تخيل أن العالم يدير متجراً ضخماً، مبيعاته السنوية تنمو ببطء، لكن قيمة بضائعه تتضخم بجنون.
في هذا المتجر، يملك زبون واحد من كل مئة ما يكفي لشراء المتجر بأكمله، بينما يتقاسم النصف الآخر من الزبائن الفتات.
هذا هو واقع "الميزانية العمومية العالمية"، في وقت بات فيه النمو يعتمد على "أرباح دفترية" وديون متراكمة أكثر من اعتماده على مصانع جديدة أو ابتكارات حقيقية.

هل فقد العالم توازنه المالي الحقيقي؟
بلغت الثروة العالمية رقماً قياسياً قدره 600 تريليون دولار في عام 2025، لكن هذا النمو السريع فاق نمو الناتج المحلي الإجمالي بكثير نتيجة تضخم أسعار الأصول لا المدخرات الحقيقية.
وصل الدين العالمي إلى مستويات قياسية تبلغ 2.6 ضعف الناتج المحلي الإجمالي، حيث يولد العالم 1.9 دولار من الديون الجديدة مقابل كل دولار مستثمر.
ما هو حجم "الثروة الدفترية" في الأسواق؟
كشفت البيانات أن 36% من مكاسب ثروات الأسر العالمية بين عامي 2000 و2024 (نحو 146 تريليون دولار) هي مجرد "ثروة دفترية" منفصلة تماماً عن الاقتصاد الحقيقي.
استحوذ الاستثمار المحلي الصافي على أقل من 30% فقط من نمو هذه الثروات، بينما ساهم التضخم التراكمي بنحو 40% من إجمالي الزيادة في الثروات، وهي زيادة شكلية اقتصر دورها على الحفاظ على قيمة تلك الأصول.
كيف تتوزع خريطة الثراء بين النخبة وبقية المجتمع؟
تستحوذ شريحة الـ 1% الأغنى في كبرى الاقتصادات على ما لا يقل عن 20% من إجمالي الثروات الوطنية، مما يعمق الفجوة الطبقية ويضعف الطلب الاستهلاكي الواسع.
تختلف تركيبة الثروات جغرافياً؛ فالأمريكيون يحتفظون بأكثر من ثلث ثرواتهم في الأسهم، والأوروبيون يفضلون العقارات، بينما يعتمد الصينيون بشكل أكبر على العملات والودائع.

كم تبلغ ثروة النخبة في الولايات المتحدة؟
يتصدر "الواحد في المئة" في أمريكا المشهد العالمي بمتوسط ثروة تبلغ 16.4 مليون دولار للفرد، متفوقين بفارق هائل على أقرانهم في الاقتصادات الكبرى الأخرى.
تسيطر هذه الفئة المحدودة على 35% من إجمالي الثروة الوطنية، بينما لا يملك نصف الشعب الأمريكي سوى 9000 دولار للفرد في المتوسط.
|
توزيع الثروة العالمية لعام 2024 (حسب القوة الشرائية) |
||||
|
# |
الدولة |
نصيب الفرد في أعلى 1% (مليون دولار) |
نصيب الفرد في أدنى 50 % (ألف دولار) |
حصة الـ 1% من الثروة الوطنية |
|
1 |
الولايات المتحدة |
16.4 |
9 |
35 % |
|
2 |
أستراليا |
10.6 |
36 |
24 % |
|
3 |
كندا |
9.1 |
30 |
24 % |
|
4 |
ألمانيا |
9.1 |
23 |
28 % |
|
5 |
فرنسا |
8.5 |
31 |
27 % |
|
6 |
إيطاليا |
7.2 |
17 |
22 % |
|
7 |
كوريا الجنوبية |
7.2 |
10 |
26 % |
|
8 |
اليابان |
6.9 |
22 |
25 % |
|
9 |
المملكة المتحدة |
5 |
22 |
21 % |
|
10 |
الصين |
3.2 |
13 |
30 % |
|
11 |
المكسيك |
2.7 |
3 |
37 % |
لماذا تُعد المكسيك "بؤرة" عدم المساواة عالمياً؟
سجلت المكسيك أعلى تركز للثروة في هذه الفئة، حيث يسيطر الـ 1% على 37% من الثروة الوطنية، رغم أن نصيب الفرد الأكثر ثراء فيها هو الأقل بين الدول (2.7 مليون دولار).
يعكس هذا التباين ضعف الطبقة الوسطى، حيث يهبط نصيب الفرد في النصف الأدنى من السكان إلى 3000 دولار فقط، وهو أدنى مستوى في القائمة.

|
أربعة مسارات ترسم مستقبل الاقتصاد الحقيقي |
||||
|
|
تسارع الإنتاجية |
التضخم المستدام |
العودة للحقبة الماضية (الركود المزمن) |
إعادة ضبط الميزانية (العودة للتوازن عبر صدمة) |
|
المحاكاة التاريخية |
الولايات المتحدة أواخر التسعينيات (طفرة تقنية المعلومات) |
الولايات المتحدة السبعينيات (ما بعد صدمة النفط) |
أمريكا وأوروبا بين الأزمة المالية وكورونا |
اليابان في التسعينيات (بعد فقاعة العقارات) |
|
ماذا سيحدث للميزانية؟ |
تنكمش الميزانية مقابل الناتج المحلي بفضل "النمو الحقيقي" والإنتاجية. |
تنكمش الميزانية مقابل الناتج المحلي بفضل "النمو الاسمي" وتآكل قيمة الدين. |
تعود الميزانية للتضخم؛ نمو الأصول والديون يتجاوز نمو الاقتصاد. |
تصحيح حاد في أسعار الأصول وتقليص قسري للديون |
|
تأثيره على الثروة |
نمو في الثروة الحقيقية وانخفاض مخاطر الميزانية العمومية. |
مكاسب اسمية ولكن خسارة في الثروة الحقيقية وقيمتها الشرائية. |
نمو دفتري للثروة مدفوع بارتفاع أسعار الأصول وزيادة الديون. |
خسارة مطلقة في الثروة نتيجة الانهيار الحاد في أسعار الأصول. |
|
تأثيره على النمو |
نمو حقيقي سريع يتجاوز معدلات ما قبل الجائحة في أمريكا وأوروبا. |
طلب مرتفع يحرك النمو الاسمي، لكن نمو الإنتاجية يظل باهتاً. |
نمو متباطئ (حوالي 1 % في أمريكا وأوروبا، و2% في الصين). |
انكماش حاد يمهد لركود طويل الأجل، فيما يعرف اقتصادياً بـ "العقد الضائع". |
|
تأثيره على التضخم والفائدة |
تضخم معتدل يقترب من المستهدفات، وفائدة أعلى مما قبل الجائحة. |
تضخم يتجاوز المستهدفات، ومعدلات فائدة مرتفعة باستمرار. |
تضخم دون المستهدف، وفائدة حقيقية أقل من 1% (أو سالبة). |
طفرة في الفائدة بسبب التضخم، ثم انهيار لمستويات تقارب الصفر. |
نهاية المطاف
إن العالم اليوم يقف على مفترق طرق مالي؛ فإما إنتاجية تقودها التكنولوجيا لسد الفجوة بين الورق والواقع، أو تضخم مستمر يلتهم المدخرات.
ويتطلب التوازن المنشود "وصفة إنتاجية" قاسية للوصول لميزانية عالمية مستقرة بحلول عام 2030، فعلى أوروبا أن تستثمر بكثافة، وعلى الصين أن تستهلك أكثر، وعلى الولايات المتحدة أن ترفع معدلات الادخار.
وتقدر هذه التعديلات المطلوبة بما يتراوح بين 3% و7% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة لضمان عدم انفجار فقاعة الأصول الحالية.
أما النمو الذي رأيناه في العقدين الأخيرين، فإن ثلثه على الأقل "وهمي"، وهو ما يضع النظام المالي العالمي أمام تساؤل حقيقي: هل تتحول هذه الأرقام إلى قيمة حقيقية، أم تتبخر عند أول تصحيح عنيف للأسواق؟
المصدر: ماكينزي جلوبال إنستتيوت
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: