عند الحديث عن الاستثمارات الآمنة بعد سن الخمسين، يقع كثيرون في فخ البحث عن «روشتة جاهزة» أو قائمة ثابتة من الأدوات التي يُفترض أنها تناسب الجميع.
لكن الحقيقة أن الاستثمار في هذه المرحلة العمرية لا يخضع لقواعد عامة مطلقة، بل يتأثر بمجموعة واسعة من الاعتبارات، على رأسها المكان، وطبيعة الاقتصاد المحلي، ومستوى تطور الأسواق، وهيكل الضرائب، ودرجة الاستقرار النقدي.
فما يصلح لمستثمر في الولايات المتحدة أو أوروبا، قد لا يكون الخيار الأمثل لمستثمر في سوق ناشئة أو اقتصاد عالي التضخم.

وفي عالم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة، لم يعد الحفاظ على الأموال مرادفًا للاحتفاظ بها في أوعية تقليدية آمنة ظاهريًا.
فالتضخم، حتى عند مستوياته المعتدلة، يعمل ببطء على تقليص القوة الشرائية للنقود، ما يجعل الاكتفاء بالسندات منخفضة العائد أو الودائع البنكية طويلة الأجل خيارًا محافظًا من حيث المخاطر الاسمية، لكنه مكلف من حيث القيمة الحقيقية للأموال على المدى الطويل.
في الوقت نفسه، لا ينبغي النظر إلى هذه المرحلة العمرية باعتبارها بداية الانسحاب من النشاط الاقتصادي، بل على العكس، فهي لدى كثيرين مرحلة إعادة تموضع ذكي.
فالتعلم المستمر، وتطوير المهارات، والبقاء على اتصال بسوق العمل سواء عبر العمل الجزئي أو الاستثمار التجاري أصبح عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستقرار المالي.
ولعل "وارن بافيت"، أحد أشهر المستثمرين في العالم، يلخص تلك الفكرة بدقة حينما قال: "يمكن للمرء أن يستعد للمستقبل الاقتصادي بشكل أفضل من خلال الاستثمار… ليس فقط في الأصول المالية، بل في التعليم والمعرفة".
وهذا يعني أن الاستثمار بعد سن الخمسين لا يقتصر على البحث عن أدوات مالية آمنة، بل يشمل تطوير المهارات، توسيع المعرفة، والبقاء على اطلاع دائم بأسواق المال، بما يعزز القدرة على اتخاذ قرارات استثمارية ذكية تحمي الأصول وتزيد فرص النمو.
فرصة لبداية المغامرة الاستثمارية
لا يمثل سن الخمسين وما بعده بالضرورة نهاية المغامرة الاستثمارية، بل قد يكون توقيتًا مناسبًا لبدء استثمار تجاري مدروس، مستفيدًا من تراكم الخبرة المهنية، وشبكة العلاقات، والفهم الأعمق للأسواق.

وتشمل الأمثلة الواقعية على ذلك الدخول في مشروعات خدمية متخصصة، أو الاستثمار في أنشطة قائمة بالفعل، أو تأسيس شركات صغيرة تعتمد على المعرفة والخبرة بدلًا من رأس المال المكثف.
وبحسب بيانات مؤسسة كاوفمن في الولايات المتحدة، فإن معدل إنشاء الشركات أعلى بين كبار السن مقارنة بالشباب؛ ويمثل الأشخاص في الفئة العمرية من 45 إلى 54 سنة حوالي 0.39% من السكان الذين يؤسسون مشاريع جديدة شهريًا.
مقابل حوالي 0.22% فقط في الفئة (20–34) سنة، وهذا يشير إلى أن من هم في منتصف العمر وما فوق هم أكثر نشاطًا في تأسيس الشركات من جيل الألفية أو جيل زد.
هذه النوعية من الاستثمارات، وإن كانت تحمل مخاطرها، إلا أنها قد توفر عائدًا يتجاوز بكثير ما تقدمه الأدوات التقليدية، إلى جانب دورها في التحوط من التضخم وتعزيز الدخل طويل الأجل.
وتظهر أبحاث واسعة أن المؤسسين في سن الخمسين وما فوق لديهم فرص نجاح أعلى مقارنة بالمؤسسين الأصغر سنًا.
ففي دراسة بحثية شملت ملايين المؤسسين، كانت فرصة النجاح للمؤسس بعمر 50 عامًا أعلى بنحو مرتين مقارنة بمؤسس بعمر 30 عامًا، بينما المؤسس بعمر 60 عامًا كان أكثر نجاحًا من نظرائه الأصغر سنًا.
وهناك بالفعل رجال أعمال بارزين بدأوا حياتهم المهنية بعد تلك السن، وحققوا نجاحات قوية في عالم المال مثل "راي كروك"، الذي توسعت سلسلة ماكدونالدز على يديه بعد الخمسين، و"هارلاند ساندرز" مؤسس كنتاكي، الذي حقق نجاحًا تجاريًا في مرحلة عمرية متأخرة.
كما أن هناك رواد أعمال معاصرون أسسوا شركات استشارية وخدمية اعتمادًا على الخبرة المتراكمة حيث لا يتطلب هذا النوع من الاستثمار رأس مال ضخماً بقدر ما يعتمد على الفهم، والعلاقات، والتخصص، وهو ما يتوفر غالبًا في هذه المرحلة العمرية.
التضخم يتسبب في تآكل قيمة السندات والودائع
تحتل السندات الحكومية والودائع البنكية موقعًا مركزيًا في المحافظ الاستثمارية للمستثمرين بعد الخمسين، نظرًا لما توفره من استقرار وتدفقات نقدية متوقعة.
لكن المشكلة لا تكمن في استخدام هذه الأدوات، بل في الاعتماد المفرط عليها، إذ تتحول هذه الاستثمارات من وسيلة لحفظ المال رقميًا إلى دخل ثابت لا يواكب تكاليف المعيشة.

فعلى سبيل المثال، لو كان لدى مستثمر سند أو وديعة تعطي عائدًا اسميًا 4% سنويًا، وكان معدل التضخم في نفس السنة 5% فإن القيمة الشرائية للأموال انخفضت بنسبة 1٪ بالرغم من زيادة الحساب.
وبلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة في عام 2025 حوالي 4.9% حسب مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
وقد يكون التخلي عن السندات أو الودائع صعبًا على البعض، نظرًا لأنها توفر دخلًا ثابتًا ومنتظمًا، وهو أمر مهم بعد سن الخمسين للحفاظ على الاستقرار المالي.
في هذه الحالة، يمكن التحول تدريجيًا نحو أدوات استثمارية توفر عوائد أعلى وتحمي القوة الشرائية للأموال، مع الحفاظ على عنصر السيولة والأمان النسبي.
ومن أبرز هذه البدائل الاستثمار في أسهم شركات كبرى ذات نماذج أعمال مستقرة وسمعة جيدة يتيح الحصول على دخل دوري من توزيعات الأرباح، مع إمكانية النمو الرأسمالي على المدى الطويل، مما يوفر حماية من التضخم نسبيًا مقارنة بالودائع التقليدية.
التحوط من التضخم يبدأ بامتلاك الأصول
التحوط الحقيقي من التضخم لا يتحقق عبر الهروب الكامل من المخاطر، بل عبر امتلاك أصول قادرة على التكيف مع ارتفاع الأسعار، أي أصول تحتفظ بالقيمة وتنمو مع الزمن.
وتشمل هذه الأصول، صناديق المؤشرات المتنوعة التي توزع المخاطر جغرافيًا وقطاعيًا، والعقارات المدرة للدخل التي ترتفع عوائدها غالبًا مع التضخم، والمشروعات الصغيرة والخدماتية التي تعتمد على الخبرة بدلًا من رأس المال الكبير.
ومن بين هذه الأدوات، يبرز الذهب كأحد أشهر أصول التحوط من التضخم، وقد أثبت ذلك عمليًا في الفترة الأخيرة.
وسجل المعدن الأصفر قفزة غير مسبوقة في 2025 مقارنة بالعقود الماضية، حيث ارتفع سعر أونصة الذهب عالميًا خلال العام بنحو أكثر من 60%، وهو أفضل أداء سنوي منذ عقود، مدعومًا بارتفاع الطلب من المستثمرين والبنوك المركزية.

ورغم هذه المكاسب الكبيرة، فإن الذهب — كأصل للتحوط — لا يوفر دخلًا دوريًا مثل الأسهم الموزعة أو العقارات المدرة للإيجار، بل يحتاج المستثمر عادة إلى البيع في وقت مناسب لتحويل المكاسب إلى سيولة.
كما أن وتيرة ارتفاع أسعار الذهب في عام 2025 كانت استثنائية وقد لا تتكرر سنويًا بنفس القوة، إذ يعتمد ارتفاع الذهب على عوامل عالمية معقدة مثل السياسات النقدية، وأسعار الفائدة، وقوة الدولار الأمريكي، بالإضافة إلى العوامل الجيوسياسية.
التعلم المستمر والعمل المرن
من أكبر الأخطاء الشائعة التعامل مع التقاعد بوصفه قطيعة كاملة مع الإنتاج.
وفي الواقع، تشير الدراسات العالمية إلى أن التعلم مدى الحياة ليس ترفًا، بل ضرورة اقتصادية في عصر تتسارع فيه التحولات التكنولوجية ومتطلبات سوق العمل وتتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار.
هذا النوع من التعليم لا يتوقف عند سن معينة، بل يمتد عبر مراحل الحياة كلها، ويعد ركنًا محوريًا في سياسات التنمية المستدامة لكثير من الدول.
وهناك العديد من المنصات التعليمية والمبادرات الواقعية التي يمكن الاعتماد عليها بعد سن الخمسين لتطوير القدرات المهنية والتحوّل نحو فرص عمل مرنة أو حتى إطلاق مشروعات جديدة.
ومن بينها منصة آي بي إم سكيلز بيلد، وهي منصة تعليمية مجانية تقدمها شركة آي بي إم (IBM)، لتزويد المتعلمين — بمن فيهم البالغون — بمهارات رقمية ومهنية قابلة للتطبيق في سوق العمل، مثل البرمجة، التحليل، المهارات القيادية، والتواصل.
وكذلك منصة كورسيرا (Coursera)، وهي منصة عالمية تضم آلاف الدورات من جامعات وشركات رائدة مثل جامعة ستانفورد، وجوجل، وتتيح الحصول على شهادات مهنية أو حتى درجات علمية عبر الإنترنت.
وسبق للاتحاد الأوروبي، عبر برنامج جروندتفيغ، أن دعم تعليم الكبار وتمكين البالغين من اكتساب مهارات جديدة بغض النظر عن عمرهم أو خلفياتهم التعليمية، وذلك لتعزيز مشاركتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وفي نهاية المطاف، فإن الاستثمار الآمن بعد سن الخمسين لا يعني الهروب من المخاطر، بل إدارتها بوعي.
ويتحقق الأمان المالي الحقيقي عندما تُوظف الأموال في مزيج متوازن من السيولة، والأصول المنتجة، والمعرفة، والعمل.
ومع ارتفاع متوسط الأعمار وتغير طبيعة العمل، لم يعد هذا العمر نهاية المسار المالي، بل قد يكون بدايته الأكثر نضجًا.
المصادر: أرقام- جو بانكينغ ريتس- منصة إيه إنفست- فوربس أدفايزر- سمارت أست- ذا موتلي فول- إنفستوبيديا
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: