نبض أرقام
03:39 م
توقيت مكة المكرمة

2026/04/10
2026/04/09

الاقتصاد الترامبي: فوضى ودولار في مواجهة الجميع

09:02 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

"الاقتصاد الترامبي 2.0" أو " Trumponomics 2.0".. ظهر هذا المصطلح قبل عام تقريبًا مع إقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريفات جمركية مفاجئة على العديد من دول العالم، ويُقصد به تأثير سياسات ترامب الاقتصادية في ولايته الثانية.

 

ولاحقًا، وسّع كثير من الاقتصاديين هذا المصطلح ليشمل مظاهر متعددة للاقتصاد في عصر ترامب، بعد أن دخل الاقتصاد العالمي خلال هذا العام بالفعل منعطفًا تاريخيًا يُعدّ الأكثر تعقيدًا منذ عقود.

 

ومن أبرز ملامح هذه التغيّـرات تلاشي ملامح العولمة التقليدية لصالح نظام "القومية الاقتصادية"، وازدياد حدّة تقلبات الأسواق بشكل واضح، إلى جانب تصاعد مؤشرات "عدم اليقين" بوجه عام.

 

 

الدولار أم الأصول

 

"وشهد الذهب تراجعًا خلال جلسات تداول أمس بنسبة 0.5%، وذلك بفعل تزايد الاضطرابات الجيوسياسية" أصبحت هذه جملة معتادة في العديد من التقارير التي ترصد تحركات المعدن النفيس خلال الأشهر الأخيرة، رغم أنها تتناقض -بداهةً- مع أساسيات الاقتصاد.

 

فالمعدن الأصفر لديه عيب واضح مقارنة بأي أصل آخر، وهو أنه "لا يدرّ عائدًا"، غير أن ميزته الرئيسية تكمن في كونه "الأكثر أمانًا". فكيف تغيّـر الأمر لتصبح جملة كهذه "عادية" ولا تثير الاستنكار؟ الإجابة، سواء في الذهب أو غيره من الأصول المتقلبة كالأَسهم، واحدة: الدولار.

 

يمكن القول إن الدولار الأمريكي يُعدّ "المسطرة" التي تُقاس بها قوة الأصول العالمية أو ضعفها، لكنه تحوّل خلال العام الأخير إلى ما وصفته "جولدمان ساكس" بأنه "أداة ضغط مزدوجة".

 

فقد شهد الدولار تقلبات حادة نتيجة تضارب السياسات؛ فبينما تدفع الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الفائدة نسبيًا (عند مستوى 3.75%) العملة نحو الصعود، يضغط العجز المالي المتزايد في الاتجاه المعاكس، نحو إضعافها.

 

وتشير بيانات "مورنينغ ستار" إلى أن الدولار ظل مُقيّمًا بأعلى من قيمته العادلة بنسبة 11% مقابل العملات الرئيسية، مما أدى إلى نزيف مستمر في عملات الأسواق الناشئة، وزيادة تكلفة خدمة ديونها المقومة بالدولار.

 

وعندما يرتفع مؤشر الدولار -على سبيل المثال- بنسبة 1.43% خلال الربع الأول من عام 2026، فإن ذلك ينعكس على مختلف الأصول؛ لا سيما الذهب، الذي سجل مستويات قياسية قبل أن يتكبد إحدى أكبر خسائره، متراجعًا من 5500 إلى 4300 دولار للأوقية.

 

اختلاف حركة الأصول

 

أما الأسهم الأمريكية، فتستفيد نسبيًا من قوة الدولار؛ إذ شهدت موجات صعود واضحة، وسجل مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" مكاسب قياسية مدفوعة بالتخفيضات الضريبية وآثارها اللاحقة.

 

 

إلا أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حذّرت، في تقريرها الصادر في مارس 2026، من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض، إلى جانب وصول الدين العام إلى 101% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، يهددان استدامة هذا الصعود، مما يُبقي المستثمرين في حالة ترقّب دائم لأي تغيير في توجهات "الاحتياطي الفيدرالي".

 

واللافت في حالة الذهب والأسهم، بل وحتى الأصول البديلة مثل "بيتكوين"، أن أنماط الصعود والهبوط لم تعد كما كانت سابقًا؛ إذ لم يعد الارتفاع في أحدها يقابله انخفاض في الآخر، بل بات من الشائع أن ترتفع الأصول مجتمعة، أو تنخفض معًا.

 

ويعيدنا ذلك إلى فكرة أن الدولار أصبح "في مواجهة الجميع". فإذا بدت الأوضاع مستقرة، تنشط المضاربات التي تتجه إلى أصل دون آخر، أما إذا زادت حالة التذبذب أو ارتفعت درجة عدم اليقين (وهي مرتفعة بالفعل)، فإن المستثمرين يتجهون إلى "السيولة" أو الدولار تحديدًا.

 

ويتسق هذا مع هدف ترامب المُعلن بالحفاظ على قوة الدولار، وهو ما أكده وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في تصريحات أدلى بها في فبراير الماضي، مشيرًا إلى أن الإدارة تتبنى سياسة "الدولار القوي"، مدعومة بإجراءات لتعزيز جاذبية الاستثمار في الأصول المقومة به.

 

تقلبات قياسية

 

وبفعل ترسّخ معادلة "الدولار في مواجهة الجميع"، أصبح "عدم اليقين" السمة الغالبة على أسواق المال في عام 2026؛ حيث تتدفق مئات المليارات إلى الأسواق ثم تنسحب سريعًا، كما تُسعَّر المخاطر بناءً على إعلانات مفاجئة عبر منصات التواصل الاجتماعي أكثر من اعتمادها على البيانات الاقتصادية التقليدية.

 

ويرصد مؤشر السياسة الاقتصادية العالمي مستويات قياسية من التذبذب، بل وصف تقرير لموقع "بوليتيكو" العام المنصرم بأنه "عام القرارات اللحظية"، حيث يمكن لتغريدة واحدة أن تمحو مليارات الدولارات من القيمة السوقية لقطاعات كاملة خلال دقائق.

 

وقد دفع هذا المناخ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى مراجعة توقعاتها للنمو العالمي لعام 2026 وتثبيتها عند 2.9% فقط، مع تحذيرات من احتمال انكماش اقتصادات كبرى مثل ألمانيا والصين، بما قد يفرض خفضًا إضافيًا لهذه التوقعات (وقد انخفضت بالفعل توقعات نمو الاقتصاد الألماني من 1.3% إلى 0.6%).

 

 

ويبدو ذلك منطقيًا في ظل تفضيل كثير من المستثمرين الاحتفاظ بالسيولة أو التوجه نحو الأصول المادية بدلًا من الاستثمار طويل الأجل، في ظل غياب رؤية واضحة للاتفاقيات التجارية الدولية، وهو ما أدى إلى حالة من الجمود في الاستثمارات الرأسمالية في قطاعات حيوية مثل التصنيع والزراعة.

 

ويشير تقرير لمجلة "الإيكونوميست" إلى أن عددًا كبيرًا من المستثمرين يترقبون ما ستسفر عنه الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر 2026، ما يعني أن الاستثمارات قد تظل معلّقة لعام إضافي على الأقل، مع ما يحمله ذلك من آثار سلبية على الإنتاج المستقبلي.

 

وتتزايد المخاوف بشأن استقرار الاقتصاد الأمريكي في ظل السياسات الحالية، بعد أن كشف مكتب الموازنة في الكونغرس مؤخرًا عن أرقام وُصفت بـ"الصادمة"، إذ يُتوقع أن يصل العجز المالي إلى 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، أي ما يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

مخاوف العجز وتحركات "غريبة"

 

كما تتصاعد المخاوف من تفاقم هذا العجز، سواء في الموازنة الحالية نتيجة الإنفاق على الحرب في إيران واحتمالات تمويل إضافي، أو في الموازنة المقبلة مع سعي البيت الأبيض لإقرار موازنة دفاعية قياسية تبلغ 1.5 تريليون دولار.

 

وقد أدى هذا العجز، الناتج عن مزيج من التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق الدفاعي، إلى فرض ضغوط كبيرة على عوائد السندات الأمريكية، التي ارتفعت بدورها، ما زاد من تكلفة الاقتراض عالميًا، وعمّق الضغوط على جهود التمويل والاستثمار في مختلف أنحاء العالم.

 

وتشير التقارير إلى أن الفوائد الصافية على الدين العام الأمريكي باتت تلتهم جزءًا متزايدًا من الموازنة، مما يحدّ من قدرة الحكومة على المناورة المالية في حال حدوث ركود مفاجئ.

 

هذا الوضع المالي الهش جعل الاقتصاد الأمريكي -وبالتالي الاقتصاد العالمي- يسير على حبل مشدود؛ إذ إن أي اضطراب في سوق السندات قد يؤدي إلى أزمة سيولة عالمية، لا سيما مع توقع وصول الدين العام إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2036 إذا استمرت السياسات الحالية.

 

 

ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل خلال العام الماضي أيضًا مسألة "توقيت" تحركات الأسواق المرتبطة بقرارات البيت الأبيض.

 

فعلى سبيل المثال، في مارس الماضي، رصد تقرير لوكالة "بلومبرغ" أنماطًا مريبة في تداول عقود النفط، حيث جرى بيع عقود آجلة لخام غرب تكساس بقيمة 580 مليون دولار قبل دقائق فقط من إعلان الرئيس ترامب التراجع عن تصعيد عسكري ضد إيران، وهو الإعلان الذي أدى إلى هبوط أسعار النفط فورًا.

 

ولم يقتصر الأمر على النفط؛ إذ رصد موقع "أكسيوس" ما وصفه بـ"وباء التداولات المشبوهة" التي تسبق القرارات الكبرى. ففي إحدى الحالات، حقق متداولون أرباحًا تجاوزت مليون دولار عبر رهانات دقيقة على توقيت عمليات عسكرية في فنزويلا.

 

وقد أثار ذلك تساؤلات حول احتمال تسرب معلومات اقتصادية حساسة إلى دوائر مقرّبة من الإدارة. ورغم نفي البيت الأبيض لهذه الاتهامات ووصفها بأنها "لا أساس لها من الصحة"، فإن هذه الوقائع عمّقت فجوة الثقة في الأسواق، وعزّزت الانطباع بأن "المعلومة" أصبحت أداة لتحقيق أرباح سريعة في ظل إدارة تُعرف بكثرة مفاجآتها.

 

وبوجه عام، يكشف العام الذي أعقب فرض الرسوم الجمركية أن الاقتصاد العالمي يعيش حالة إعادة تشكّل تحت ضغط السياسات الأمريكية، حيث أصبحت القرارات السياسية والمالية عوامل ذات تأثير مباشر وفوري في حركة الأصول.

 

كما تغيّـرت قواعد اللعبة الاقتصادية التي سادت لعقود، ليجد المستثمرون أنفسهم في مواجهة تحدّي فهم "القواعد الجديدة"، فضلًا عن التكيّف معها.

 

المصادر: أرقام- مورنينج ستار- بلومبرج- جولدمان ساكس- بوليتيكو- اكسيوس.

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.