نبض أرقام
10:22 م
توقيت مكة المكرمة

2026/04/09

كورونا مقابل هرمز .. أي الصدمتين أشد فتكاً بالاقتصاد العالمي؟

05:47 م (بتوقيت مكة) أرقام - خاص

في لحظة بدت فيها الأسواق وكأنها التقطت أنفاسها بعد سنوات من الاضطراب، جاء إغلاق مضيق هرمز كاختبار جديد لقوة الاقتصاد العالمي. ليست صدمة مفاجئة كجائحة، بل هي اختناق تدريجي في شريان الطاقة، حيث تتحرك الأسعار أسرع من البيانات، وتبدو الحكومات أقل قدرة على الاستجابة.

 

وجد العالم نفسه يقف أمام مرآة الذاكرة؛ فالمشاهد القادمة من مضيق هرمز تعيد إلى الأذهان صدمة "الإغلاق الكبير" إبان جائحة كورونا، لكن الفارق هذه المرة أن العطل ليس في "الطلب" بل في "الشرايين".

 

بين دوي الانفجارات في المنشآت الإيرانية وصمت ناقلات النفط العالقة، يترقب المستثمرون ورجل الشارع العادي مآلات أزمة بدأت قبل ستة أسابيع، ولا يبدو أنها ستنتهي بـ"إعلان نصر" سياسي، بل بتبعات اقتصادية ستغير ملامح الميزانيات الحكومية لسنوات قادمة.

 

 

ما الحجم الحقيقي لصدمة "حرب إيران" مقارنة بالجائحة؟

 

تُقدر الصدمة الحالية بنحو نصف حجم التداعيات التي خلفتها جائحة "كوفيد-19"؛ وهي صدمة هيكلية في "العرض" تتطلب تراجعاً في الاستهلاك العالمي بنسبة 10% لموازنة السوق، مقارنة بانخفاض قسري للطلب بلغ 20% عام 2020.

 

رغم أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تعطل عبور 20 مليون برميل يوميًا، فإن حجم العجز تقلص فعليًا ليتراوح بين 10 ملايين و15 مليون برميل بفضل المسارات البديلة وسحوبات الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو ما يعادل نحو نصف إلى ثلثي حجم الصدمة التي شهدتها الأسواق خلال إغلاقات 2020.

 

لماذا تسبق أسعار الوقود "الخام" في حرق جيوب المستهلكين؟

 

لا يستهلك الأفراد النفط الخام مباشرة، بل يعتمدون على مشتقاته؛ لذا فإن التركيز على سعر البرميل وحده يعد تضليلاً، حيث قفزت أسعار الديزل في أوروبا لتقترب من 150 دولاراً للبرميل المعادل، متجاوزة بمراحل وتيرة صعود الخام.

 

تضاعفت هوامش ربح المصافي إلى 56% من 23% نتيجة المخاوف من نقص الديزل ووقود الطائرات وتراجع كفاءة التكرير نتيجة اضطرار المصافي للتعامل مع درجات خام غير التي صُممت من أجلها.

 

لماذا تتطلب موازنة السوق قفزةً في الأسعار بنسبة 100%؟

 

تشير التقديرات إلى أنه لكي يتوازن العرض مع الطلب في ظل العجز الحالي، يجب أن ينخفض الاستهلاك العالمي بنحو 10 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل 10% من إجمالي الاستهلاك.

 

ولتحقيق هذا التراجع في الاستهلاك، يتعين على الأسعار أن تقفز بنسبة تقترب من 100%؛ ويرجع ذلك إلى "مرونة الطلب السعرية" المنخفضة للنفط والتي تُقدر بـ 0.1، ما يعني أن المستهلكين لا يغيرون عاداتهم الشرائية بسهولة إلا عند حدوث ارتفاعات حادة ومضاعفة في الأسعار.

 

 

هل تكرر الأسواق خطأ 2022؟

 

يواجه المستهلكون ضريبة قاسية لتبعات الصراع، حيث تتوقع التقديرات انكماش الناتج المحلي البريطاني بنسبة 0.7%، بينما تبدو أوروبا الأكثر تضررًا بتوقعات تضخم أكثر استدامة وقسوة مما هي عليه في الولايات المتحدة.

 

وفي حين تراهن الأسواق على نهاية سريعة للأعمال العدائية، يحذر الاقتصاديون من تكرار خطأ عام 2022 حين استهانت الأسواق بالضغوط التضخمية الناتجة عن غزو أوكرانيا؛ فالخطر الحقيقي حالياً يتركز في "التضخم الجامح" أكثر من "الركود"، خاصة مع استمرار صمود ثقة المستهلكين في أمريكا واليابان حتى الآن.

 

هل تنهي "هدنة الأسبوعين" كابوس الركود التضخمي في أوروبا؟

 

تشير سيناريوهات المفوضية الأوروبية إلى أن النمو قد يتباطأ بمقدار 0.4 إلى 0.6 نقطة مئوية، بينما قد يقفز التضخم بنسبة تصل إلى 1.5% إضافية إذا استمرت أسعار الطاقة فوق مستويات ما قبل الحرب، وهو ما يضع الاقتصادات الكبرى مثل إيطاليا وإسبانيا في مواجهة مباشرة مع معايير العجز الصارمة للاتحاد الأوروبي.

 

أوصدت المفوضية الأوروبية الباب أمام محاولات روما الرامية لاستنساخ استجابة حقبة كورونا المالية؛ حيث رأت بروكسل أن زيادة الإنفاق العام غير مبررة في ظل غياب ركود حاد، وحذرت من أن أي توسع مالي غير محسوب قد يحول أزمة الطاقة إلى "أزمة مالية سيادية"، مؤكدة على محدودية هامش المناورة المالي للدول الأوروبية مقارنة بالماضي.

 

 

هل الحكومات قادرة على التدخل كما في السابق؟

 

يواجه العالم الأزمة بديون قياسية بلغت 348 تريليون دولار، ما يحرم الحكومات من "الذخيرة المالية" اللازمة لدعم الأسعار أو تقديم محفزات.

 

ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل نتيجة مخاوف المستثمرين من اتساع العجز المالي للدول، مما يجعل تكلفة الاقتراض عبئًا إضافيًا على النمو، وكأن الأسواق تعاقب الحكومات.

 

لماذا تقع مصر والبرازيل وإندونيسيا في دائرة الخطر المباشر؟

 

تفتقر هذه الدول إلى "الذخيرة المالية" اللازمة لدعم أسعار الوقود أو حماية المستهلكين، بسبب وصول العجز والديون السيادية إلى مستويات حرجة تجعل الأسواق الدولية ترفض تمويل أي إنفاق إضافي.

 

تعاني بنوكها المركزية من أزمة "مصداقية" بعد فشلها المتكرر في تحقيق مستهدفات التضخم، مما يجعل صدمة مضيق هرمز وقوداً جديداً لدوامة غلاء تخرج تماماً عن نطاق السيطرة النقدية.

 

كيف نجحت السويد وتايوان وفيتنام في تحصين اقتصاداتها ضد الأزمة؟

 

تتمتع هذه الأسواق بمساحة مالية مريحة تمكنها من امتصاص الصدمات السعرية، فالسويد مثلاً تحافظ على عجز موازنة دون 2%، ما يمنحها القدرة على المناورة دون المخاطرة باستقرارها المالي.

 

يوفر انضباط السياسات النقدية في تايوان وفيتنام "وسادة أمان" تسمح بامتصاص الارتفاع المؤقت في تكاليف الطاقة، دون أن يترجم ذلك بالضرورة إلى تضخم هيكلي طويل الأجل كما هي الحال في الدول الهشة.

 

 

لماذا تتعدد المسارات النقدية والصدمة واحدة؟

 

يعكس التباين النقدي المحتمل "خارطة الألم" الجغرافية؛ حيث تميل المملكة المتحدة ومنطقة اليورو للتشديد لكونها الأكثر تضررًا من تداعيات تعطل إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف المكررات، ما يعني ضرورة تقييد الطلب لكبح جماح التضخم المستورد.

 

في المقابل، يظهر الاحتياطي الفيدرالي أقل اندفاعاً للتحرك، مستفيداً من حالة "الاكتفاء الذاتي" النسبي للطاقة في الولايات المتحدة، وهو ما يمنح صانع السياسة النقدية في واشنطن رفاهية "التريث" لمراقبة مآلات الحرب.

 

نهاية المطاف

 

لم يعد الأمر مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل هو تحول لزلزال اقتصادي يُقاس بمقياس "كوفيد-19"، حيث يجد صناع القرار أنفسهم أمام خيارات مريرة بين كبح التضخم الجامح أو السقوط في هاوية الركود، في ظل ديون عالمية بلغت مستويات غير مسبوقة.

 

إن أزمة "حرب إيران" الراهنة ليست مجرد تكرار لصدمات النفط التقليدية، بل هي اختبار قاس لنظام مالي عالمي منهك بالفعل، ويكمن الفارق الجوهري اليوم في "نفاد الذخيرة"؛ فالبنوك المركزية التي استنزفت أدواتها خلال الجائحة، والحكومات الغارقة في الديون، تجد نفسها بلا حائط صد حقيقي.

 

كل يوم يمر والمضيق مغلق، يبتعد فيه شبح "الصدمة العابرة" ليحل محله واقع اقتصادي مرير: عصر الطاقة الرخيصة والتدخلات الحكومية السخية قد ولى، تاركاً الأسواق والمستهلكين في مواجهة مباشرة مع رياح الركود التضخمي العاتية.

 

المصادر: أرقام – فاينانشال تايمز - وكالة الطاقة الدولية - مركز ستيمسون

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.