في عام 1929، وبينما كان العالم يحتفي بمرور نصف قرن على انطلاق عصر التنوير الكهربائي، جلس الرجل الذي أضاء ليل البشرية، "توماس إديسون"، ليتحدث ليس عما أنجزه، بل عما ستشهده الأرض بعد رحيله.
بابتسامة طفل تعلو وجهه الذي خطت فيه سنوات العمل الشاق تجاعيد الحكمة، وعينين زرقاوين تبرقان بتركيز شاب، أعلن "إديسون" لمراسل مجلة "فوربس" أن عصر الكهرباء، رغم كل ما أنجزه، لا يزال "رضيعاً يصرخ" في مهده، وأن ما حققته البشرية وقتها ليس سوى ملامسة بسيطة لشاطئ محيط الاكتشافات العظيم.
لم تكن تلك الكلمات مجرد أحلام رجل مسن، بل كانت "بيان عمل" لمستقبل الطاقة المستدامة، حيث تنبأ بسطوة الشمس، وصعود القطارات الكهربائية، وحتمية استغلال طاقة الأرض الجوفية، في وقت كان فيه الفحم هو الملك والنفط هو الرهان الصاعد.

ما توقعات إديسون في مجال الطاقة؟
أوضح "إديسون" أن الاعتماد على الفحم والنفط يمثل سحباً من "رصيد بنكي" قديم للطاقة الشمسية المخزنة في النباتات والكائنات الحية.
وتنبأ بأن المستقبل سيشهد استخلاص الطاقة الكهربائية مباشرة من الشمس على نطاق واسع، واصفاً الموارد الطبيعية الحالية بأنها "أمطار ذهبية" لا تزال البشرية عاجزة عن جمعها.
كما أكد "إديسون" نجاحه مخبرياً في إنتاج كهرباء من الفحم دون حرق، لكنه واجه عقبات كيميائية، بل وقد تسببت تجاربه في هذا المجال في تحطم نوافذ مختبره نتيجة الضغط والتفاعلات القوية.
ماذا قال عن استغلال قوى المد والجزر والحرارة الجوفية؟
التوصيف الاقتصادي لصناعة الكهرباء بأنها "رضيع يصرخ" يعكس نظرة استشرافية بأن الاستثمارات الرأسمالية والبنية التحتية الكهربائية في العشرينيات لم تكن سوى حجر الأساس لما سيصبح لاحقاً العمود الفقري للاقتصاد العالمي الحديث.
اعتبر "إديسون" أن مشاريع المد والجزر والحرارة البركانية هي البداية الحقيقية لمصادر طاقة جديدة، حيث إن العالم مليء بأشكال من الطاقة لم تُكتشف بعد وهي بانتظار العقول المبتكرة لتسخيرها.

ما مصير النقل في عصر الكهرباء؟
توقع تحويل معظم خطوط السكك الحديدية للعمل بالكهرباء لزيادة الكفاءة التشغيلية، لأن النقل الكهربائي هو الحل الأمثل لخفض تكاليف الشحن.
شكك "إديسون" في الطيران الكهربائي ما لم تُكتشف وسيلة آمنة لنقل الطاقة لاسلكياً.
نضوب النفط سيجعل العالم يعتمد على الفحم المسحوق أو الكحول كوقود بديل للمحركات.
ما فلسفة إديسون في الربط بين الاختراع والمال؟
يرى أن المخترع الفرد سيظل المصدر الرئيسي للقفزات العلمية التي تعجز عنها البيروقراطية المؤسسية، مشيرًا إلى أن "الرجل الاستثنائي" داخل مختبرات الشركات هو المحرك الوحيد لنجاح الأبحاث الجماعية.
قال "إديسون": "لقد اخترعت دائماً لجني المال الذي يضمن استمرار عملية الاختراع"، فالابتكار الحقيقي في نظره هو الذي يحقق مبيعات تثبت فائدته وجدواه للمجتمع.

كيف قُدرت القيمة المالية لإرث إديسون الصناعي مقارنة بالاقتصاد الكلي؟
بلغت القيمة السوقية للمشاريع التي أسسها أو ساهم في تطويرها "إديسون" نحو خمسة أضعاف إجمالي النقد المتداول في الولايات المتحدة لعام 1927، وهو رقم يعكس هيمنة تقنياته على السوق.
مساهمات "إديسون" في قطاعات الكهرباء، والتصنيع، والاتصالات، والتكنولوجيا المتقدمة، لا تزال مسؤولة عن نحو 13% من قيمة الناتج الإجمالي العالمي.
وأشارت التقارير إلى أن إرث "إديسون" المهني لم يتوقف عند إضاءة المصابيح، بل امتد ليشكل ركيزة أساسية لخلق الوظائف حول العالم، حيث يرى الخبراء أن إنجازاته التاريخية كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر في توفير وظيفة واحدة من بين كل أربع وظائف موجودة على كوكب الأرض اليوم.
نهاية المطاف
رحل "إديسون" تاركاً خلفه تساؤلاً لا يزال يتردد في أروقة مراكز الأبحاث الاقتصادية: هل وصلنا حقاً إلى مرحلة النضج، أم أننا لا نزال، كما وصفنا، مجرد أطفال نلهو على شاطئ العلم، بانتظار "أمطار ذهبية" جديدة لم نتقن جمعها بعد؟
المصادر: فوربس – توماس إديسون
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: