نبض أرقام
03:40 م
توقيت مكة المكرمة

2026/02/27
2026/02/26

حين يشتري المستثمر عنوانًا لا سهمًا

07:57 ص (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

"الوعاء لا يشي دائمًا بنوع الشراب؛ فالكأس الذهبية قد تحوي سمًّا، والجرة الفخارية قد تحوي عسلًا"حكمة منطقية يهملها كثيرون لحساب أخرى تقول: "يُستدل على الكتاب من عنوانه".

 

وفي سوق الأسهم، كثيرًا ما تؤثر العناوين الصحافية في المتداولين، فتقودهم إلى استنتاجات خاطئة قد تدفعهم إلى اتخاذ قرارات استثمارية تؤثر سلبًا في رؤوس أموالهم.

 

 

المبالغة وتأثيرها

 

ولعل من أبرز الأمثلة على تأثير "تحيز العنوان" ما نشرته إحدى وكالات الأنباء الاقتصادية الشهيرة في بداية شهر فبراير 2024 حول "رالي أسهم التكنولوجيا"، إذ أشار عنوانها إلى وجود "إجماع" بين المستثمرين و"اندفاع" نحو أسهم التكنولوجيا.

 

وتناقلت العديد من المواقع الكبيرة والمعتبرة هذا الخبر، ولا سيما كلمة "إجماع"، بما أسهم في تعزيز هذا التصور. وسجّل مؤشر ناسداك، المليء بعمالقة التكنولوجيا، خلال فبراير 2024 قفزة لافتة بلغت نحو 6.1%، وهو ارتفاع يعكس اندفاعًا قويًا نحو أصول المخاطرة.

 

وقد لعبت العناوين الإخبارية دورًا محوريًا في تغذية هذا الاندفاع، إذ صاغت التغطيات المشهد بأسلوب تضخيمي يركز على تجاوز المؤشر مستويات تاريخية غابت منذ عام 2021، مما ولّد لدى المستثمر الفرد انطباعًا بأن السوق دخل مسار "نمو مستمر" في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي، مع تجاهل التحذيرات المتعلقة بالمبالغة في التقييمات.

 

وكانت المبالغة في العناوين المرتبطة بشركة "إنفيديا" لافتة للغاية؛ إذ أشارت بعض العناوين إلى صعودها المستمر بعبارات أدبية مثل "الصعود الذي لا يتوقف" أو "الصعود الانفجاري"، بما أسهم في تغذية المنحنى الصاعد للشركة. حتى إن قيمتها السوقية ارتفعت بنحو 270 مليار دولار في جلسة واحدة.

 

مجرد تغريدة

 

وتأكد تأثير "تحيز العنوان" في صعود "ناسداك"، فعلى الرغم من أن المؤشر ارتفع بأكثر من 6%، فإن التغطيات الإعلامية تجاهلت حقيقة أن هذا الصعود كان يتركز في عدد محدود جدًا من الشركات الكبرى.

 

وقد دفع هذا التحيز في العرض شريحة واسعة من المتداولين الأفراد إلى حالة من "الهوس الشرائي"، إذ سيطر عليهم خوف فوات الفرصة (فومو)، مع تدفق عناوين تتحدث عن "أعظم المكاسب اليومية في تاريخ السوق".

 

وغالبًا ما يتحول عنوان عن "مستوى قياسي للسوق" أو لسهم بعينه إلى محفز للشراء لمن هم خارج السوق للحاق بالموجة الصاعدة، وأحيانًا إلى محفز للبيع لمن يملكون الأسهم (أو حتى الذهب). غير أن التأثير يكون في العادة أكبر على من هم خارج السوق، ولا سيما مع استخدام تعبيرات أدبية مبالغ فيها لا تكتفي بسرد الحقائق.

 

 

ومن الأمثلة الصارخة على هذا التحيز ما حدث مع شركة "سيجنال أدفاينس" عام 2021، حين تسببت تغريدة مقتضبة من إيلون ماسك حملت عبارة "استخدموا سيجنال" في ارتفاع سهم شركة طبية مغمورة بنسبة تجاوزت 11000%.

 

لم يكن هناك متن يُقرأ، بل عنوان فحسب أسيء فهمه، فاندفع المستثمرون نحو السهم لمجرد تشابه الاسم مع تطبيق المراسلة على الهواتف المحمولة، الذي كان ماسك يروّج لاستخدامه نكايةً في "ميتا". وارتفعت القيمة السوقية للشركة من 55 مليون دولار إلى 3 مليارات دولار خلال أيام قليلة.

 

ثم ما لبثت قيمة الشركة أن تراجعت سريعًا، لتفقد معظم مكاسبها خلال بضعة أشهر، بعد أن أدرك السوق أن التغريدة لم تكن موجهة إلى هذه الشركة إطلاقًا.

 

أسهم "أبل" الرخيصة و"نيكي" المرتفع

 

يبرز مثال آخر يتعلق بتجزئة الأسهم، كما حدث مع شركة "أبل" تحت عنوان: "سهم أبل متاح الآن بسعر أرخص". فقد اندفع صغار المتداولين إلى الشراء، رغم أن التجزئة إجراء محاسبي لا يغير من القيمة الفعلية للشركة، إلا أن تحيز العنوان خلق انطباعًا زائفًا بـ"الرخص"، ما أدى إلى قفزات سعرية لحظية ناتجة عن التسرع في الاكتفاء بالعنوان.

 

وفي أحيان أخرى، تكون العناوين دقيقة لكنها قد تقود، في غياب التفاصيل، إلى استنتاجات خاطئة. ومن ذلك اختراق مؤشر "نيكي" الياباني مستوى 38 ألف نقطة في منتصف فبراير 2024، حيث تصدّر هذا العنوان التغطيات المالية.

 

ورغم صحة الخبر، فإن التفاصيل كانت تشير إلى أن الارتفاع جاء نتيجة تحسن الين الياباني، إلى جانب أخبار استثنائية لبعض الشركات الكبرى، أي أنه نتج عن عوامل ظرفية إلى حد بعيد.

 

وبسبب هذا العنوان، ظهرت موجة شراء قصيرة الأجل رفعت المؤشر إلى ما فوق 40 ألف نقطة في مارس 2024، أي خلال نحو شهر، قبل أن يتراجع دون مستوى 38 ألف نقطة في الشهر التالي، بما يعكس الطابع القصير الأجل لتلك الموجة.

 

 

دراسة حول أثر العناوين

 

أجرت جامعة "نورث إيسترن" الأمريكية دراسة حللت ما يقرب من 1.86 مليون عنوان إخباري، لفحص طبيعة المشاعر التي تحملها هذه العناوين ومدى قدرتها على التنبؤ باتجاهات الأسعار.

 

وكشفت الدراسة أن نسبة ضئيلة فقط من العناوين تحمل "شحنة عاطفية" كافية لإحداث تأثير فوري وملموس في قرارات المستثمرين، بينما تمتلك عناوين كثيرة تأثيرًا واضحًا في الاتجاهات، لكنه ليس تأثيرًا جذريًا أو عنيفًا.

 

وأشارت الدراسة إلى أن الأسواق المالية تميل بطبيعتها إلى الصعود، فيما يُعرف بـ"التحيز الهيكلي نحو الصعود"، إذ تميل في المديين المتوسط والطويل إلى الارتفاع حتى في ظل وجود أخبار سلبية عابرة.

 

ولذلك يكون تأثير العناوين السلبية في الأداء العام أقل حدة من نظيره الإيجابي؛ فكثيرًا ما يكفي خبر إيجابي واحد لإحداث تحركات كبيرة في السوق، بينما لا يحدث الأمر ذاته مع الأخبار السلبية إلا عند تتابع عدد كبير منها.

 

وتزداد حدة تأثير الأخبار السلبية في ظل سوق هابطة، أو كما أشارت الدراسة: "مع زيادة المؤشرات الحمراء"، حيث ترتفع نسبة التفاعل مع العناوين السلبية بنحو 80% في السوق المتراجعة مقارنة بالسوق الطبيعية أو الصاعدة.

 

المستثمر المحترف ونظيره الهاوي

 

قارنت الدراسة بين المستثمرين المحترفين وغير المحترفين، فتبين أن المحترفين يميلون إلى الاعتماد على مؤشرات استباقية، مثل توقع مبيعات الشركة قبل إعلانها، فضلًا عن مؤشرات أعمق، كمؤشر "التقلب" الذي يقيس مستوى الخوف أو الطمأنينة في السوق.

 

وأظهرت الدراسة أن هذا المؤشر وحده يفسر ما بين 45% و50% من حركة السوق، وأن مؤشرات أخرى تسهم بنسب مؤثرة، فيما تبقى "العناوين" بعيدة نسبيًا عن التأثير في المستثمرين المحترفين أو المؤسسات الكبرى.

 

 

في المقابل، يعاني قرابة 60% من صغار المتداولين من "تحيز العنوان". فعند عرض عنوان استنتاجي مثل: "تراجع مبيعات الشركة (إكس)" عليهم، رغم أن متن الخبر يوضح أن التراجع كان ظرفيًا وأن الاتجاه العام للمبيعات صاعد، فإن الغالبية تميل إلى تجاهل التفاصيل والانحياز للعنوان.

 

ويتسق ذلك مع الإحصاءات التي تشير إلى أن 80% من القراء يكتفون بقراءة العناوين فقط، وأن 20% فحسب يقرأون المتن في المواقع الإخبارية.

 

أما في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتجاور العنوان والنص في المساحة ذاتها، فتظل النسبة مرتفعة؛ إذ تصل إلى 63%، بل إن 47% من المستخدمين يشاركون محتوى دون قراءته كاملًا، مكتفين بالعنوان.

 

وبشكل عام، يزداد تأثير "تحيز العنوان" خلال عطلات نهاية الأسبوع، حين تنخفض السيولة، ويتفاعل المستثمرون الأفراد مع الأخبار خارج أوقات التداول الرسمية، مما يسهم في تكوين فجوات سعرية عند افتتاح السوق نتيجة تراكم هذا التحيز خلال العطلة.

 

والخلاصة أن "تحيز العنوان" يُبعد كثيرًا من المستثمرين عن التفاصيل، وهي العنصر الأهم في سوق الأسهم؛ ففي التفاصيل يكمن الشيطان — كما يقول المثل — ومنها أيضًا تنبثق الفرص الاستثمارية.

 

المصادر: أرقام- Journal of Risk and Financial Management- بلومبرج- فاينانشيال تايمز- ياهو نيوز- بيهيفيريال ايكونوميكس

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.