بينما يترقب العالم اتفاقاً ينهي الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، تظل أسواق الطاقة تتابع واحدة من أشد الأزمات الجيوسياسية تأثيرًا عليها منذ عقود، وسط تساؤلات حول مستقبل أسعار النفط العالمية في أعقاب الصراع الذي أشعل فتيل أكبر اضطراب في إمدادات الخام عبر التاريخ.

تفاؤل حذر
ساهم التفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع ويعيد فتح هرمز في إبقاء أسعار النفط دون مستوى 100 دولار للبرميل، لكن رغم ذلك يؤكد الخبراء على أن سعر النفط لن ينخفض قرب مستويات 65 أو 75 دولارًا للبرميل في أي وقت قريب، حتى لو انتهى الصراع غدًا، مع توقعات بأن أي تراجع ملموس في الأسعار يحتاج إلى من ثلاثة إلى ستة أشهر على الأقل.
كلمة السر..هرمز
يبقى مضيق هرمز المحور الذي يدور حوله مصير أسواق الطاقة، فهو ممر عبور ما يقارب خُمس إمدادات النفط في العالم، واستمرار إغلاقه، سواء بفعل الحصار البحري الأمريكي أو الضغوط الإيرانية، يعني أن سلاسل الإمداد ستحتاج إلى أشهر حتى تستعيد توازنها بعد إعادة فتحه رسميًا.
سيناريو الـ 200 دولار
تحدّث بعض المحللين عن سيناريو كارثي تقفز فيه الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، قد تبلغ 200 دولار للبرميل، وهو رقم يبدو مبالغًا فيه، لكنه ليس خارج نطاق الحسابات إذا ما استمرت اضطرابات تدفق الإمدادات عبر هرمز، أو إذا استمرت دول منتجة رئيسية في تقليص إنتاجها ردًا على تدهور البنية التحتية.
تراجع المعروض
خلال شهر مارس وحده، تراجعت إمدادات النفط العالمية بمقدار 10.1 مليون برميل يوميًا، ما يمثل ما يقارب 9% من الإنتاج العالمي، مع انخفاض الإنتاج في بعض الدول المنتجة الرئيسية، ويزداد المشهد قتامة مع الحصار البحري الأمريكي على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، في تصعيد أضاف طبقة جديدة من الغموض إلى مستقبل الإمدادات.

الأسعار لا تعكس حجم الأزمة
نبّهت وكالة الطاقة الدولية إلى أن هذا الصراع سيمحو نمو الطلب على النفط خلال العام الحالي، ليسجل أول انخفاض سنوي منذ جائحة "كوفيد –19"، فيما أكد مديرها "بيرول" أن الأسعار الراهنة لا تعكس بعدُ الحجم الفعلي غير المسبوق لهذه الأزمة.
عام كامل للعودة إلى الوضع الطبيعي
يحذر خبراء بارزون من أن أسواق النفط قد تحتاج إلى عام كامل لاستعادة توازنها، حتى لو انتهى النزاع على الفور، ويُفسّر "فيفيك دار"، خبير استراتيجيات السلع لدى بنك الكومنولث الأسترالي، ذلك بأن المخزونات المستنزفة ستحتاج إلى إعادة تعبئة، وأن فريقه يُقدّر فترة تتراوح بين 6 و12 شهرًا لعودة المعروض إلى مستوياته الطبيعية في أفضل الأحوال.
الأسعار لن تهبط قريبًا
أما "كلاوديو غاليمبرتي" من "ريستاد إنرجي" فيُحذّر من أن عودة الإنتاج المتوقف إلى مستوياته السابقة قد تستغرق مدة مماثلة لفترة التوقف نفسها، كما يشير "آندي ليبو" المحلل المخضرم إلى أنه حتى لو انتهت الحرب غدًا فلن تعود الأسعار إلى سابق عهدها، فيما يرى "غريغوري برو" من مجموعة "أوراسيا" أنه من المستبعد للغاية أن يتراجع سعر النفط دون 80 دولارًا للبرميل خلال العام الحالي.

توقعات المؤسسات الكبرى
تتباين توقعات البنوك والمؤسسات المالية الكبرى في تفاصيلها لكنها تتفق في توجهها العام، إذ يتوقع "مورجان ستانلي" وصول خام برنت إلى 110 دولارات في الربع الثاني، على أن يتراجع تدريجيًا نحو 80 دولارًا في 2027، مع عودة الصادرات عبر هرمز إلى طبيعتها بحلول أكتوبر، بينما يتوقع "إيه إن زي" أن تظل الأسعار مرتفعة في العام المقبل.
ما الذي قد يخفف الضغط؟
لا تخلو الصورة من بصيص أمل، فإمكانية تفعيل أوبك لطاقتها الإنتاجية الفائضة قد توجد هامشًا للتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار، كما أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يُسرّع من مسار التحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة، ويُعجّل بتغيير سلوك المستهلكين بما ينعكس على تراجع الطلب على النفط على المدى البعيد.
في النهاية، كلما طالت مدة الصراع وتوقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ازداد الوقت اللازم للعودة إلى مستويات إنتاج النفط الطبيعية، لتكشف تلك الأزمة أن الحروب لا تنتهي بإعلان وقف إطلاق النار، بل إنها تترك جروحًا وتداعيات اقتصادية تستمر لأشهر وربما سنوات بعد انتهائها، ويظل السؤال: متى يمكن أن تعود أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب؟
المصادر: أرقام – وول ستريت جورنال – إنفستوبيديا – بلومبرج - وكالة الطاقة الدولية – سي إن بي سي – الجارديان – مجلة "التايم"
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: