كان لدينا منذ عدة سنوات وزارة للإسكان لديها أراض شاسعة في مواقع جيدة خاصة في مدينة الرياض، وقد أقامت مساكن على شكل فلل صغيرة ومجمعات سكنية في الرياض وجدة والدمام، ولم تُوَزَّع تلك المساكن في وقتها، بل بقيت سنوات وسنوات فارغة تلعب فيها الرياح وعوامل الزمن حتى أصبحت مشكلة كبرى بدلاً من أن تكون هي الوسيلة لحل المشكلة، إذ ظلت عبئاً أمنياً واقتصادياً، واحتاجت هذه المشكلة لعملية قيصرية على ما أذكر، وكان من الطبيعي نتيجة لذلك أن يتم صرف النظر عن إقامة مساكن جديدة، وأن يتم بعد ذلك إلغاء الوزارة ويتم التصرف في أراضيها.
الآن وبعد عدة سنوات من حل مشكلة المساكن التي أقامتها وزارة الإسكان، وبعد إلغاء تلك الوزارة عدنا لاستحداث جهة جديدة تتولى شؤون الإسكان سميناها الهيئة العامة للإسكان لتقوم بالمهام نفسها التي كانت تقوم بها تلك الوزارة التي ألغيناها.
حكومتنا مشكورة تقوم بين كل وقت وآخر باتخاذ بعض الخطوات التصحيحية الكبيرة مثل إلغاء وزارة الإسكان وإيجاد الهيئة العامة للإسكان، وهذا أمر جيد من حيث المبدأ، فمن الطبيعي أن تتغير الظروف وتتغير الآراء تبعاً لذلك ويقتضي الأمر تصحيح الإجراءات والخطوات، والحكومة وهي تفعل ذلك تريد خدمة صاحب الشأن الذي هو المواطن، وهذا أمر جيد أيضاً وطبيعي، ولكن الخطوات الكبيرة التي تتخذ لخدمة المواطن حتى تنجح لابد أن يفهمها المواطن ويدرك مغزاها ويقتنع بها، وهذا الأمر البالغ الأهمية مع الأسف يغيب أحياناً في خطوات الحكومة فلا يؤخذ في الاعتبار مع أهميته البالغة.
حين تم إلغاء وزارة الإسكان لم يصدر مع الإلغاء بيان إيضاحي للمواطن المعني الأول بتلك الوزارة يبين له لماذا تم إلغاء تلك الوزارة مع أن الحاجة كانت ماسة لإقامة المساكن، وحين تم إيجاد الهيئة العامة للإسكان بعد ذلك لتخدم المواطن وتقيم له المساكن التي يحتاجها لم يصدر إيضاح يبين لهذا المواطن الذي أنشئت تلك الهيئة من أجل خدمته ما الذي استجد بعد إلغاء وزارة الإسكان ودعا لاستحداث هيئة الإسكان، ولماذا أصبحت هيئة بعد أن كانت وزارة، وما الفرق بين الهيئة والوزارة.. وهل تم تلافي المشكلة التي بسببها أصبحت المساكن التي أقامتها الوزارة السابقة مشكلة..؟؟
الأمير منصور بن متعب وزير الشؤون البلدية والقروية (وهي الوزارة التي سُلِّمت لها تركة وزارة الإسكان الملغاة) رأس اجتماعاً في الأسبوع الماضي لأمناء المناطق، وتحدث خلاله للصحافة، ليس عن هيئة الإسكان وطبيعة دورها مقارنة بوزارة الإسكان التي هو الأكثر علماً بها، لكن تحدث عن شيء آخر من شؤوننا الغامضة (وما أكثرها) له علاقة بهيئة الإسكان ووزارة الإسكان وهو قرار مجلس الوزراء الذي قضى بـ((ربط برامج المنح ببرامج الإسكان)) والذي أصبح مثل قصائد المتنبي ليس في البلاغة بل في الغموض (يسهر الخلق جراها ويختصم) وقدم لنا مشكوراً بعض الشموع التي تفصح لنا عن بعض الجوانب من غموضه، فقال ((إن عملية ربط أراضي المنح ببرامج الإسكان سيتم بالتنسيق مع الهيئة العامة للإسكان بالتعاون مع الجهات الأخرى)) وقال كذلك ((إن هناك لجنة ستشكل من وزارته والهيئة العامة للإسكان لوضع ضوابط محددة لفتح الباب أمام القطاع الخاص للاستثمار في أراضي المنح))، ويفهم مما قال أن هيئة الإسكان سيتم التنسيق معها في هذا الربط غير المفهوم حتى الآن، كما يفهم أن القطاع الخاص سيساهم ببناء مساكن على تلك الأراضي، وهذا فهمناه ولكن هل مساهمة القطاع الخاص في بناء المساكن على أرض المنح هو الربط المقصود..؟؟ هل برامج الإسكان لدى القطاع الخاص الآن أم لدى الهيئة..؟؟ ثم إنه بإمكان من لديهم منح الآن في حي (لبن) مثلاً في الرياض أن يتفقوا مع القطاع الخاص على بناء مساكن على أراضيهم الممنوحة لهم من الدولة.. أي إن هذا حاصل الآن ولا يحتاج إلى قرارات.. ولكن هل هو ربط ببرامج الإسكان..؟؟
قرار مجلس الوزراء الخاص بـ(ربط برامج المنح ببرامج الإسكان) والذي سبق أن كتبت عنه منذ عدة أسابيع وتحدثت عن غموضه، يماثل حالة إلغاء وزارة الإسكان وإيجاد هيئة الإسكان، أي يحمل مشكلة غموض الإجراء وعدم تقديم الإيضاح لصاحب الشأن الذي هو المواطن، إذ لا أعتقد أن أحداً من المواطنين الآن حتى بعد كل إيضاحات وزير الشؤون البلدية يفهم كيف سيكون الربط بين منح الأراضي وبرامج الإسكان، تماماً كما أنه لم يفهم لماذا أصبحت المساكن التي أقامتها وزارة الإسكان الملغاة مشكلة كبرى بدلاً من أن تكون هي الحل للمشكلة، ولماذا تم إلغاء وزارة الإسكان، ثم استحدثت هيئة الإسكان وما الفرق بين الوزارة والهيئة..؟
أقترح على وزير الشؤون البلدية والقروية الأمير منصور بن متعب قبل أن يستمر في عقد اجتماعات أمناء المناطق أن يقوم إن كان لديه المعلومة بتقديم الإيضاحات الكاملة للمواطن الذي هو صاحب الشأن الأول عن عملية الربط بين برامج المنح وبرامج الإسكان كي يفهم، فبدون فهم هذا المواطن لا معنى في رأيي للاستمرار في برامج لخدمته وهو لا يفهم مغازيها.
قال لي أحد المواطنين تعليقاً على كل ذلك.. لماذا لا تحول وزاراتنا إلى هيئات إن كان القصور في نظام الوزارة والحل في نظام الهيئات..؟؟ وتساؤله مفهوم ومعقول في رأيي.. فهو لم يفهم.. فلنجعل مثل هذا المواطن يفهم أولاً قبل أن نقدم له برامج ونطالبه بالتعاون لإنجاحها.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: