عندما يتعلق الأمر بالمال، فإن بعض المستثمرين يخوضون تجربة لا تختلف كثيرًا عن المشاركين في فانتازي الدوري الإنجليزي الممتاز، اللعبة التي تُحبط الغالبية العظمى من ممارسيها، حيث الاختيارات تبدو منطقية لكنها تفشل، والرهانات المحسوبة تخيب، والنقاط تضيع بعدما بدت في المتناول.

فكرة اللعبة تقوم في الأساس على تشكيل فريق افتراضي من لاعبي كرة القدم، وتحقيق نقاط بناءً على أدائهم في منافسات الدوري الحقيقي، فمثلًا تضيف "هالاند" إلى فريقك، وإذا سجل في مباراته القادمة تحسب لك النقاط. إنه رهان يضيف مزيدًا من الأدرينالين إلى أدمغة عشاق كرة القدم.
المثير أن أعلى النقاط لا تأتي دائمًا من النجوم، بل أحيانًا من لاعبين أقل شهرة، واللعبة، في جوهرها، لا تتعلق بالأسماء ذات القيمة الكبيرة، بل عن فهم الديناميكية الخفية: من ينفجر؟ متى؟ ولماذا؟ ومن سيواجه؟ وفي أي ظروف؟ إنها تحتاج لفهم عميق وتحليل شامل ومتابعة مستمرة لمنافسات الدوري.
على الجانب الآخر، وفي سوق تُتداول فيه مليارات الأسهم يوميًا، لا تتحرك الأسعار عشوائيًا ولا استجابةً للأخبار وحدها أو طرف بعينه، فوراء كل حركة من يضغط زر الشراء ومن يضغط زر البيع، وبينهما شبكة معقدة من صناع السوق، والمؤسسات الاستثمارية، والخوارزميات، ومؤخرًا: جيوش من المتداولين الأفراد.
في فانتازي الدوري الإنجليزي، يدخل اللاعبون الموسم بالقواعد نفسها، أما في سوق الأسهم، فالقواعد واحدة لكن أدوات اللعب مختلفة، ويظل التحكم في السيولة أحد أهم مصادر التأثير.
لكن هل يعني هذا أن دور الأفراد وبعض المؤسسات الاستثمارية هامشي أو معدوم؟ لفهم من يحرك الأسعار فعلًا، لا بد من البدء بالطرف الأكثر إثارة للجدل: "صانع السوق"، والذي يقول الأخ "MACCD" إن أسواق الأسهم تحت سيطرته التامة.

قبل الانتقال إلى عمق التفاصيل، فإن "اختيارات القراء" هي سلسلة جديدة تتضمن قراءات وتحليلات من ترشيح رواد "أرقام" أو مستلهمة من نقاشاتهم المختلفة عبر الموضوعات المنشورة بالفعل، والهدف منها إثراء الحوار والتفاعل مع قرائنا الأعزاء.
الصانع.. سيطرة أم تمكين؟
- كشف انهيار عام 1987 في وول ستريت عن قصور النظام القديم الذي اعتمد على الهاتف والحواسيب البدائية، مما أدى إلى فرض أنظمة تداول إلكترونية إلزامية، وسرعان ما أصبح تداول الأسهم الأمريكية يعتمد كليًا على الشاشات، مع صُنّاع سوق يعملون عبر خوارزميات فائقة السرعة.
- يرتكز الدور الرئيسي لصناع السوق على توفير السيولة وإجراء عمليات التسعير اللازمة، لا سيما في الأسهم قليلة التداول، فعلى سبيل المثال، يجري تداول ما يقارب 30% من الأسهم الأمريكية بأقل من 500 ألف دولار يوميًا، وهذا قد يعني ندرة المشترين والبائعين العاديين.
- لكن بفضل استعدادهم الدائم للشراء والبيع، يُتيح صناع السوق للمستثمرين إمكانية التداول "بسرعة وشفافية" حتى في الأسهم قليلة السيولة (في المقابل، يكسبون من فرق سعري العرض والطلب).
- نفوذ الصانع محدود بالقواعد والمخاطر، حيث يجب عليه الوفاء بالتزامات رأس المال والتسعير، فعلى سبيل المثال، تشترط بورصة "نيويورك أركا" على كل صناع السوق الحفاظ على عروض أسعار ثنائية الجانب بشكل مستمر خلال ساعات التداول، مع استيفاء الحد الأدنى من رأس المال الصافي.
- تفرض قواعد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية وهيئة تنظيم الصناعة المالية متطلبات رأس المال الصافي والهامش لضمان قدرة المتعاملين على تنفيذ الصفقات.
هل يتحكم الصانع بالأسعار؟
- تؤكد الدراسات التجريبية (بما في ذلك دراسة لبورصة "ستار STAR" الصينية) أن صناع السوق يحسنون كفاءة الأسعار على المدى القصير، من خلال تضييق فروق الأسعار، لكن تأثيرهم على العوائد على المدى الطويل محدود للغاية.
- تشير هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلى أن تحرك الأسعار غالبًا ما يكون عكس مراكز صناع السوق بعد تنفيذ الصفقة، بمعنى أن أرباحهم لا تأتي من توقع الاتجاه، بل من فارق السعرين (مثل البنك الذي يبيع العملة الأجنبية بسعر أعلى بفارق ضئيل للغاية من سعر الشراء).

- قد يتحوط الصانع ضد الأزمات أو ينسحب عند ارتفاع المخاطر، لكن لا يزال اتجاه السعر على المدى الطويل يتأثر بالأساسيات (الأرباح، التدفقات، معنويات السوق) وتوازن العرض والطلب، وليس بتصرفات أي طرف بمفرده.
- علاوة على ذلك، يحرك كبار المستثمرين (صناديق الاستثمار المشتركة، وصناديق التقاعد، وصناديق التحوّط، وشركات التأمين) الأسعار عند تنفيذ أوامر ضخمة، لكن حتى إجراءاتهم لإعادة موازنة محافظهم تؤثر على توجه السوق لأيام أو ربما أسابيع فقط.
- تعمل العديد من شركات التداول عالي التردد فعليًا كصُنّاع سوق، حيث تُوفّر السيولة، وتشير التقديرات إلى أن هذا النوع من التداول يمثل ما بين 40% و50% من عروض الأسعار في السوق الأمريكية.
- تؤثر هذه الشركات على الأسعار من خلال تداولاتها السريعة واستغلالها لفرص المراجحة قصيرة الأجل، ومع ذلك، حتى هذه الشركات لا تتحكم في الأسعار على المدى الطويل، فهي غالبًا ما تحقق أرباحها سريعًا وتستجيب للمعلومات نفسها المتاحة للجميع.
- فيما يتعلق بالسيولة، تُظهر بيانات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن "سيتادل" وحدها استحوذت على حوالي 41% من إجمالي أوامر المستثمرين الأفراد في الولايات المتحدة، مما يعني أن عددًا محدودًا من الشركات يُوفر معظم السيولة للمستثمرين الأفراد.
- لا شك أن هذا يجعل صانع السوق مصدرًا رئيسيًا للسيولة، ولكنه ليس الوحيد، حيث يتنافس متعاملون ومتخصصون آخرون لتوفير السيولة، كما تُدار الصفقات الكبيرة من قبل مؤسسات أخرى (عادة خارج السوق).
ماذا عن الأفراد؟
- تمامًا كما في لعبة الفانتازي، لم يحقق المستثمرون الأفراد تأثيرهم بمجاراة النجوم، بل بالتحرك الجماعي خلف فرص بدت صغيرة لكنها كانت واعدة.
- ازداد دور المتداولين الأفراد أهميةً في السنوات القليلة الأخيرة، فرغم صغر حجم كل طلب تداول فردي، فإن إجمالي حصة المتداولين الأفراد قفزت إلى ما بين 30% و37% عام 2025 من حجم تداولات الأسهم الأمريكية مقارنة بنطاق 15% إلى 20% قبل 5 سنوات.
- الاعتقاد بأن فئة بهذا الحجم قد يتجاهلها السوق، مجحف بعض الشيء، والتجربة خير شاهد، حيث كانت "طفرة أسهم الميم" عام 2021 مثالًا واضحًا على قدرة مجموعة من المستثمرين الأفراد (أو الهواة) على إفشال رهانات كبار المتداولين ضد أسهم شركات مثل "جيم ستوب" و"إيه إم سي" وغيرها.

- باختصار، تؤثر كل مجموعة على الأسعار بشكل مختلف: فالمؤسسات وصناديق التحوط تحرك العوامل الأساسية والاتجاهات طويلة الأجل، وتتفاعل شركات التداول عالي التردد على مستوى أجزاء من الثانية، ويضيف المستثمرون الأفراد زخمًا أو تقلبات في قطاعات محددة.
- نتيجة التفاعل بين هذه الأطراف المختلفة، يتحرك السوق ويحدد مساره وأسعاره، ولا يمكن الجزم بهيمنة فئة بمفردها على حركة الأسهم، بما يوحي بوجود مؤامرة قائمة وباقية.
- في أسواق مثل السوق الصينية، يمثل مستثمرو التجزئة النسبة الأكبر من حجم التداول، لكن سياسة الحكومة والمؤسسات التابعة لها وصناديق التقاعد تلعب أيضًا دورًا مهمًا، في ظل قيود أكبر مثل آليات وقف التداول، وقواعد الحد من التقلبات.
ماذا تقول التجربة؟
- لا يمكن القول إن صناع السوق لا يخطئون أبدًا، لكن لا يمكن الاعتقاد أيضًا بأن الأسواق (بأطرافها من المنظمين إلى المستثمرين) لا تتعلم ولا تفرض شروطها على المشاركين، وما حدث قبل نحو 15 عامًا في وول ستريت خير دليل.
- خلال جلسة تداول هادئة عام 2010، وتحديدًا في السادس من مايو، انقلبت الأمور رأسًا على عقب كما لو أن حربًا اندلعت فجأة: هبط "داو جونز" 10% خلال دقائق، ومحا السوق مئات مليارات الدولارات من القيمة، قبل أن يغلق المؤشر منخفضًا 3% فقط.

- خلال تلك الدقائق، سحب العديد من مُزوّدي السيولة عروض أسعارهم، مما أدى إلى "اختفاء" العروض تقريبًا، ولم يتبقَّ سوى عروض أسعار وهمية (عروض شراء مصطنعة بأسعار بعيدة عن النطاق المعقول)، وقد حظرتها الهيئات التنظيمية لاحقًا.
- لاحظ المتداولون وهيئة الأوراق المالية أن الشركات التي كانت تدّعي عادةً الحفاظ على استقرار الأسواق "توقفت عن العمل" في تلك الدقائق، وردًا على ذلك، فرض المنظمون متطلبات عروض أسعار مستمرة وآليات جديدة لوقف التداول.
- في فانتازي الدوري الإنجليزي، ينتهي الموسم ويُحسب الرصيد، ولا يفوز الجميع بالجائزة الكبرى، لكن القاعدة واضحة: كل اختيار له نقاطه، وكل جهد يُسجَّل في النهاية.
- أسواق المال قد تشبه اللعبة لكن بعدلٍ "أقل مما نحب أن نعتقد"، فالنقاط لا تُحتسب دائمًا بالطريقة نفسها، ولا تُوزَّع بالوتيرة ذاتها، وبعض اللاعبين يدخلون المباراة بأدوات أفضل من غيرهم.
- السوق لا يكافئ الأذكى بالضرورة، ولا يعاقب المخطئ فورًا، لكنه في النهاية يكشف من فهم بنيته ومن اكتفى بمطاردة الأسماء والضجيج، وفي لعبة لا يربح فيها الجميع، يظل السؤال الحقيقي: هل نعرف كيف نقتنص النقاط أصلًا؟
المصادر: أرقام- الجارديان- رويترز- تريدرز مجازين- جمعية التاريخ الخاصة بهيئة البورصات الأمريكية- ورقة تحليلية حول صناع السوق من بورصة نيويورك- بورصة نيويورك- هيئة الأوراق المالية الأمريكية- ماركتس ميديا- دراسة بعنوان "Do market makers matter for price efficiency?"- ورقة بحثية بعنوان " Payment for Order Flow"- بورصة ميمكس- دراسة "Are retail investors liquidity providers?"
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: