نبض أرقام
01:15 م
توقيت مكة المكرمة

2026/01/30
2026/01/29

الذكاء الاصطناعي .. الاستثمار في البشر أولًا

09:59 ص (بتوقيت مكة) أرقام

كان الوعد الأول لثورة الذكاء الاصطناعي (AI) بسيطاً ومباشراً: المزيد من الوقت.

 

وإلى حدٍّ كبير، يتحقق هذا الوعد اليوم. فوفقاً لبيانات حديثة من المنتدى الاقتصادي العالمي، تعمل 82% من المؤسسات حالياً على إعادة ابتكار نفسها باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.

 

وعلى المستوى الفردي، يبدو الحماس واضحاً؛ إذ تُظهر أبحاث جديدة أعدّتها شركة «ووركداي» أن 85% من الموظفين يوفرون ما بين ساعة وسبع ساعات أسبوعياً بفضل هذه الأدوات.

 

لقد أحرزنا تقدماً ملموساً في رفع الكفاءة. لكن الأفق التالي هو التحول المؤسسي الحقيقي.

 

 

مفارقة الكفاءة والإرهاق

 

مع بداية عام 2026، بدأت مفارقة واضحة في الظهور: المهام الفردية تُنجز بسرعة أكبر، لكن نتائج المؤسسات لا تتحسن بالوتيرة نفسها.

 

وبدلاً من أن يتحرر الموظفون للقيام بعمل أكثر معنى، يُهدر قدر غير متوقع من الوقت في إعادة العمل، والمراجعة المستمرة، والإجهاد الوظيفي.

 

لا يمكن أن يكون معيار النجاح هو عدد الساعات التي تم توفيرها فقط، بل القيمة التي تم خلقها.

 

تكشف أبحاث «ووركداي» عن استنزاف خفي في الإنتاجية: مقابل كل 10 ساعات من الكفاءة المكتسبة، يقضي الموظفون نحو أربع ساعات في تصحيح أو تحسين مخرجات الذكاء الاصطناعي. هذه ليست إخفاقاً للتقنية، بل إشارة واضحة إلى الخلل القائم.

 

نحن نستثمر بكثافة في الأدوات، لكننا لا نستثمر بالقدر الكافي في البشر.

 

جهاز جري

 

نُدرّب الموظفين على «استخدام الأداة»، لكننا لا نمكّنهم بما يكفي من القدرات الإنسانية الفريدة التي يجب أن تعلو فوقها: الحُكم الرشيد، والإبداع، والمسؤولية. والنتيجة، كما يصفها كثير من العاملين، هي «جهاز جري» جديد: إنتاج أعلى، لكن جودة أقل في المخرجات.

 

ومع انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في دافوس، سويسرا، تحت شعار «روح الحوار»، يصبح من الضروري توسيع دائرة النقاش. لم يعد الأمر يقتصر على تفاعل البشر مع الآلات، بل يتعلق بإعادة التفكير في العقد الاجتماعي للعمل في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي.

 

فجوة مستمرة

 

في لقاءاتي مع مديري الموارد البشرية (CHROs) والرؤساء التنفيذيين (CEOs)، يكاد الإجماع يكون كاملاً: الجميع يستثمر بقوة في الذكاء الاصطناعي والتدريب. لكن البيانات تكشف فجوة مستمرة بين نوايا القيادات وواقع الموظفين.

 

ترى القيادات أن تمكين الذكاء الاصطناعي قوي ومتكامل، بينما يقول الموظفون الأكثر استخداماً له إنهم لا يشعرون باستثمار حقيقي فيهم. يعرفون كيف يكتبون الأوامر (Prompts)، لكنهم أقل وضوحاً بشأن متى يثقون بالمخرجات، ومتى يجب تحدّيها، وأين تبدأ وتنتهي مسؤوليتهم المهنية.

 

لقد تحركنا بسرعة نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى مثل الصياغة والتلخيص. أما المرحلة المقبلة فهي الذكاء الاصطناعي للسياق: أنظمة تفهم الأفراد، والمهارات، والسياسات التنظيمية، والمخاطر بعمق، لتصبح بمثابة مفوض موثوق.

 

ومع ذلك، حتى أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي غنًى بالسياق تحتاج إلى شريك بشري واعٍ. وهنا تكمن ضرورة إعادة الاستثمار في الإنسان.

 

موازنة الثقافة التقنية بالحُكم الإنساني

 

لم يعد سؤال القادة اليوم: "هل يجب أن نستثمر في الذكاء الاصطناعي؟"

 

بل أصبح: "هل نستثمر في البشر بالتوازي مع الأدوات؟"

 

 

ومن خلال الأبحاث والحوار مع قيادات الموارد البشرية والتنفيذيين حول العالم، تبرز ثلاث أولويات أساسية:

 

أولاً: إعادة تصميم الوظائف لقوى عاملة معزَّزة بالذكاء الاصطناعي

 

لم تُصمم الوظائف الحالية لعصر الذكاء الاصطناعي. فلا تزال توصيفات الوظائف تركز على المخرجات اليدوية أكثر من الحكم الاستراتيجي. يجب اعتبار إعادة تصميم الأدوار جزءاً جوهرياً من التحول، عبر التمييز بين المهام القابلة للتكرار وتلك التي تبقى إنسانية بطبيعتها.

 

ثانياً: بناء الجاهزية الإنسانية لا مجرد الثقافة التقنية

 

نحتاج إلى تركيز متعمد على مهارات مثل التفكير النقدي والتمييز الواعي. يجب أن يعرف الموظفون متى يثقون بالمخرجات، وكيف يوازنون بين التوصيات التقنية والخبرة العملية. وتستخدم المؤسسات الرائدة التعلم القائم على المهارات وأسواق المواهب الداخلية لربط الأفراد بهذا التطوير.

 

السؤال ليس: "من يعرف الذكاء الاصطناعي؟"

 

بل: "من يطوّر حكماً إنسانياً قوياً في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي؟"

 

ثالثاً: تغيير النظام المحيط بالعمل نفسه

 

يمكن للذكاء الاصطناعي تحرير الوقت، لكن المؤسسات وحدها هي من تقرر كيف يُستخدم هذا الوقت. ويتطلب ذلك إعادة صياغة معايير الأداء، وموازنة الحوافز، وتحديد توقعات جديدة، بحيث تصبح الصفات الإنسانية مثل الحكم الرشيد، والوضوح، وبناء الثقة نتائج أساسية لا مجرد إضافات تجميلية.

 

تفويض 2026

 

إن الاحتكاك والإرهاق اللذين نشهدهما اليوم هما إشارات إلى أن استثماراتنا غير مكتملة. لقد ضخخنا رأس المال في الأدوات، وحان الوقت للارتقاء بتحول الذكاء الاصطناعي عبر الاستثمار في البشر.

 

لا يمكن أن يكون معيار النجاح هو عدد الساعات التي تم توفيرها، بل القيمة التي تم خلقها.

 

ومع اجتماع القادة في دافوس، يجب أن ننتقل من سؤال: "ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل؟" إلى سؤال أعمق: "ما نريد للإنسان أن يكون في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي؟ وهل نستثمر في ذلك بما يكفي؟"

 

تلك هي الجبهة الحقيقية لهذه الثورة، وهي في جوهرها قضية إنسانية قبل أن تكون تقنية.

 

المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

التعليقات {{getCommentCount()}}

كن أول من يعلق على الخبر

loader Train
عذرا : لقد انتهت الفتره المسموح بها للتعليق على هذا الخبر
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بوابة أرقام المالية. وستلغى التعليقات التي تتضمن اساءة لأشخاص أو تجريح لشعب أو دولة. ونذكر الزوار بأن هذا موقع اقتصادي ولا يقبل التعليقات السياسية أو الدينية.