في ظلام القاعات السينمائية، حينما وقفت "دوروثي فون" في فيلم "شخصيات مخفية – "Hidden Figures تراقب ذلك العملاق الحديدي الذي ابتلعته ردهات وكالة "ناسا" لأول مرة في الستينيات، لم تكن ترقب مجرد آلة حاسبة من إنتاج "آي بي إم"؛ بل كانت تشهد لحظة فاصلة في مسار الزمن.
رأت في برود الأسلاك ووميض المصابيح نذيراً بزوال عصرٍ كامل كانت فيه "العقول البشرية" هي المسطرة التي يُقاس بها الكون. لم يكن خوفها نابعاً من قدرة الآلة على الحساب، بل من قدرتها على جعل مهاراتها هي وزميلاتها من "الحاسبات البشريات" أثراً بعد عين.
لكن "دوروثي" لم تذرف الدموع على أطلال الماضي، بل تسللت في عتمة الليل إلى المكتبة، وتعلمت لغة "فورتران"، مدركةً أن المعركة ليست مع الآلة، بل مع "الجمود"، وعادت لتدرب فريقها، ولسان حالها: "لا يمكنكم إيقاف التقدم، لكن يمكنكم تعلم لغته".
اليوم، يخرج ذلك العملاق الحديدي من شاشات السينما ليدخل بيوتنا ومكاتبنا بزيّ "الذكاء الاصطناعي التوليدي"، ليعيد صياغة المأساة والملحمة ذاتهما، نحن لسنا أمام مجرد تحديث تقني، بل أمام "ثقوب سوداء" في سوق العمل تبتلع الوظائف الروتينية لتقذف في الجهة الأخرى ثرواتٍ هائلة لأرباب المهارات الجديدة.
القصة لم تعد تدور حول الوصول إلى القمر، بل حول من سيبقى على الأرض محتفظًا بوظيفته؟ لقد انتهى زمن التساؤل المترف: "هل سيأتي التغيير؟"، وبزغ فجر السؤال الوجودي: هل تملك في داخلك جينات "دوروثي فون"، تلك التي تسرق من أنياب الأزمة فرصة الميلاد الجديد وتطوع الآلة لخدمة إرادتها؟ أم ستكتفي بوقفة المتفرج الغريب، تشاهد نصل التكنولوجيا وهو يغمد في قلب مستقبلك المهني؟

طوفان المهارات
- تتطلب وظيفة واحدة من كل 10 في الاقتصادات المتقدمة، وواحدة من كل 20 في الأسواق الناشئة، مهارة جديدة واحدة على الأقل، وتتخذ هذه المهارات، التي كانت غائبة تماماً عن المشهد قبل عقد من الزمان، من الولايات المتحدة منطلقاً رئيساً ومركزاً للابتكار، قبل أن تبدأ رحلة انتشارها العابر للحدود كـ "عدوى" تعيد صياغة متطلبات أسواق العمل الدولية.
هيمنة التقنية
- تمثّل مهارات تكنولوجيا المعلومات أكثر من نصف المهارات الجديدة المطلوبة، مع تزايد واضح في المهارات المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، ويعكس ذلك الطبيعة الشمولية لهذه التقنيات، حيث لم تعد محصورة في قطاع واحد، بل باتت أداة إنتاج عامة تمتد من الإدارة والتسويق إلى الصحة والخدمات.
قفزة الأجور
- تشير التحليلات إلى أن الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة ترتبط بعروض أجور أعلى بنسبة تتراوح بين 3% و3.4% في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بل إن العلاوة تقفز بشكل أكبر في الوظائف التي تتطلب أربع مهارات جديدة أو أكثر، لتصل إلى زيادة قدرها 15% في بريطانيا و8.5% في أمريكا، وهو ما يعني أن "التعلم المستمر" لم يعد شعاراً للتنمية البشرية، بل أداة استثمارية مباشرة ترفع من القيمة السوقية للفرد وتضخ السيولة في الاقتصادات المحلية.
التفاوت الاقتصادي
- رغم بريق الأجور المرتفعة، تخفي البيانات حقيقة مظلمة تتعلق بما يسمى "استقطاب الوظائف"، فالمكاسب الكبرى تذهب إلى فئتين فقط: العمالة عالية المهارة (المطورون والمديرون)، والعمالة منخفضة المهارة (قطاع الخدمات يزدهر بزيادة استهلاك الفئة الأولى)، أما الضحية الكبرى فهي "الطبقة الوسطى" من العمالة متوسطة المهارة، التي لا تجني فوائد كبيرة وتواجه خطر الانكماش.

مفارقة الذكاء
- تكمن المفاجأة الصادمة في أن الذكاء الاصطناعي يختلف جذرياً عن باقي المهارات التقنية الجديدة، فبينما ترفع المهارات الجديدة العامة مستويات التوظيف والأجور معًا، فإن المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ترفع الأجور لكنها لا تزيد من إجمالي التوظيف.
تسريحٌ قاسٍ
- تُظهر الدراسات أن الوظائف التي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام بها بدلاً من الإنسان —ولا يستطيع الموظف استخدامه فيها كأداة مساعدة— تواجه تراجعاً حقيقياً؛ ففي المدن التي يزداد فيها الاعتماد على مهارات الذكاء الاصطناعي، انخفض عدد الموظفين في تلك المهن بنسبة 3.6% بعد مرور خمس سنوات على دخول هذه التقنيات للسوق، ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي بدأ فعلياً في استبدال البشر في المهام التي لا تتطلب لمسة بشرية مكملة.
أزمة الشباب
- يلقي هذا التحول بظلاله القاتمة على الشباب والداخلين الجدد لسوق العمل، لأن الوظائف المكتبية المبتدئة، التي كانت تقليدياً بوابة العبور للخبرة المهنية، هي الأكثر تعرضاً للأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتشير الأدلة إلى أن الشركات بدأت تقلص التوظيف في تلك المناصب لأن الخوارزميات باتت قادرة على أداء المهام الروتينية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، وهو ما يضع جيلاً كاملاً أمام معضلة: كيف يكتسبون الخبرة إذا كانت "الدرجة الأولى" من السلم المهني قد أزيلت بواسطة روبوت؟
مؤشر الاختلال
- لترشيد القرارات الحكومية، تم تطوير "مؤشر اختلال المهارات - Skill Imbalance Index"، الذي يكشف عن تباين صارخ بين الدول، حيث تنقسم الاقتصادات إلى معسكرين: دول تواجه طلباً هائلاً على المهارات الجديدة لكنها تعاني من شح في العرض المحلي (مثل البرازيل، المكسيك، والسويد)، ودول تمتلك وفرة في المواهب والخريجين لكن الطلب المحلي فيها لا يزال متواضعاً (مثل أستراليا، وأيرلندا، وبولندا).

طريق النجاة
- تختلف "الوصفة العلاجية" بناءً على موقع الدولة في المؤشر، فبالنسبة للدول التي تعاني من نقص العرض، فإن الأولوية القصوى هي إصلاح التعليم، وتعزيز التدريب المهني، وتسهيل استقطاب الكفاءات الأجنبية، أما الدول التي تعاني من ضعف الطلب رغم وفرة المواهب، فيجب عليها التركيز على تحفيز الابتكار، وتسهيل وصول الشركات للتمويل لتمكينها من التوسع واستيعاب هذه الكفاءات قبل أن تهاجر.
|
ترتيب الدول حسب مؤشر اختلال المهارات |
||
|
الترتيب |
الدولة |
وضع فجوة المهارات |
|
1 |
لوكسمبورج |
قيمة موجبة
فجوة لصالح الطلب (نقص مهارات)
وكلما اتجهنا لأسفل، كلما اقترب السوق من التوازن |
|
2 |
السويد |
|
|
3 |
هولندا |
|
|
4 |
البرازيل |
|
|
5 |
لاتفيا |
|
|
6 |
كولومبيا |
|
|
7 |
المكسيك |
|
|
8 |
النمسا |
|
|
9 |
تشيلي |
|
|
10 |
الولايات المتحدة |
نقطة مرجعية للمؤشر |
|
11 |
إستونيا |
قيمة سالبة
فجوة لصالح العرض (فائض مهارات)
وكلما اتجهنا لأسفل، كلما ابتعد السوق عن التوازن |
|
12 |
ليتوانيا |
|
|
13 |
كوستاريكا |
|
|
14 |
ألمانيا |
|
|
15 |
النرويج |
|
|
16 |
بلجيكا |
|
|
17 |
المجر |
|
|
18 |
البرتغال |
|
|
19 |
تركيا |
|
|
20 |
فرنسا |
|
*الطلب المتوقع على المهارات الجديدة مقابل قدرة الاقتصاد على توفيرها عبر الخريجين وإعادة التدريب
هندسة التعليم
- لم يعد إصلاح التعليم خياراً، بل مسألة أمن قومي اقتصادي، حيث تشير البيانات إلى أن دولاً مثل فنلندا والدنمارك تتصدر "مؤشر الجاهزية للمهارات-Skill Readiness Index" بفضل استثماراتها الضخمة في التعليم العالي وبرامج التعلم مدى الحياة، لأن المطلوب ليس مجرد تخريج مبرمجين، بل دمج المهارات التقنية في كافة التخصصات (حتى الإنسانية)، والتركيز على المهارات "المعرفية والإبداعية" التي لا تستطيع الآلة تقليدها بسهولة، ليتحول النظام التعليمي من "تلقين المعلومات" إلى "تعليم التكيف" مع آلة تتطور أسرع من المناهج الدراسية.
أنسنة العمل
- في جوهره، لا يدور هذا التحول حول الخوارزميات ولا حول مؤشرات الإنتاجية، بل حول سؤال أقدم وأعمق: ما الذي يمنح العمل معناه؟ فالعمل ليس مجرد وسيلة للدخل، بل صيغة اعتراف اجتماعي بوجود الإنسان ودوره، وحين تُعاد كتابة قواعد سوق العمل بسرعة تفوق قدرة كثيرين على التعلّم والتكيّف، تصبح المخاطرة أخلاقية بقدر ما هي اقتصادية، وهنا تبرز أهمية الحماية الاجتماعية، ودور النقابات، لا كتكلفة إضافية على الاقتصاد، بل كبنية أخلاقية تضمن أن يكون التحول انتقالاً جماعياً لا سباق نجاة فردياً.
|
ترتيب الدول حسب مؤشر جاهزية المهارات |
|
|
الترتيب |
الدولة |
|
1 |
أيرلندا |
|
2 |
فنلندا |
|
3 |
الدنمارك |
|
4 |
سويسرا |
|
5 |
النرويج |
|
6 |
إستونيا |
|
7 |
بولندا |
|
8 |
هولندا |
|
9 |
الولايات المتحدة |
|
10 |
ألمانيا |
|
11 |
السويد |
|
12 |
التشيك |
|
13 |
فرنسا |
|
14 |
كرواتيا |
|
15 |
سلوفاكيا |
|
16 |
إسبانيا |
|
17 |
ليتوانيا |
|
18 |
اليابان |
|
19 |
لاتفيا |
|
20 |
النمسا |
* هل يمتلك الاقتصاد قاعدة بشرية قادرة على تعلّم واستخدام المهارات الجديدة؟
المصدر: صندوق النقد الدولي
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: