بينما كان "صامويل بانكمان-فرايد" يجلس على كرسي - "بين باج" - في مكتبه غارقًا في تفاصيل لعبة "ليج أوف ليجيندز"، لم يكن مجرد شاب طموح تخرج من معهد "ماساتشوستس التكنولوجي" فحسب، بل كان في الخفاء ينسج خيوطاً معقدة لواحدة من أكبر عمليات الاحتيال في تاريخ صناعة العملات المشفرة.
ومن خلال تأسيس صندوق تحوط خاص متخصص في العملات المشفرة "ألاميدا ريسيرش"، ومنصة التداول "إف تي إكس"، التي روج لها باعتبارها منصة آمنة ومسؤولة، مشيدًا بأنظمة إدارة المخاطر الآلية والمتطورة التي تتبعها لحماية أصول العملاء، استطاع خداع العالم، ودبر عملية احتيال على مدار سنوات.

|
كيف استطاع هذا الشاب خداع العالم؟ |
|
|
الاتهامات |
التوضيح |
|
التعرض لأصول مبالغ في تقييمها وغير سائلة |
يعود انهيار "إف تي إكس" – التي نقلت مقرها من هونج كونج إلى جزر البهاما في 2021 – جزئيًا إلى علاقتها بـ "ألاميدا ريسيرش".
بدأت المخاوف تتصاعد عندما نشرت "كوين ديسك" تقريرًا - في نوفمبر2022- أشار إلى أن جزءاً كبيراً من أصول "ألاميدا" كانت متركزة في العملة الافتراضية "إف تي تي" التي ابتكرتها "إف تي إكس"، وتستخدم للحصول على خصومات في رسوم التداول.
ونظرًا لأن هذه العملة لا يمكن تحويلها إلى كاش بسهولة، أثار التقرير شكوكًا واسعة حول الاحتياطات الرأسمالية لدى كل من "ألاميدا" و"إف تي إكس".
في خضم هذه الشكوك، أعلن "تشانغبينج تشاو" المدير التنفيذي لمنصة الكريبتو المنافسة "بينانس" عزمه بيع كامل حيازة شركته من الـ "إف تي تي" بما يعادل 580 مليون دولار.
|
|
إخفاء الحقيقة |
وخلال يومين فقطـ، هبط سعر العملة حوالي 80%، وسحب العملاء أكثر من 6 مليارات دولار من الودائع خلال 72 ساعة، وبينما حاول "بانكمان-فرايد" طمأنة العملاء بأن الأصول في أمان، ولا يتم استثمارها، كان يحاول البحث عن تمويل طارئ لتغطية عجز بلغ 8 مليارات دولار.
في خطوة أثارت موجة بيعية واسعة النطاق، ما شكل ضغطًا هائلاً على المنصة لذا قررت إيقاف كافة سحوبات العملاء في الثامن من نوفمبر، وتوصلت إلى اتفاق لبيع أعمالها إلى "بينانس".
لكن في غضون 24 ساعة، تراجع "تشاو" عن الصفقة موضحًا أن مشاكل "إف تي إكس" أكبر من قدرة شركته على المعالجة، وتوالت الضربات، بعدما جمدت هيئة تنظيمية مالية في جزر البهاما أصول "إف تي إكس"، إثر اكتشاف سوء إدارة أموال عملاء البورصة.
|
|
ائتمان بلا حدود |
كشفت التحقيقات أن "بانكمان –فرايد" أخفى المعاملة الخاصة التي منحت لشركة "ألاميدا" تضمنت خط ائتمان غير محدود تقريبًا ممولاً من عملاء المنصة، وإعفائها من بعض تدابير إدارة المخاطر.
|
|
استخدام أموال العملاء |
وخلال محاكمة "بانكمان-فرايد"، أفاد خبير محاسبة بأن 11.3 مليار دولار من أموال العملاء كان من المفترض أن تودع لدى "ألاميدا" إلا أنه لم يتم العثور سوى على 2.3 مليار دولار فحسب، بينما وجه المبلغ المتبقي نحو استثمارات، وتبرعات سياسية ومؤسسات خيرية، وعقارات، دون توافر سجلات تقريبًا لتلك المعاملات.
حتى أن "وول ستريت جورنال" ذكرت في تقرير لها أن "إف تي إكس" أقرضت ودائع عملائها لشركة "ألاميدا" لمساعدتها على سداد التزاماتها، وأن كبار المسؤولين التنفيذيين كانوا على علم بذلك.
|
بداية النهاية
استقال "بانكمان-فرايد" – البالغ من العمر حاليًا 33 عامًا - من منصب المدير التنفيذي وخلفه "جون جيه.راي الثالث" للإشراف على إفلاس بقيمة 23 مليار دولار، والذي صرح لاحقًا بأن "إف تي إكس" كانت أكبر فوضى شهدها في حياته المهنية، من حيث الانعدام التام للضوابط الداخلية وغياب المعلومات المالية الموثوقة.

عملية مدروسة
واكتشف أن المنصة كانت تعمل بدون مجلس إدارة مستقل، وتفتقر إلى أبسط آليات الضوابط الداخلية، ولم يكن لديها حتى مدير مالي مدرج ضمن فريق إدارتها، وعندما أدلى "راي" بشهادته أمام الكونجرس أكد أن ما حدث لم يكن سوى اختلاس تقليدي، تمثل في الاستيلاء على أموال العملاء واستخدامها لأغراض شخصية.
الخطوات الأخيرة في مسيرته
يقضي "بانكمان-فرايد" حاليًا عقوبة السجن لمدة 25 عامًا بتهم تتعلق بسوء الإدارة واختلاس أموال من "إف تي إكس"، إذ حولها من شركة تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار في يناير 2022 إلى حافة الإفلاس، ليمثل انهيارها أكبر عملية احتيال في تاريخ الصناعة، وأسفر عن ركود طويل الأمد في القطاع.

مليارات مفقودة
خلص قاضي المحكمة الجزئية الأمريكية "لويس كابلان" إلى أن خسائر عملاء المنصة بلغت 8 مليارات دولار، كما تكبد مستثمرو أسهمها خسارة 1.7 مليار دولار، وفقد مقرضو "ألاميدا" 1.3 مليار دولار، كما وجهت 8 تهم جنائية إلى "بانكمان-فرايد" في الولايات المتحدة، وهبط صافي ثروته إلى 100 ألف دولار تقريبًا وقت اعتقاله، من ذروتها البالغة 26.5 مليار دولار.
لم يكن سقوط "إف تي إكس" مجرد حادث عابر في سوق العملات المشفرة – الذي يتسم بالتقلبات – بل نتيجة عملية خداع مدروسة، أو كما وصفه "جاري غينسلر" رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية آنذاك بأن "بانكمان-فرايد" بنى صرحًا هشًا على أساس الخداع، موهمًا المستثمرين بأنه أحد أكثر الكيانات أمانًا في عالم العملات المشفرة.
المصادر: أرقام – هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية – كلية "سلون" للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - مورنينج ستار – فورتشن – إيه بي سي نيوز – رويترز - وول ستريت جورنال
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: