"ياسوو هاماناكا" اسم ارتبط بأحد أكبر الفضائح التجارية، رغم أنه لم يكن نموذجًا للمتداول الصاخب الطموح، بل كان العكس تمامًا، فهو رجل في الثامنة والأربعين من عمره، يعمل بصمت خلف مكتب معدني بسيط، يُعرَف ببدلته البنية المميزة وأسلوبه المحسوب في الشراء لرفع الأسعار والبيع لخفضها.
كانت سمعته في الأوساط المالية براقة قبل انكشاف أمره، إذ حوّل "سوميتومو كورب" اليابانية - التي لا تمتلك مناجم نحاس - إلى لاعب عالمي مهيمن في سوق المعدن.

صلاحيات استثنائية
في عام 1986، وبعد مسيرة مهنية امتدت عشرين عامًا في الشركة، اختير "هاماناكا" لقيادة فريق تداول العقود الآجلة للنحاس، وقد منحه منصبه صلاحيات استثنائية نادرًا ما تجتمع في يد شخص واحد: حق تجميع مراكز استثمارية ضخمة، وصلاحية التوقيع على حسابات مصرفية متعددة، وخطوط ائتمان واسعة.
آليات السيطرة
اعتمد على أساليب ملتوية منها الحيازة الضخمة للعقود الآجلة التي منحت "سوميتومو" مكانة مهيمنة السوق، والتحكم المباشر في العرض عبر احتياطيات الشركة الفعلية من المعدن، وتوليد أرباح إضافية من عمولات المعاملات مع كل ارتفاع مصطنع في الأسعار، في حلقة رابحة أبقت الوهم حيًا لسنوات طويلة.
لقب الهيمنة
كان بمثابة العقل المدبر الذي يحرك خيوط المتداولين في سوق النحاس في بورصة لندن للمعادن التي تحدد سعر المعدن عالميًا، حتى يمكن القول إنه أخضع سوقا بقيمة 1.45 تريليون دولار لإدارته، حتى أن "هاماناكا" – في أوج نفوذه - سيطر على 5% من السوق العالمي، ليلقب بـ "السيد خمسة بالمائة".
مكاسب ولكن
أدت صفقات "هاماناكا" غير القانونية إلى ارتفاع الأسعار في سوق النحاس وتحقيق أرباح طائلة لسنوات لكنها كلفت "سوميتومو" في النهاية 2.6 مليار دولار عندما انكشفت عملية الاحتيال عام 1996، لكن كيف انكشف التلاعب؟

أول خيوط كشف الفضيحة
اندلعت أولى شرارات الفضيحة في أواخر عام 1991، حين تلقى الوسيط "ديفيد ثريلكيلد" رسالة مزعومة من "هاماناكا" تطلب منه تزوير تاريخ تأكيدات صفقة وهمية بقيمة 425 مليون دولار. رفض "ثريلكيلد" العرض وسلّم الرسالة إلى بورصة لندن، غير أن الأخيرة اعتبرت الأمر خارج نطاق اختصاصها.
تحولات السوق
وفي العام التالي، حذّر الوسيط ذاته جهة بريطانية من صفقة نحاس مريبة بقيمة 80 مليون دولار، لكن صوته ظل دون صدى، وبدأت الأمور تتضح أكثر مع تغير ظروف السوق في عام 1995، ومع الزيادة الكبيرة من المعروض من النحاس، مع انتعاش التعدين في الصين.
الإدانة
وفي النهاية أدين "هاماناكا" بتهم الاحتيال والتزوير وحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات، ورغم نفي "سوميتومو" علمها بأنشطة "هاماناكا" غير القانونية، إلا أنها دفعت 150 مليون دولار لتسوية الدعاوى مع الجهات التنظيمية، في فضيحة أضرت بسمعتها.

احتواء تداعيات الفضيحة
لكن حجم "سوميتومو" – التي نفت علمها بأنشطة "هاماناكا" - وأصولها التي بلغت 34.8 مليار دولار، وتسجيلها مبيعات بقيمة 133 مليار دولار في عام 1995، مكنها من استيعاب تداعيات الفضيحة والخسائر المرتبطة بها، وصرح "توميتشي أكياما" رئيس الشركة آنذاك في مؤتمر صحفي أن "هاماناكا" قدم لرؤسائه تقارير معدلة جزئيًا.
هل كان يخطط وينفذ بمفرده؟
شكك المحققون في قدرة رجل واحد على التستر على عمليات التلاعب طوال هذه المدة، وعلق أحد أعضاء مجلس إدارة بورصة لندن للمعادن حينها لمجلة "بيزنس ويك" بأنه من غير المعقول أن مسؤولي "سوميتومو" لم يكونوا على دراية بحجم الصفقات التي كان ينفذها "هاماناكا".
تلك القصة ليست مجرد فضيحة مالية طويت صفحاتها مع حكم القضاء، لكنها تقدم درسًا جوهريًا مفاده أن آليات وقوى السوق تمتلك قدرة تصحيحية ذاتية لا يمكن خداعها مهما طال أمد التلاعب والتزييف.
المصادر: أرقام – بلومبرج – إنفستوبيديا – فاينانشال تايمز – وول ستريت جورنال – الجارديان – مجلة "بيزنس ويك"
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: