في عام توقع فيه الجميع هيمنة الذكاء الاصطناعي والتداول الخوارزمي فائق السرعة، جاءت المفاجأة من الحي المالي في لندن، حيث لم تكن الغلبة للنماذج الكمية المعقدة في عام 2025، بل لـ "المدرسة القديمة" التي تعتمد على الحدس والانتقاء الجريء.
وبينما كانت جيوش المحللين في "وول ستريت" تراهن على الخوارزميات، كان السير "كريس هون" يجلس في مكتبه بلندن، يقلب بهدوء صفحات الميزانيات العمومية لشركات محركات الطائرات وخطوط السكك الحديدية.
ودون ضجيج التكنولوجيا، نجح المستثمر البريطاني في تحقيق ما عجزت عنه أعتى المؤسسات المالية الأمريكية، مسجلاً أكبر ربح سنوي في تاريخ صناديق التحوط، ليثبت للعالم أن "العقل البشري" لا يزال سيد اللعبة المالية الأول.

عام قياسي
- وفقاً للتقرير السنوي لمؤسسة "إدموند دي روتشيلد"، حطم صندوق "تي سي آي" الرقم القياسي العالمي بتحقيقه أرباحاً صافية بلغت 18.9 مليار دولار في 2025، وبنسبة عائد بلغت 27%، لتقفز ثروة "هون" الشخصية إلى 11.8 مليار دولار، معيداً صياغة مفاهيم النجاح في "لندن" بعيداً عن صخب نيويورك.
محفظة مركزة
- خلافًا للصناديق التي تشتت استثماراتها، اعتمد "هون" سياسة التركيز الشديد، حيث تتوزع محفظته الأمريكية البالغة 52.7 مليار دولار على تسعة أسهم فقط، وكان "الحصان الرابح" هو شركة "جي إي إيروسبيس"، التي شكلت أكبر حيازة للصندوق بقيمة 14.2 مليار دولار، وقفز سهمها بنسبة 85%، كما ضمت المحفظة شركات مثل "مايكروسوفت"، "فيزا"، ووكالتي التصنيف "موديز" و"إس آند بي جلوبال".
تحليق أوروبي
- لم يكتفِ الصندوق بالساحة الأمريكية، بل طالت مخالبه قطاع الطيران والدفاع الأوروبي، محققاً مكاسب تجاوزت 40% في شركتي "إيرباص" و"سافران"، وهو ما يثبت أن "هون" لا يلاحق الاتجاهات السائدة، بل يبحث عن السيادة الاحتكارية والمزايا التنافسية التي لا تقهر، وتجلى ذلك بوضوح في استثماراته بقطاع السكك الحديدية عبر "السكك الحديدية الكندية الباسيفيكية"، ومشغلي البنية التحتية مثل شركة "فيروفيال" الإسبانية.

مكاسب للجميع
- لم يكن "هون" الرابح الوحيد في هذا المضمار، فقد كشفت البيانات أن أفضل 20 مديرًا لصناديق التحوط في العالم حققوا مجتمعين أرباحًا بقيمة 115.8 مليار دولار في 2025، ليعززوا مكاسبهم منذ التأسيس إلى 970 مليار دولار، وقد شهد القطاع تدفقات نقدية بلغت 71 مليار دولار، لترتفع الأصول المدارة عالميًا إلى مستوى يلامس 5 تريليونات دولار.
نادي العمالقة
- تاريخيًا، يحكم "سيتادل" قبضته على قمة الهرم المالي بصفته الأكثر ربحية منذ التأسيس بأرباح تراكمية تجاوزت حاجز الـ 90 مليار دولار، ومع ذلك، تشهد المراكز التالية صراعًا محتدمًا، حيث يضيق الفارق بين "دي إي شو" و"بريدج ووتر" عند مستوى 80 مليار دولار تقريبًا، واللافت هو الصعود الصاروخي لصندوق "تي سي آي" للمركز الخامس تاريخيًا بأرباح تقارب 68 مليار دولار، متجاوزًا أسماء عريقة مثل "إليوت" و"سوروس".
تراجع نسبي
- على الرغم من تربع "كين جريفين" وصندوقه "سيتادل" بمكانة مرموقة، فإن أداء عام 2025 كان ضعيفًا بمعاييره الخاصة مقارنة بسنوات سابقة، حيث حقق الصندوق أرباحًا بقيمة 7.4 مليار دولار، وهو رقم يقل عن أرقامه القياسية في 2022، واكتفى بعائد 10.2%، متأخرًا عن مؤشر "إس آند بي 500"، ما يشير إلى تباين الأداء بين استراتيجيات التحوط المعقدة وبين الاستثمار المباشر في الأسهم خلال الأسواق الصاعدة.
حجم الأصول
- بمعيار الوزن المالي وحجم الأصول المدارة، يتربع "ميلينيوم" على العرش بأصول تتجاوز 85 مليار دولار، يليه "إليوت"، ومن المثير للاهتمام أن "تي سي آي" يحتل موقعًا متقدمًا للغاية في هذا التصنيف بأصول تبلغ حوالي 77 مليار دولار، متفوقًا بذلك في حجم السيولة المدارة حاليًا على المتصدر التاريخي للأرباح "سيتادل"، الذي يدير أصولًا تبلغ حوالي 65 مليار دولار.
|
أفضل 20 صندوق تحوط على مر التاريخ |
||||
|
الترتيب التاريخي |
اسم الصندوق |
مدير الصندوق |
أرباح عام 2025 (مليار دولار) |
الأرباح التراكمية منذ التأسيس (مليار دولار) |
|
1 |
"سيتادل" |
كين جريفين |
7.4 |
90.4 |
|
2 |
"دي إي شو" |
طاقم إدارة |
12.7 |
79.9 |
|
3 |
"بريدج ووتر" |
راي داليو / آخرون |
15.6 |
79.1 |
|
4 |
"ميلينيوم" |
إسرائيل إنجلاندر |
7.9 |
73.4 |
|
5 |
"تي سي آي" |
كريس هون |
18.9 |
68.4 |
|
6 |
"إليوت" |
بول سينجر |
5.7 |
59.5 |
|
7 |
"فايكنج" |
أندرياس هالفورسن |
4.1 |
48.6 |
|
8 |
"فارالون" |
طاقم إدارة |
4.8 |
45.8 |
|
9 |
"لون باين" |
ستيف ماندل |
4.3 |
44.9 |
|
10 |
"سوروس" |
جورج سوروس |
--* |
43.9 |
|
11 |
"بوينت 72" |
ستيف كوهين |
5.3 |
43.3 |
|
12 |
"باوبوست" |
سيث كلارمان |
2.8 |
41.9 |
|
13 |
"أبالوزا" |
ديفيد تيبر |
4.1 |
41 |
|
14 |
"سكالبتور" |
جيمي ليفين |
2.0 |
37.5 |
|
15 |
"مارشال ويس" |
بول مارشال/ إيان ويس |
5.9 |
35.4 |
|
16 |
"إيجرتون" |
جون أرميتاج |
3.8 |
30.9 |
|
17 |
"بريفان هوارد" |
آلان هوارد |
0.1 |
30.6 |
|
18 |
"ديفيدسون كمبنر" |
طاقم إدارة |
4.4 |
28.9 |
|
19 |
"بيرشينج سكوير" |
بيل أكمان |
3.1 |
23.3 |
|
20 |
"كاكستون" |
أندرو لي |
2.9 |
23.1 |
*أرباح صندوق "سوروس" توقفت في هذا التصنيف عند مستويات عام 2011 بعد تحويله إلى مكتب عائلي
عودة الماكرو
- لم يقتصر عام الحصاد على الأسهم فقط؛ فقد استعاد صندوق "بريدج ووتر" هيبته محققاً 15.6 مليار دولار كأرباح، بعائد مذهل لصندوقه الرئيسي "بيور ألفا" بلغ 34%، ويرسل هذا النجاح إشارة قوية للأسواق بأن المؤسسات الكبرى قادرة على الاستمرار والنمو بفضل الأنظمة الإدارية الصارمة، حتى بعد ترجل العباقرة المؤسسين - "راي داليو"- عن صهوة الإدارة المباشرة.

جيش العلماء
- خلف كواليس المنافس الأشرس "سيتادل"، لا تدار الأمور بالمصرفيين التقليديين فحسب، بل بـ "جيش" من علماء الأرصاد الجوية والفيزياء، حيث وظف الصندوق فريقًا من 20 من العلماء مدعومين بحواسيب خارقة تفوقت تنبؤاتها المناخية على مكاتب الأرصاد الحكومية، ويمنحهم هذا التفوق العلمي قدرة استثنائية على التنبؤ بالطلب على الطاقة بناءً على تقلبات الطقس، وهي ميزة تنافسية لا يمتلكها معظم مديري الأسهم التقليديين، ما يفسر هيمنتهم التاريخية طويلة الأجل.
سخاء خيري
- تلازمًا مع النجاح المالي الطاغي، أظهر التقرير السنوي للصندوق التزامًا عميقًا بالمسؤولية الاجتماعية، فقد تبرع الصندوق بمبلغ 797 مليون دولار للأعمال الخيرية، خُصص الجزء الأكبر منها (637 مليون دولار) لـ "مؤسسة صندوق استثمار الأطفال"، التي تحمل اسم الصندوق وتدعم قضايا المناخ وصحة الأطفال، تعكس الوجه الآخر لشخصية "هون" الذي يوازن بين الشراسة في اقتناص الأرباح والسخاء في العمل الإنساني.
المصادر: أرقام - فوربس – فاينانشال تايمز
كن أول من يعلق على الخبر
تحليل التعليقات: