقق "سايبر تراك" النجاح التجاري المتوقع حتى الآن.
كما أعلن ماسك أن الشركة ستتوقف عن إنتاج طرازي "موديل إس" و"موديل إكس"، وهما من السيارات التي شكلت جزءاً مهماً من قصة نجاح تسلا في سنواتها الأولى.
وتخطط الشركة أيضاً لإطلاق نسخة إنتاجية من شاحنتها الكهربائية "سيمي" إضافة إلى مركبة "سايبركاب" المخصصة لخدمات النقل الذاتي.
تحديات تقنية وتسويقية
غير أن هذه المشاريع لا تزال تواجه تحديات تقنية وتسويقية، ومن غير المرجح أن تكون قادرة وحدها على إعادة الزخم إلى مبيعات السيارات في المدى القريب.
في المقابل، يستفيد قطاع الطاقة من اتجاهات عالمية قوية تدعم نموه. فمع تقلب أسعار الوقود الأحفوري وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تتجه الحكومات والشركات بشكل متزايد إلى الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وحلول التخزين.
وقد شهدت الأسواق العالمية في الأشهر الأخيرة ارتفاعاً في أسعار النفط تجاوز في بعض الفترات 100 دولار للبرميل، ما أعاد التأكيد على أهمية تنويع مصادر الطاقة.
في الولايات المتحدة وحدها يجري تركيب أنظمة تخزين البطاريات بوتيرة قياسية. وتشير بيانات جمعية صناعات الطاقة الشمسية إلى أن إجمالي القدرة المركبة لتخزين الطاقة وصل إلى نحو 57 غيغاواط/ساعة بحلول نهاية عام 2025، بزيادة سنوية بلغت 29%.
ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى نحو 70 غيغاواط/ساعة بنهاية العام الحالي، وهو ما يكفي لتزويد أكثر من 50 مليون منزل بالكهرباء.
كما أضافت الولايات المتحدة نحو 43 غيغاواط من القدرة الشمسية الجديدة في عام 2025، لتصبح الطاقة الشمسية المصدر الأكبر للطاقة الجديدة المضافة إلى الشبكة للعام الخامس على التوالي.

الطاقة المتجددة
يرى خبراء الطاقة أن البطاريات أصبحت عنصراً أساسياً ليس فقط لدعم الطاقة المتجددة، بل أيضاً لتعزيز استقرار الشبكات الكهربائية التقليدية. فأنظمة التخزين الحديثة تسمح باستخدام أكثر كفاءة للكهرباء المولدة من مصادر متعددة مثل الطاقة النووية والغاز والفحم والرياح والمياه، كما تساعد على تقليل الضغط على الشبكات خلال أوقات الذروة.
ويؤكد جيغار شاه، الشريك المؤسس لشركة " مالتيبلاير " للاستشارات في مجال الطاقة النظيفة، أن البطاريات يمكن تركيبها في مواقع متعددة مثل محطات الكهرباء أو خلف عدادات المتاجر والمدارس والمباني العامة، ما يجعل سوقها قابلة للتوسع بسرعة.
وقد استفادت تسلا من دخولها المبكر إلى هذا المجال، مستندة إلى خبرتها في تصنيع خلايا البطاريات الخاصة بسياراتها. ومع مرور الوقت توسع نشاطها ليشمل مشاريع تخزين ضخمة للمرافق الكهربائية. ويقدّر محللون في بنك أوف أمريكا أن قيمة هذا القطاع وحده قد تصل إلى نحو 90 مليار دولار.
قدرة إنتاجية هائلة
حالياً تمتلك تسلا قدرة إنتاجية تبلغ نحو 80 غيغاواط/ساعة من بطاريات "ميغاباك" موزعة بين مصنعين رئيسيين في كاليفورنيا وشنغهاي. وتخطط الشركة لإضافة مصنع ثالث في هيوستن بولاية تكساس بحلول عام 2028 بطاقة إضافية تبلغ نحو 50 غيغاواط/ساعة، مع إمكانية توسيع المصانع الحالية مستقبلاً.
كما بدأت تسلا تشغيل مصفاة ليثيوم بالقرب من كوربوس كريستي في تكساس لتعزيز سلسلة الإمداد المحلية للبطاريات. ومع ذلك لا تزال الشركة تعتمد على شركاء صينيين في توريد بعض المكونات المستخدمة في بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم.
وفي الوقت ذاته، عادت تسلا إلى سوق الألواح الشمسية بإطلاق نماذج جديدة يتم تصنيعها في مصنعها بمدينة بوفالو في ولاية نيويورك، وهو المصنع الذي استحوذت عليه الشركة بعد صفقة شراء SolarCity عام 2016.
الخلايا الشمسية
ورغم أن إنتاج المصنع الحالي لا يزال بعيداً عن الطموحات التي أعلنها ماسك، فإن الشركة تسعى إلى زيادة قدرته تدريجياً. ويرى بعض المحللين أن تحقيق هدف إنتاج 100 غيغاواط من الخلايا الشمسية سنوياً سيتطلب بناء مصانع جديدة وتنفيذ المشروع على مراحل قد تستغرق عدة سنوات.
وفي النهاية، يتفق كثير من المستثمرين على أن قطاع الطاقة أصبح عنصراً محورياً في مستقبل تسلا. فمع تراجع نمو مبيعات السيارات في بعض الأسواق، تتجه الشركة بشكل متزايد إلى البطاريات والطاقة الشمسية بوصفهما محركي النمو القادمين.
وقد لا تكون السيارات ذاتية القيادة أو الروبوتات البشرية هي التي ترسم الفصل التالي في قصة تسلا، بل منظومات الطاقة التي تعمل بصمت خلف الكواليس. ففي عالم يزداد عطشاً للكهرباء النظيفة والموثوقة، قد تكون البطاريات—وليس السيارات—هي الرهان الأكثر واقعية لمستقبل الشركة.
المصدر: "فوربس"
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: