أسواق النفط تُسعّر اتفاق واشنطن وطهران.. ومحللون لـ أرقام: عودة الإمدادات تدريجيًا والأسعار تحت الضغط

بدأت أسواق الطاقة العالمية إعادة تسعير تداعيات الحرب، بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء الحرب، وتمديد وقف إطلاق النار 60 يوماً، وفتح مسار تفاوضي للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وكانت الحرب قد اندلعت في 28 فبراير، لتتحول سريعاً من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية انعكست على أسواق الطاقة والشحن والتأمين، مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز وارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط.
وتتضمن المذكرة إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً أمام الملاحة التجارية، ورفع أو تخفيف القيود المرتبطة بصادرات النفط الإيرانية، وإلغاء تجميد بعض الأصول، إلى جانب مواصلة التفاوض حول القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف النووي والعقوبات.
النفط يتراجع مع انحسار علاوة المخاطر
وانعكس الاتفاق سريعاً على أسواق النفط، إذ تراجع خام برنت إلى نحو 77.41 دولار للبرميل، وهو أدنى مستوى في 3 أشهر ونصف الشهر، كما هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 74.43 دولار للبرميل، مع تحول تركيز السوق من مخاطر نقص المعروض وتعطل الملاحة عبر هرمز إلى احتمالات عودة النفط الإيراني وزيادة الإمدادات.
وفي هذا السياق، قال نادر إيتيم، محرر أسواق الخليج والشرق الأوسط في أرغوس ميديا، إن تراجع الأسعار خلال الأسبوع الماضي جاء مدفوعاً بشكل رئيسي بتوقعات زيادة المعروض، مع ترقب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.

نادر إيتيم محرر أسواق الخليج والشرق الأوسط في أرغوس ميديا
وأضاف إيتيم أن الأسواق تبدو متفائلة أكثر من اللازم حيال أثر الاتفاق، وقد تكون بالغت في تقدير حجم التأثير وسرعة عودة الإمدادات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية.
وأشار إلى أنه من الممكن أن تشهد أسعار النفط خلال الأيام التالية لتوقيع الاتفاق ارتداداً محدوداً أو استقراراً نسبياً، إلى حين اتضاح الأثر الفعلي لمذكرة التفاهم على تدفقات النفط من المنطقة.
وأوضح أن زيادة الإمدادات لن تكون فورية بالضرورة، رغم وجود كميات من النفط في منطقة الخليج تحتاج إلى الخروج عبر مضيق هرمز، مبيناً أن هذه العملية قد تتم بسرعة إذا عادت الأوضاع إلى طبيعتها، لكن لا تزال هناك اختناقات لوجستية يجب تجاوزها قبل عودة التدفقات إلى مستوياتها المعتادة.
من جانبه، قال نافين داس، كبير محللي النفط الخام في كبلر، إن تراجع أسعار النفط عقب الاتفاق يعكس انخفاضاً محدوداً في علاوة المخاطر الجيوسياسية على امتداد منحنى الأسعار، إلى جانب افتراض السوق عودة التدفقات عبر مضيق هرمز، وهو ما يضغط على الأسعار الفورية.

نافين داس كبير محللي النفط الخام في كبلر
وأضاف داس أن الجزء الخلفي من منحنى الأسعار بدأ يعكس جزئياً احتمال تخفيف العقوبات على إيران، مبيناً أن هذا العامل لم يتم تسعيره بالكامل بعد، وأن تأكيد رفع العقوبات قد يقود إلى مزيد من الضغوط النزولية على الأسعار.
مؤشرات أولية على عودة حركة الشحن عبر هرمز
تشير بيانات تتبع السفن، وفقاً لما نقلته بلومبرغ، إلى بدء عبور بعض ناقلات النفط والغاز مضيق هرمز، في مؤشر أولي على استجابة قطاع الشحن للاتفاق المرحلي بين واشنطن وطهران، حيث أعادت 3 ناقلات نفط سعودية محملة تابعة لشركة البحري، تشغيل إشاراتها في خليج عُمان يوم الخميس، بعد أن ظلت عالقة داخل الخليج منذ بداية الحرب.
وأضافت بلومبرغ أن سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال القطري وناقلة وقود صينية خرجتا كذلك من المنطقة، ما يعكس بداية عودة تدريجية لحركة الشحن عبر المضيق، مع بقاء استعادة التدفقات الطبيعية مرهونة باستقرار الترتيبات الأمنية والملاحية والتأمينية.
وأوضح إيتيم أن زيادة الإمدادات لن تكون فورية بالضرورة، رغم وجود كميات من النفط في منطقة الخليج تحتاج إلى الخروج عبر مضيق هرمز، مبيناً أن هذه العملية قد تتم بسرعة إذا عادت الأوضاع إلى طبيعتها، لكن لا تزال هناك اختناقات لوجستية يجب تجاوزها قبل عودة التدفقات إلى مستوياتها المعتادة.
الصادرات الإيرانية.. عودة سريعة للمخزونات وزيادة تدريجية للإنتاج
وفيما يتعلق بإيران، قال إيتيم إن صادراتها النفطية سجلت انخفاضاً حاداً خلال الشهر ونصف إلى الشهرين الماضيين، مستبعدا أن تستغرق عودتها وقتاً طويلاً، نظراً لامتلاك إيران كميات كبيرة من النفط ومخزونات مرتفعة داخل البلاد، إلى جانب كميات مخزنة بحرياً على متن ناقلات يمكن ضخها إلى السوق بسرعة نسبية.
وبيّن أن هذه الكميات المخزنة قد توفر لإيران هامشاً مؤقتاً يسمح لها بزيادة الصادرات، في الوقت الذي تعمل فيه على رفع الإنتاج من بعض الحقول التي جرى خفض إنتاجها خلال الفترة الماضية.
وأشار إيتيم إلى أن أحدث تقديرات أرغوس تضع إنتاج إيران النفطي حالياً بين 2.4 و2.5 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو 700 إلى 800 ألف برميل يومياً من مستويات الإنتاج قبل بداية الحرب.
وأوضح أن عودة الإنتاج الإيراني إلى مستويات ما قبل الحرب لا تمثل زيادة ضخمة بالمعنى الإنتاجي، لكنها ستحتاج إلى بعض الوقت، مبيناً أن دول المنطقة، ومنها إيران، كانت لديها فرصة للتخطيط لعمليات خفض الإنتاج، ولذلك من المرجح أنها خفضت الإنتاج من الحقول الأسهل في إعادة التشغيل، وتجنبت الحقول الأعلى مخاطرة أو الأكثر تعقيداً للحفاظ على طاقتها الإنتاجية طويلة الأجل.
من جانبه، قال داس إن عودة الصادرات الإيرانية ستكون في البداية موجهة على الأرجح إلى الصين بوصفها المشتري الرئيسي، حتى في حال رفع العقوبات بالكامل، نظراً إلى حاجة الدول الأخرى لإعادة بناء خطوط الائتمان والبنية التحتية المصرفية والترتيبات المرتبطة بالشحن والتأمين والخدمات اللوجستية اللازمة للتعامل مع إيران.
وبيّن أنه مع بقاء مضيق هرمز مفتوحاً ورفع العقوبات، يمكن أن تعود الصادرات الإيرانية إلى مستويات ما قبل الحرب خلال بضعة أسابيع، فيما قد تقترب الكميات من مليوني برميل يومياً بعد فترة الـ 60 يوماً الخاصة بالاتفاق، مع دخول مشترين إضافيين إلى السوق.
وأكد داس أن أي زيادة كبيرة ومستدامة في الصادرات ستظل مرتبطة بقدرة إيران على رفع إنتاجها النفطي، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية، مشيراً إلى أن عودة النفط الإيراني بصورة غير خاضعة للعقوبات ما زالت مرهونة باستقرار الاتفاق واستدامة تخفيف العقوبات.
علاوة المخاطر لن تختفي بالكامل
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، قال داس إن السوق سيواصل الاحتفاظ بجزء من علاوة المخاطر، نظراً لاستمرار المخاطر في المنطقة، إضافة إلى احتمال وقوع هجمات متفرقة على السفن في حال عودة التوترات، مشيراً إلى أن بعض التدفقات ستواصل استخدام مسارات بديلة عبر خطوط الأنابيب بأقصى طاقة ممكنة لتقليل الاعتماد على هرمز.
وتوقع داس عودة التدفقات عبر المضيق إلى ما لا يقل عن 80% من مستوياتها الطبيعية في حال تنفيذ مذكرة التفاهم، مع استمرار وجود علاوة مخاطر نسبية في الأسعار بعد التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
وقال إيتيم إن السوق سيبقي هو الآخر على علاوة مخاطر في الأسعار، لأن الاتفاق لا يمثل اتفاق سلام شاملاً يمكن للسوق الاعتماد عليه بشكل كامل، بل هو اتفاق مؤقت يهدف نظرياً إلى الحد من القتال وفتح نافذة للمحادثات.
وأشار إلى أن استمرار انعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب وجود قضايا معقدة تحتاج إلى نقاش خلال فترة الـ 60 يوماً، ما يعني أن مخاطر تعثر الاتفاق لا تزال قائمة، مرجحاً أن تستغرق معالجة هذه القضايا وقتاً أطول من المهلة المحددة.
وبيّن أن احتمال عودة التوترات في المنطقة سيظل قائماً خلال هذه الفترة، ما قد يعيد السوق إلى حالة من المخاطر المرتفعة، حتى وإن لم تصل الأمور إلى حرب شاملة.
ولا تقتصر انعكاسات الاتفاق على النفط فقط، إذ تمتد إلى سوق الغاز الطبيعي المسال، خاصة مع ترقب عودة الصادرات القطرية عبر مضيق هرمز. وذكرت تقارير أن قطر للطاقة تستهدف إعادة الإنتاج إلى نحو 50% من الطاقة التشغيلية خلال شهر، وإلى 80% خلال شهرين، بعد استئناف المرور الآمن عبر المضيق.
أوبك+ تراقب دون تحرك فوري
وفيما يتعلق بموقف أوبك+، قال داس إن التحالف لا يبدو قلقاً حالياً من احتمال عودة النفط الإيراني، ومن المرجح أن يكتفي بمراقبة التطورات ما لم يحدث تغير جوهري في السوق، كما حدث سابقاً مع فنزويلا.
وأضاف أن أوبك+ يبدو مستمراً في مسار إعادة الإمدادات وخفض الطاقة الإنتاجية الفائضة المتاحة في السوق، وهو ما يوفر نوعاً من الأرضية السعرية غير المباشرة، نتيجة تراجع قدرة السوق العالمية على امتصاص صدمات الإمدادات.
من جانبه، قال إيتيم إن عودة النفط الإيراني لا تمثل مصدر قلق بشكل فوري للتحالف، خصوصاً أن السوق يعاني حالياً من عجز كبير في المعروض، كما أن عدة دول، من بينها إيران، ستحتاج إلى وقت لزيادة إنتاجها.
وأضاف أن إيران لن تكون على الأرجح مصدر توتر داخل أوبك خلال الشهر أو الشهرين المقبلين، لكن التحالف سيضطر إلى أخذ الأمر في الاعتبار إذا عاد الإنتاج الإيراني إلى مستويات ما قبل الحرب.
وأوضح أن أوبك لم تتمكن تاريخياً من فرض حصص أو تسقيف إنتاجية صارمة على الدول التي تعرض إنتاجها لقيود لفترات طويلة، إذ عادة ما تطالب هذه الدول بالسماح لها بالإنتاج عند أقصى مستوى ممكن لتعويض الفاقد السابق.
وأشار إلى أنه لا يتوقع عودة إيران في الأجل القصير إلى مستويات الإنتاج القصوى التي سبقت العقوبات، والتي تقترب من 3.8 مليون برميل يومياً، مرجحاً أن تكون العودة مبدئياً إلى مستويات ما قبل الحرب فقط.
وبيّن أن عودة إيران إلى مستويات ما قبل الحرب لن تمثل صدمة كبيرة لأوبك، لأن حصص التحالف وترتيباته السابقة كانت تفترض بالفعل إنتاج إيران عند تلك المستويات، ما يعني أن السوق يمكنه استيعاب هذه البراميل دون تعقيدات كبيرة.
وأكد أنه في حال وصلت إيران بعد 6 إلى 12 شهراً إلى مستويات إنتاج أقرب إلى طاقتها القصوى، مع رفع العقوبات، فسيكون من المرجح حدوث إعادة ضبط داخل أوبك.
وأضاف أن هذا التعديل كان متوقعاً على أي حال بنهاية العام، مع انتهاء بعض الدول من إعادة كميات الإنتاج المخفضة، واستمرار تحالف أوبك في مراجعة الطاقات الإنتاجية للدول الأعضاء بهدف وضع إطار جديد وحصص إنتاجية محدثة اعتباراً من عام 2027.
برنت بين 64 و85 دولاراً في تقديرات المحللين
في تقديرات بيوت الخبرة، خفض غولدمان ساكس توقعاته لأسعار النفط بعد الاتفاق، متوقعاً أن يبلغ متوسط خام برنت 80 دولاراً للبرميل في الربع الرابع من عام 2026، مقابل توقعاته السابقة البالغة 90 دولاراً، كما خفض توقعاته لمتوسط برنت في 2027 إلى 75 دولاراً من 80 دولاراً.
وفيما يخص الأسعار، توقع نافين داس، محلل أول لأسواق النفط الخام في كبلر، أن يتحرك خام برنت، في ظل الشكل الحالي للاتفاق، بين 75 و85 دولاراً للبرميل حتى نهاية العام، بدعم من احتمال عودة الصين للشراء بقوة بهدف إعادة بناء مخزوناتها الاستراتيجية.
وأشار إلى أنه في حال رفع العقوبات عن الخام الإيراني وارتفاع الصادرات بنحو 200 ألف برميل يومياً إضافية، فقد تميل الموازين إلى وفرة أكبر، ما قد يدفع أسعار برنت للاقتراب من مستوى 70 دولاراً للبرميل.
في المقابل، توقع إيتيم، وفق أحدث تقديرات أرغوس، أن تسجل أسعار النفط انخفاضاً تدريجياً إلى نحو 64 دولاراً للبرميل بنهاية العام.
تحول مؤقت أم هيكلي؟
حول المديين المتوسط والطويل، قال إيتيم إن عودة النفط الإيراني تبدو أقرب إلى تحول مؤقت في المرحلة الحالية وليست تحولاً طويل الأجل، لأن ذلك يعتمد على مسار الاتفاق ومدى صموده، مضيفاً أنه يميل إلى الاعتقاد بأن الوصول إلى اتفاق نهائي قد لا يكون سهلاً في ظل اتساع الفجوة بين مواقف الطرفين.
وأوضح أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق نهائي ورفع العقوبات، وعودة إيران إلى مستويات إنتاج ما قبل العقوبات، فإن الزيادة الإضافية في الإنتاج لن تكون ضخمة للغاية مقارنة بمستويات ما قبل إعادة فرض العقوبات في منتصف 2018، إذ تقدر الطاقة الإنتاجية الإيرانية بنحو 3.8 إلى 3.9 مليون برميل يومياً.
من جانبه، أكد داس أن عودة النفط الإيراني بشكل كامل ستكون تحولاً هيكلياً في سوق النفط العالمية إذا تمت بصورة مستدامة ودون عقوبات، موضحاً أن ذلك قد يأتي ضمن اتجاه أوسع نحو عودة براميل كانت خاضعة للعقوبات، بما في ذلك فنزويلا وربما روسيا مستقبلاً، وهو ما قد يزيد المعروض العالمي ويدفع الأسعار إلى مستويات أقل على المدى الطويل.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: