"عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالنجاح، لا أحد يعرف أي شيء"، مقولة شهيرة في هوليوود استدعاها "مارك راندولف" وهو يسرد قصة رفض شركة تأجير الأفلام "بلوكباستر" شراء "نتفليكس" – التي شارك في تأسيسها - مقابل 50 مليون دولار فقط عام 2000، خاصة وأن الرفض جاء بطابع ساخر، قبل أن تصبح الشركة الناشئة لاحقًا لاعبًا رئيسيًا في عالم الترفيه.
سرد "راندولف" - الذي ساهم في إدارة "نتفليكس" منذ انطلاقها عام 1997 وحتى عام 2003 – تلك اللحظة الفارقة في كتابه "هذا لن ينجح أبدًا - That will never work" مستعرضًا أدق التفاصيل التي عكست غرور "بلوكباستر" ودفعتها إلى حافة الهاوية.

أزمة نتفليكس
كانت "شركة ناشئة غير مربحة تتحدى هيمنة "بلوكباستر" على سوق تأجير أقراص "دي في دي"، وفي عام 2000 كانت تعاني من أزمة، لأن انهيار فقاعة الدوت كوم أثر سلبًا على مستقبلها الذي كان واعدًا، وبعدما رفض "راندولف" و"ريد هاستينغز" المؤسسان الشريكان فرصة الاستحواذ على شركتهما من قبل "أمازون"، بدا استحواذ "بلوكباستر" الحل الأمثل الذي ينقذها من أزمتها.
سمعة جيدة
في حين كانت "بلوكباستر" في وضع جيد بقيادة مديرها التنفيذي "جون أنتيوكو" الذي انضم إليها قبل عامين عندما كانت الشركة تعاني من تراجع حاد بسبب بعض القرارات التجارية الخاطئة منها محاولة بيع الملابس، وأنقذها من الإفلاس، وقادها أيضًا إلى طرح عام أولي جمع 465 مليون دولار.
محاولات مستمرة
ظل مسؤولو "نتفليكس" يطلبون تحديد موعد لعقد اجتماع مع إدارة "بلوكباستر" على مدار شهور، حتى علموا خلال سبتمبر 2000 أن الإدارة ترغب في الاجتماع بهم في دالاس صباح اليوم التالي، وهو أمر شبه مستحيل لأن مقر الشركة يبعد عنهم لمسافة تقطع في 12 ساعة تقريبًا.
اقتراحات مكلفة
حينها عرض "هاستيغنز" استئجار طائرة في الخامسة صباحًا في اليوم التالي حتى يكون أمامهم متسع من الوقت لتناول فنجان قهوة إسبريسو قبل الاجتماع، ورغم ذلك اعترض "مكارثي" لأن تكلفة المقترح تصل إلى 20 ألف دولار على الأقل، في حين أن الشركة على وشك الإفلاس، لكن الخوف من خسارة الـ 50 مليون دولار، جعلتهم يقبلون المقترح واستأجروا طائرة بالفعل، متجهين إلى الاجتماع بآمال كبيرة.
قوة بلوكباستر وأزمة نتفليكس
في مقر "بلوكباستر" بدا كل شيء معدًا لإبهار الزائرين بقوة الشركة، بدءًا من المباني وحتى حذاء مديرها التنفيذي الذي كان يفوق سعره تكلفة سيارة "راندلوف"، وبدا "أنتيوكو" واثقًا بنفسه، ورغم هذه الضغوط، شرع "هاستينغز" في الحديث ، مشيرًا إلى المجالات التي يمكن الاستفادة فيها من مكانة "نتفليكس" في السوق وخبراتها.

سخرية ومزاح
لكن ذلك لم يثير اهتمام " أنتيوكو " بل قلل من أهمية عصر الإنترنت، وأشار مسؤولو شركته خلال الاجتماع إلى أن نموذج أعمال "نتفليكس" غير مستدام ولن يحقق أرباحًا أبدًا، ورغم ذلك طرح تساؤل عن سعر البيع المحتمل الذي ترغبه "نتفليكس"، وهنا كانت المشكلة.
ثقة مفرطة إلى حد الغرور
بينما كان "راندولف" يراقب " أنتيوكو " عن كثب، أجاب "هاستينغز" 50 مليونًا، حينها كان مدير "بلوكباستر" يكافح لكتم ضحكته، ورفضت الشركة العرض، ولم تحاول حتى استغلال أزمة "نتفليكس" ووضعها المالي الهش وتقديم سعر أقل، وانتهى الاجتماع سريعًا، بعدما سخر مسؤولو "بلوكباستر" بشدة من العرض.
نتيجة مرضية
لكن المناقشات التي أجريت كانت مرضية لقادة "نتفليكس"، وبالطبع كانت أكثر إرضاءً عندما تقدمت "بلوكباستر" بطلب للحماية من الإفلاس عام 2010، وإغلاق آخر متجر تابع لها في 2014، لتقدم درسًا في عالم الأعمال عن كيف يضر الغرور بصاحبه.

أزمة مؤقتة
ورغم أن الرفض دفع "نتفليكس" في عام 2001 للقيام بأولى عمليات تسريح العمالة لخفض التكاليف وتحقيق الاستقرار، لكنها أصبحت في النهاية لاعبًا رئيسيًا في سوق الترفيه تنتج محتواها الخاص، بينما تعد"بلوكباستر" مجرد ذكرى.
خطأ كارثي
بالتأكيد كل من حضر ذلك الاجتماع من "بلوكباستر" يشعر بالحرج الشديد عند تذكره الأمر، لأن مديرها التنفيذي لم يكلف نفسه حينها عناء التفكير في الأمر، بل اعتبر الصفقة مزحة كبيرة بسبب عدم اقتناعه بنموذج العمل عبر الإنترنت، وفي الحقيقة في ذلك الوقت لم يكن أحد يتخيل أن أغلب المنازل في أمريكا على الأقل ستتصل بخدمة الإنترنت عريض النطاق وأن ملايين العائلات ستشترك في "نتفليكس" لمشاهدة أفلامها وبرامجها.
في النهاية، تختصر عبارة "راندولف" التي ذكرها عند سرده للقصة الدرس المستفاد ببساطة: إذا لم تكن مستعدًا لإحداث تغيير جذري في عملك، فسيكون هناك دائمًا من هو مستعد لإحداث هذا التغيير نيابة عنك.
المصادر: أرقام – كتاب "هذا لن ينجح أبدًا –That will never work" – Inc – وول ستريت جورنال - فورتشن.
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: