في عالم العلامات التجارية الكبرى، تركز الشركات على المنافسين باعتبارهم الخطر الرئيسي لكن الخطر الحقيقي يكمن في القرارات التي تُتخذ داخل غرف الاجتماعات، وهو ما حدث في سوق المشروبات الغازية في الثمانينيات، عندما وجدت "كوكاكولا" نفسها أمام معادلة مقلقة.
مع تآكل حصتها السوقية ببطء، وتغير أذواق المستهلكين وتوجه كبار السن نحو المشروبات الصحية، والمنافسة الشرسة مع "بيبسي" التي أطلقت حملات تسويقية جذابة عززها بريق نجوم مثل "مايكل جاكسون"، بدا وكأنّ مشروب "كوكاكولا" ذا الشعبية الهائلة أصبح فجأة بحاجة إلى إعادة تعريف.

محاولات إنقاذ تقليدية
رغم زيادة الإنفاق على الإعلانات وإطلاق حملة تسويقية قوية وتحسين شبكات التوزيع وتقديم أسعار تنافسية إلا أن "كوكاكولا" واصلت خسارة العملاء، وبدأ مسؤولو الشركة في التساؤل عن السبب وما إذا كانت المشكلة تكمن في المنتج نفسه، إلى أن أشارت اختبارات التذوق إلى تغير تفضيلات المستهلكين، مما دفع الشركة لإعادة النظر في تركيبتها المعتمدة منذ فترة طويلة.
ولادة "نيو كوك"
وسط هذه الضغوط، اتخذت قرارًا يمكن اعتباره أكبر مخاطرة في تاريخ السلع الاستهلاكية: تغيير تركيبتها السرية التي صمدت قرابة قرن، لتناسب أذواق العصر الحديث، وتم اعتماد تركيبة مُفضلة في اختبارات تذوق أجريت على ما يقرب من 200 ألف مستهلك، وفي الثالث والعشرين من أبريل عام 1985 - وهو اليوم الذي يُخلد في تاريخ التسويق – أطلقت "نيو كوك".
الخطأ التسويقي الأكبر
رغم أنها فكرت في البداية في بيع كل من مشروبها الأساسي والتركيبة الجديدة معًا، إلا أنها تراجعت عن ذلك بسبب مخاوف تتعلق بالتعبئة ومساحات التخزين المحدودة في المتاجر، لذا قررت اختيار منتج واحد وهو "نيو كوك"، مع إعادة تصميم العبوة بألوان فضية وحمراء لتسليط الضوء على التغيير، مع حملة ترويجية.

دافع خفي
اكتشفت الكاتبة "كونستانس إل.هايز" لاحقًا أن الدافع الحقيقي وراء هذا التغيير هو أن التركيبة الجديدة ستوفر للشركة حوالي 50 مليون دولار سنويًا، لأنها قللت من استخدام بعض المكونات الأكثر تكلفة، أي أنها تخلت عن جوهر نجاحها.
ردود فعل المستهلكين
أثار هذا القرار استياءً استثنائيًا إذ تلقت الشركة حينها أكثر من 400 ألف مكالمة ورسالة وشكوى من المستهلكين، وسخر كتاب الأعمدة والكوميديون من القرار، ووصفوه بـ "الخطأ التسويقي الأكبر في القرن"، وحتى والد المدير التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة آنذاك "روبرتو غويزويتا" لم يكن من مؤيديه.
تباين في الحقائق
ورغم شكاوى العملاء إلا أن المبيعات والاستطلاعات أظهرت صورة مختلفة وبحلول يونيو جرب 150 مليون شخص "نيو كوك"، لكن الأمور تغيرت عندما اختفت النسخة القديمة من المشروب تمامًا من الأسواق، حينها كانت تتلقى الشركة عبر الخط الساخن 1500 مكالمة يوميًا.
نتائج ظاهرة
بدأت المبيعات في التباطؤ وتزايدت التغطية الإعلامية لردود الفعل السلبية، وصُدم مسؤولو الشركة من مدى تأثر العملاء بغياب التركيبة الأصلية، وبدأ المستهلكون – المطالبون بالعودة إلى الطعم الأصلي - يُحملون أي موظف في الشركة المسؤولية الشخصية عن هذا التغيير بدءاً من حراس الأمن في المقر الرئيسي.

التريث والمراقبة
رغم أن العلامة التجارية قررت التريث ومراقبة أداء المبيعات، إلا أن الأمور لم تجر كما هو مخطط لها وكانت النتائج مخيبة للآمال، وفي هذه الأثناء استغلت منافستها الموقف ونشرت إعلانات تدعي خلالها أن "كوكاكولا" غيرت تركيبتها لأن الناس تفضل مشروب "بيبسي".
تجربة لم تدم طويلاً
وبعد بضعة أشهر وتحديدًا في الحادي عشر من يوليو 1985، رضخت الشركة للضغوط وأطلقت "كوكاكولا كلاسيك" بتركيبتها الأصلية، في خبر أعلن على نشرات الأخبار والصحف الكبرى، ولاقى ترحيبا واسعًا من المستهلكين، لكنها واصلت تقديم "نيو كوك" بأشكال مختلفة إلى أن تم إيقاف إنتاجها نهائيًا عام 2002.
الاعتراف بالخطأ
وأوضح مسؤولو الشركة القرار موضحين إنهم استهانوا بشغف المستهلكين وولائهم للعلامة التجارية واعتذروا عن هذا الخطأ، وعلق رئيس "كوكاكولا" قائلاً: هذا يعني ببساطة أن المستهلك هو صاحب القرار.
في النهاية، عندما تلجأ العلامات التجارية الرائدة إلى مخاطرات تمس منتجاتها الرائجة، فقد تحقق مكاسب كبيرة، ولكنها قد تتحول أيضًا إلى سبب تراجعها أو تعثرها، ليظل خطأ "كوكاكولا" يُدرس في كليات إدارة الأعمال.
المصادر: أرقام – موقع "كوكاكولا" – ذا براندينج جورنال – بيزنس إنسايدر
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: