رئيس جمعيّة المصرفيين العرب في بريطانيا: الإمارات أدارت الأزمة المالية بحكمة عالية
تُمثل المصارف العربيّة في بريطانيا قوة اقتصاديّة هائلة، وبالرغم من عدم وجود أرقام حول حجم موجودات هذه البنوك والتي يرجح أغلب الخبراء بأنها ضخمة جداً، إلا أنها وبطبيعة الحال تكفي لإقامة العديد من المشروعات، خاصة في المناطق العربيّة الأكثر فقراً، فهل أدت المصارف العربيّة دورها الفعلي في النهوض بالعمليّة الاستثماريّة؟
وكيف تمكنت الإمارات من إدارة تداعيّات الأزمة المالية العالميّة بمهارة ومهنيّة عالية، بالرغم من أن حجم الأزمة كان هائلاً لكن التجربة الإماراتيّة الجيّدة تعتبر أفضل مثال على كيفيّة تجاوزها؟
لكن أيضاً بات من الواضح أن هناك أفكار قيد الدراسة تقودها جمعيّة المصرفيين العرب في بريطانيا لإقامة معرض في أبوظبي حول البنوك العربيّة العاملة في بريطانيا.
كذلك تم تداول أسئلة حول دور البنوك العربيّة في توفير ما يكفي من النقد الأجنبي لسد حاجة بعض الشعوب العربيّة؟، وما السبب وراء عزوف العديد من المستثمرين العرب في ضخ استثماراتهم في مشاريع تنمويّة في المنطقة العربيّة في الوقت الذي يواصلون فيه تحويل استثماراتهم للبنوك الأجنبيّة؟. هذه الأسئلة وغيرها توجهت بها مجلة "المال"، للسيد جوج كنعان، رئيس جمعيّة المصرفيين العرب في بريطانيا، الذي أثار الحديث بداية حول ظروف نشأة جمعيّة المصرفيين العرب، قائلاً: "أنشئت الجمعيّة عام 1975، بجهود عدد من المصرفيين العرب القادمين من بيروت بعد اندلاع الحرب الأهليّة، حيث التقت هذه المجموعة في بريطانيا آنذاك وقررت إنشاء الجمعيّة بسبب إدراكهم العميق لمدى أهميّة التحدُّث بلغة اقتصاديّة واحدة". ويضيف كنعان: "كانت الجمعيّة تهدف إلى تعظيم العلاقة مع المصرفيين البريطانيين، وبناء جسور بين الأسواق المالية العالميّة؛ وبشكل خاص بين العرب والبريطانيين، حيث أن لندن كانت وماتزال نقطة الانطلاق للأسواق المالية العالميّة". ويؤكد كنعان: "أن حاجة المصرفيين العرب للتحدُّث من خلال مظلة عربيّة موحدة، دفعنا لإشهار الجمعيّة بشكل رسمي عام 1980، ما أتاح الفرصة أمام أعضائها للتعرُّف عن كثب على المستوى المتطوّر في الإدارة المالية وبالتالي تنمية النواحي المهاريّة والمهنيّة، ونأمل في المرحلة المقبلة أن نعيد تقييم الأنظمة الاقتصاديّة العربيّة لإدخالها في مراحل من التطوير والتحسين".
وحول دور جمعيّة المصرفيين العرب في بريطانيا والعالم العربي، أشار كنعان قائلاً: "نوجّه اهتمامنا بالدرجة الأولى للأعضاء في البنوك العربيّة في بريطانيا، ويهمنا في المقام الأول أن يمتد هذا الاهتمام والتواصل إلى منطقة الشرق الأوسط، خاصة عالمنا العربي، ولدينا العديد من العاملين الأكفاء في البنوك الأجنبيّة، مثل الشخصيّة البنكيّة العربيّة، سمير عساف، الذي يشغل مركزاً مرموقاً في الـ(HSBC).
هذا بالإضافة إلى أننا نسعى دائماً إلى توفير أماكن دائمة لاجتماع المصرفيين العرب الذين يعملون في البنوك الأجنبيّة مع نظرائهم العاملين في البنوك العربيّة لتحقيق نوع من التقارب الفكري وتبادل الخبرات البنكيّة، كما أننا نقوم بتوفير كافة المعلومات خاصة عن الدول التي تمر بأزمات مالية مفاجئة، لمساعدتها بالنهوض من كبوتها".
ويضيف كنعان: "أن الجمعيّة تقوم بدور مهم من خلال إتاحة الفرصة أمام البنوك الأعضاء لمناقشة الهموم المشتركة لفروعها، فبعض البنوك البنانيّة في بريطانيا لديها شراكات مصرفيّة أوروبيّة، والبعض الآخر لديه مكاتب تمثيليّة أو فروع صغيرة، فكل بنك له تركيبة مختلفة عن الأخرى، وعلاقته بالبلد الأم هي الأساس، بالإضافة إلى أن على هذه البنوك أن تخضع لمتابعات مستمرة من "بنك أوف انجلند" و"أف أس سي"، ونحن نركز على عمليّة التواصل المستمر تحت مظلة موحّدة برعاية الجامعة العربيّة".
وعلى خلفية الأزمة المالية العالميّة وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، يؤكد كنعان: "أن العديد من الدول العربيّة لم تتأثر بالأزمة، يقول: مصر ولبنان خرجتا من الأزمة، والإمارات أدارتها بمهارة ومهنيّة عالية، مع أن الحكومات العربيّة لم تتدخل لإنقاذ البنوك بصورة مباشرة، لكن البنوك أيضاً أدارت الأزمة بكفاءة".
ويؤكد: "أن موضوع كيفيّة تخطي البنوك العربيّة للأزمة المالية في غاية الأهميّة كونه ينعكس إيجابيّاً على المصرفيين العرب بشكل عام، فالأزمة المالية أثرت بشكل سلبي، وأوصلت العديد من المؤسسات المصرفيّة في العالم لخسارة فادحة، ومن حسن حظ المنطقة العربيّة أنها تخطت هذه الأزمة. فالمستثمرون خسروا والعقارات خسرت، لكن البنوك لم تخسر".
ويفسر كنعان أسباب ذلك قائلاً: "أن البنوك العربيّة تدار بشكل متحضر ومهني جداً ولم تدخل في المضاربات التي أوصلت البنوك العالميّة إلى هذه الخسارة، أما على المستوى العربي فاستفادت البنوك اللبنانيّة والمصريّة من هذه الأزمة".
أما فيما يتعلّق بدولة الإمارات فيؤكد كنعان: "أن ما حدث في دولة الإمارات بسبب تراجع السوق العقاري، تعاملت معه السلطات الإماراتيّة بمهارة عالية وإدارة متحضرة ولم يخرج هذا الموضوع عن النطاق المحلي الإماراتي، وتم حل المشكلة بمهنيّة عالية جداً. وبالرغم أن حجم الأزمة كان هائلاً؛ لكن التجربة الإماراتيّة الجيدة تعتبر أفضل مثال على كيفيّة تجاوزها".
وعلى المستوى العربي، يقول كنعان: "إن الإدارة البنكيّة العربيّة لاتعاني من فساد بنكي، والعقليّة البنكيّة عمليّة جداً، وقد أثبتت الأزمة بأننا من المتقدِّمين مصرفيّاً، بينما ينظر لنا الغرب دائماً بأننا لا نملك مهارة الإدارة المصرفيّة الكاملة في الأزمات، ولكن الأزمة أثبتت عكس ذلك".
ويضيف: "أن لدى المؤسسات الأم للبنوك العربيّة دور مهم في توجيه الاستثمارات نحو المنطقة العربيّة، وهذه المؤسسات هي التي توجّه الاستثمارات لبلدان بعينها، ولكن من الممكن أن يحدث هذا بمشاركة بعض البنوك الأجنبيّة في المنطقة العربيّة".
وينفي كنعان مضامين بعض التقارير التي أشارت إلى قيام بعض البنوك العربيّة الكبيرة بتهريب أموال كبيرة إلى بريطانيا بعد اشتعال فتيل الأزمة المالية، حيث يقول: "أعتقد أن هذه التقارير مبالغ بها، ولم يتم تهريب المليارات كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، وأنا لديّ نظريّة في هذا المجال تقول: بأن من يستثمر بعيداً عن بلده يحقق مقولة الراحل رفيق الحريري (مالك اللي مش في بلدك، لا إلك ولا لولدك).
ويواصل كنعان حديثه قائلاً: "مهمتنا في الجمعيّة أن نزرع الأفكار الجديدة ونثير التساؤلات ونفتح المجالات، وأنا شخصيّاً أتولى هذه الأمور بصفة شخصيّة، وقد نتج عن ذلك أن البنك المركزي اللبناني بدأ التحرُّك إلى بريطانيا لخوض هذه التجربة وكنت أتمنى أن يصل هذا التحرُّك إلى مصر، لأن هذا التحرُّك سيكون مفيداً جداً ويساعد في حل العديد من المشكلات التي ألمت بها مؤخراً".
ويشير كنعان: "أنه لا وجود لأي دور لرجال الأعمال، والتركيز ينحصر على المصارف العربيّة، خصوصاً وأن الاجتماعات مع رجال الأعمال لا تتم إلا في الحفلات والندوات العامة بصفة وديّة وليست رسميّة". لكن من جهة أخرى لاينفي كنعان وجود بنوك أجنبيّة أعضاء في جمعيّة المصرفيين العرب، يقول: "أبرز هذه البنوك "نيويورك ميلون"، وهو بنك يرأسه هاني القبلاوي وهو فلسطيني الأصل، ويعد من أهم البنوك الأمريكيّة وله علاقات جيدة مع المصرفيين والاقتصاديين العرب، ومن المفيد للبنوك العربيّة هذه التوأمة، ونعمل سوياً كأعضاء".
ويشجع كنعان على أهميّة انضمام بنكل HSBC للجمعيّة، ويسوغ ذلك قائلاً: "بدون شك أن بنك (HSBC) قوي ومنتشر في أغلب البلدان العربيّة وله استثمارات ضخمة في الشرق الأوسط، وسيكون له أثر بالغ الأهميّة في حالة انضمامه إلينا، ونحن في احتياج كامل لهذا الانضمام، كما نحاول من خلال رجال البنك وبعض قادته من أصول عربية تمهيد عمليّة الانضمام للجمعيّة ونأمل أن تتم بنجاح".
أما فوائد هذا الانضمام فيلخصها كنعان قائلاً: "هناك مجموعة فوائد كبيرة، فهو يضم مجموعة من خيرة الشخصيّات البنكيّة العربيّة، فلماذا لا نضم هذه العقول للجمعيّة العربيّة، وأيضاً يمتلك خبرات استثماريّة عالميّة عالية الجودة، إضافة إلى استثمارات ضخمة وحسابات عربية كبيرة جداً، وبالطبع سيكون إضافة اقتصادية هامة للجمعية، وبدورنا سنقدم له عملية دفع أكثر في المجال الاستثماري من خلال الجمعية في المنطقة العربية".
في سبيل تنويع الاستثمارات العربيّة
وفيما يتعلق بحجم البنوك العربية في لندن، فيؤكد كنعان، أن البنوك العربية تبلغ حوالي 24، ليست كلها بنوك، وإنما بعضهم مكاتب تمثيل فقط. والبنوك بشكل عام تخدم البلاد الأم، فمثلاً المستثمر السعودي يركز على استثماراته من خلال البنك السعودي والمصري من خلال البنك المصري، لكننا نأمل أن يكون هناك تنوع لاستثمارات السعوديين في البنك المصري والعكس، لإحداث نوع من التنويع في الاستثمارات العربية، وهذا بالطبع مفيد للجمعية وللبنوك، ونحن لا ننكر أن البنك السعودي يساعد الجالية السعوديّة في لندن ويقدم لها كافة الخدمات اللازمة.
ويضيف قائلاً: "نريد من البنوك العربية أن تقدم كل الخدمات لمنطقتنا العربية، وأعطي هنا مثالاً عن بنك "عودة" اللبناني الذي له في مصر فقط أكثر من ثلاثين فرعاً بالاضافة إلى سوريا والأردن والسعوديّة وقطر، وبنك الكويت له أيضاً عدة فروع، وبنك الإمارات وبنوك أبوظبي لديهم عدة فروع في المنطقة العربية. أنا أرى أنه يجب أن تنتشر البنوك العربيّة في منطقتنا العربيّة أكثر من ذلك.
وحول تقديراته لحجم الاستثمارات العربية المنفذة في بريطانيا فيؤكد كنعان قائلا: "لا شك أن هناك أرقاماً كبيرة جداً للأنشطة التي يقوم بها المستثمرون العرب خاصة في مجال العقارات والمتاجر، وأكبر دليل متجر "هارودز" ونادي "مانشيستر سيتي" ونادي "فولهام"، والكل يعلم أن البلاد العربية مصدرة للثروة وليست مستوردة لها، فالأموال العربية هنا وفي أوروبا وأمريكا تدير مشروعات عديدة لكن يصعب حصر قيمتها المالية". ويشير كنعان حول المساعدات التي تقدمها الجمعية للمستثمرين العرب، أن البنوك بوجه عام تقدم المساعدات اللازمة، إلى جانب ما تقدمه الجمعية من الدراسات اللازمة للعمليّة الاستثمارية.
جهود متواضعة
يشير جوج كنعان، رئيس جمعية المصرفيين العرب في بريطانيا، إلى أن هناك جهود بسيطة بذلت في سبيل تقديم بعض المساعدات لدول عربيّة عانت من الأزمات مؤخراً بسبب الاضطرابات السياسيّة والاجتماعيّة، حيث يقول: "لم نقم بتقديم مساعدات مباشرة لبعض الدول العربيّة، بالرغم أنه جاري الاتصال مع (Europe Bank) لمساعدة بعض الدول بصورة سريعة، وقد وصلنا لحل في مصر فقط، أما البلاد الأخرى فلم يحدث أي اتصال أو عرض لمشاكلهم على جمعيّة المصرفيين العرب، ولكننا نحاول التواصل للمساهمة في الحل. لكن على المستوى المصري اتصلت بالسيد فاروق العقدة، رئيس البنك المصري وكان هناك تفاهماً بين الجمعيّة والسلطات المصريّة وساهمنا في وضع بعض الحلول".
أما السب وراء غياب رؤية واضحة حول التوعية الاقتصادية في البلدان العربية، فيؤكد كنعان: "أن هذا الموضوع ينال اهتمام الجمعية الآن، حيث تقوم الجمعية بالإعداد له وتأمين برامج تدريبية للموظفين، ونقل الخبرات للمنطقة العربية في محاولة لخلق برامج متكاملة للتدريب قريباً".
ويشير كنعان بأن هناك أفكار قيد الدراسة لإقامة معرض في دول الخليج حول البنوك العربية العاملة في بريطانيا، معتبراً أنها فكرة رائعة، والجمعية على استعداد لإقامة هذا المعرض في أبوظبي، بعد التشاور مع رجال الأعمال والبنوك هناك، والباب مفتوح للمناقشة وعرض الرؤى والأفكار، ونتمنى أن نقيم المعرض البنكي العربي الأول في أبوظبي في أقرب وقت. لكن كيف يتم توجيه العملاء العرب للبنوك العربية بدلاً من البنوك الأجنبية، فالاجابة من قبل كنعان تتلخص: "بأن أهم شيء هو تطوير القدرات والخبرات العربية التي تعمل هنا، وتوفير دورات للعاملين لمواكبة التطورات البنكية العالمية، ومد جسور الثقة بين العميل والبنك العربي، لأن وجود المستثمر العربي في البنوك الأجنبية يعطي انطباعاً واضحاً بأن البنوك العربية فشلت في جذب المستثمرين العرب، فهدفنا الأساسي كيفية جذب المستثمر العربي وتقديم حزمة من الحوافز، فإذا لم نستحوذ على الاستثمارات العربية هنا من خلال مصارفنا فقد فشلنا فشلاً ذريعا".
ويضيف: "أن الامتداد المصرفي العربي في المنطقة العربية يؤدي الى الطريق الأفضل، لأن الفائدة ستكون كبيرة وستوفر فرصة للنمو في منطقة يفهم بعضها البعض، وسيساعد ذلك في نقل الاستثمار العربي بين البلاد العربية، كما سيساهم ذلك في اقامة العديد من المشروعات الخدمية التي تتطلع لها العديد من الشعوب، فمن الممكن أن تستثمر البنوك في المجال الزراعي في مصر، والعقارات والسياحة في دولة الإمارات، فالمنطقة العربية مؤهلة للعديد من الاستثمارات وعالمنا العربي متعدد الظروف المناخية والاقتصادية والطبيعية والأنشطة المختلفة. هذه حضارتنا ولغتنا التي يجب أن نهتم بها اقتصادياً وبالطبع سيؤدي هذا الامتداد لتوسعة أفق المجال الاستثماري بصورة طبيعية تؤدي في النهاية إلى تحسين الوضع المصرفي في المجتمعات العربية.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: