تبدأ الحكاية عام 1973 من كوخ متواضع، حيث صاغ "شيغينوبو ناغاموري" فلسفة تجارية حولت مشروعه الصغير إلى إحدى أكبر الشركات المصنعة للمحركات الدقيقة في العالم وهي "نيدك-Nidec" الموردة لصناعة السيارات والتي تنتج أيضًا معدات التبريد المستخدمة في مراكز البيانات.
في قصة نجاح سعى "ناغاموري" – البالغ من العمر 81 عامًا – إلى ترويجها من خلال تأليف كتب عن قصة نجاحه في التحول من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش، وعن فلسفته التجارية، لكن خلف ستار النجاح الباهر، اتبع الملياردير الياباني أسلوبًا قياديًا صارمًا أسهم لاحقًا في دفع شركته إلى فضيحة محاسبية.

بداية انكشاف الأزمة
منذ يونيو 2025، تعاني "نيدك" من أزمة حادة عندما كشفت عن مشاكل محاسبية شملت وحدات تابعة لها في إيطاليا وسويسرا والصين، بالإضافة إلى أعمالها في مجال محولات الطاقة في السيارات، ما أجبرها على تأجيل نشر نتائجها المالية، بعدما كشفت تحقيقات داخلية سابقة عن وثائق تشير إلى احتمال قيام الشركة اليابانية بخفض قيمة أصول عالية المخاطر في أوقات محددة.
تحقيق خارجي
شكلت لجنة مستقلة خارجية للتحقيق في ممارسات محاسبية في إحدى الوحدات التابعة لها في الصين، تتعلق بمدفوعات بقيمة 10 ملايين يوان (1.4 مليون دولار) لمورد لم يُكشف عن هويته، لكن في التقرير السنوي للعام المالي المنتهي في مارس 2025، لم تبد شركة التدقيق المحاسبي "برايس ووتر هاوس كوبرز" رأيًا في القضية، لعدم تمكنها من الحصول على أدلة كافية ومناسبة، بل أشارت إلى الممارسات محل التساؤل.
الشطب وهبوط السهم
وبعدما اتضح ضعف الضوابط الداخلية، مع استمرار التحقيق في الفضيحة المحاسبية تم شطب الشركة – التي يمتد تاريخها عبر أكثر من 50 عامًا - من مؤشري "توبكس" و"نيكي" في نوفمبر الماضي، وتراجع سعر سهمها بشكل حاد، وأعلنت بورصة طوكيو أنها قد تشطب "نيدك" نهائيًا إذا لم تظهر تحسنًا في إدارتها الداخلية.
خسائر متصاعدة
كشف محققون مستقلون عن ألف حالة على الأقل من المخالفات، وأظهر تقرير صادر مؤخرًا سلسلة من المشكلات المحاسبية في جميع مواقع ومستويات "نيدك" تقريبًا، وعلى الرغم من أن "ناغاموري" لم يصدر تعليمات أو توجيهات بشأن تلك الممارسات فإنه كان على علم بحالات منها، لذا أجلت إعلان نتائج أعمالها كما خُفض تصنيفها الائتماني.

فاتورة الفضيحة المحاسبية
ومؤخرًا، حذرت الشركة التي يقع مقرها في كيوتو من تسجيل خسائر بقيمة 250 مليار ين (1.6 مليار دولار) نتيجة انخفاض قيمة أصولها مع بدء حصر تكلفة الفضيحة، كما أشارت إلى احتمال وجود تهم إضافية قد تؤثر على نتائجها المالية السابقة، لكنها لم تحدد جدولاً زمنيًا لإصدار تقاريرها المالية المعدلة بعد.
الإدارة تنسحب
وبعد تحقيق استمر على مدار أشهر، تقاعد "ناغاموري" عن منصبه كرئيس فخري – مع بقائه أكبر مساهم فردي في الشركة - وألقى باللوم في الأزمة على تركيزه المفرط على الأداء، كما أعلن كل من "هيروشي كوبي" رئيس مجلس الإدارة و"أكينوبو سامورا" المدير المالي، و"يوشيهيسا كيتاو" نائب الرئيس استقالاتهم، لكن الاستقالات لن تعفيهم من المسؤولية.
التضحية بالرواتب
لم يكتف "ميتسويا كيشيدا" المدير التنفيذي بتقديم اعتذار بانحناءة عميقة، بل سيتخلى عن راتبه الأساسي حتى يقدم خطة لإصلاح حوكمة الشركة، وسيتولى مهمة إدارة تداعيات الفضيحة وإصلاح ثقافة الضغط المفرط لتحقيق الأهداف، كما سيتنازل مسؤولون تنفيذيون آخرون عن جزء من رواتبهم الأساسية.

بيئة ضاغطة
في "نيدك" عدم تحقيق أهداف الأرباح غير الواقعية يتحول إلى انتقادات، كما أن تسجيل هامش ربح تشغيلي دون مستوى 10% يعتبر خسارة، مما يشكل بيئة ضاغطة بدءًا من "ناغاموري"– الذي أسس الشركة من الصفر"- بأسلوبه القيادي الصارم والذي يعد عاملاً رئيسيًا وراء الفضيحة، من خلال توفير بيئة عمل ضاغطة تعطي الأولوية للربح على المدى القصير.
حين يتحول الضغط إلى تلاعب محاسبي
وهو ما دفع الموظفين إلى اتباع ممارسات محاسبية مخالفة شملت تضخيم قيمة المواد الخام والمخزونات، والإفصاح غير الصحيح عن القيم الجمركية، وعرض المنح الحكومية كإيرادات في البيانات المالية، واحتساب تكاليف العمالة كأصول ثابتة لتأجيل تسجيل النفقات، ومع تزايد الضغوط المالية، حاولت الوحدات تغطية الخسائر بتسجيل إيرادات أعلى.
تتعلق تلك المشكلة بثقافة مؤسسية تُعلي من شأن تحقيق الأهداف الطموحة على حساب الشفافية في الممارسات المحاسبية، مما يثير مخاوف جدية بشأن الحوكمة، لتعطي درسًا مفاده أن الضغط المفرط لتحقيق المستحيل قد يولد نموًا سريعًا، لكنه في النهاية قد يؤدي إلى انفجار الهيكل من الداخل.
المصادر: أرقام – بلومبرج – موقع "جابان – فورورد" – فوربس – رويترز – وول ستريت جورنال
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: