رفع سقف الدفع الآجل إلى 10 آلاف ريال.. فرصة للنمو أم زيادة للمخاطر؟

مبنى البنك المركزي السعودي
يفتح قرار البنك المركزي السعودي رفع الحد الأقصى للتمويل في نشاط "اشتر الآن وادفع لاحقًا" إلى 10 آلاف ريال بموجب تعميم صادر في 24 ديسمبر 2025، مرحلة جديدة من نمو القطاع، مع توقعات بارتفاع متوسط قيمة العمليات وتوسع الشركات في التمويل الاستهلاكي، مقابل زيادة احتياجاتها إلى السيولة ورأس المال وارتفاع أهمية إدارة المخاطر الائتمانية.
ويقصد بالدفع الآجل تمويل العميل لشراء السلع أو الخدمات من المتاجر دون كلفة أجل مستحقة عليه، على أن تسدد قيمة المشتريات لاحقًا وفق أقساط محددة.
ولا يعني القرار منح جميع العملاء الحد الأقصى تلقائيًا، إذ سيظل تحديد سقف التمويل مرتبطًا بتقييم الجدارة الائتمانية والقدرة على السداد، وفق مبادئ التمويل المسؤول.
ويأتي القرار امتدادًا للتطور التنظيمي الذي شهده القطاع منذ إدخاله إلى البيئة التجريبية التشريعية في 2020، مرورًا بتنظيم النشاط في 2021، ثم إصدار قواعد شركات الدفع الآجل في 2023، وصولًا إلى انتقال عدد من الشركات إلى مرحلة الترخيص التمويلي.
ووفقًا لتقديرات شركة الأبحاث Mordor Intelligence، بلغت قيمة سوق خدمات اشتر الآن وادفع لاحقًا في المملكة نحو 4.96 مليار دولار خلال عام 2025، ويتوقع أن ترتفع إلى 5.29 مليار دولار في 2026، ثم إلى 7.31 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.66% خلال الفترة من 2026 إلى 2031.
رفع متوسط المشتريات
قال فهد عبدالله الحويماني، عضو جمعية الاقتصاد السعودية وعضو مجلس إدارة شركة مسار النمو للتمويل، إن القرار غير ملزم لشركات الدفع الآجل، إلا أن له أبعاداً مهمة وتأثيرات عديدة، فالأمر متروك للجدارة الائتمانية للعميل والاعتماد في ذلك على القدرات الداخلية لتلك الشركات وتوفر خدمات تقييم ائتماني خارجية، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على توظيف الذكاء الاصطناعي في ذلك.
وأوضح أن العديد من الشركات العالمية تعتمد على الجدارة الائتمانية للعميل في تحديد الحد المتاح له، دون منح سقف موحد لجميع المستخدمين، وذلك استنادًا إلى أنظمة التقييم الائتماني الداخلية والخارجية وتحليل البيانات.
وأضاف أن القرار من المتوقع أن يسهم في رفع متوسط قيمة عمليات الشراء في السوق السعودية، ويدعم توسع الخدمة في قطاعات تقدم منتجات وخدمات ذات قيم أعلى، مثل الإلكترونيات والأثاث وغيرها من منتجات وخدمات.
وأشار إلى أن هذه القطاعات لم تكن تستفيد بصورة واسعة من الدفع الآجل سابقًا، نتيجة انخفاض الحدود المتاحة وتركز الخدمة في المشتريات الاستهلاكية الأقل قيمة.
وبيّن الحويماني أن ارتفاع متوسط المشتريات قد ينعكس إيجابًا على إيرادات شركات الدفع الآجل، نتيجة زيادة أحجام العمليات والعمولات المحصلة من المتاجر، رغم احتمال تراجع نسب رسوم التجار تدريجيًا بفعل المنافسة ونمو حجم العمليات.
استثمارات أكبر في الذكاء الاصطناعي
وتوقع الحويماني أن يدفع القرار الشركات إلى تكثيف استثماراتها في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بهدف رفع كفاءة تقييم المخاطر وتحديد الحدود التمويلية بما يتناسب مع دخل العملاء والتزاماتهم المالية.
وتوقع الحويماني أن يدفع القرار الشركات إلى تكثيف استثماراتها في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بهدف رفع كفاءة تقييم المخاطر ومنح حدود ائتمانية أكثر دقة.
وأضاف أن إيرادات شركات الدفع الآجل سترتفع نتيجة زيادة حجم المشتريات والعمولات المحصلة من المتاجر، رغم احتمال تراجع نسب رسوم المتاجر قليلا بفعل المنافسة وحجم العمليات.
وقال إن شركات الدفع الآجل ستواجه تحديات تضطرها إلى رفع رؤوس أموالها وإبرام اتفاقيات تمويل بمبالغ أكبر مع أطراف أخرى.
وأشار إلى أن المنافسة في الأسواق المتقدمة انتقلت تدريجيًا من التركيز على رفع الحدود الائتمانية إلى تحسين تجربة المستخدم، وتسريع الموافقة، وخفض رسوم التجار، وتقديم منتجات تمويلية أكثر ابتكارًا.
وفيما يتعلق بهيكل المنافسة، قدّرت Mordor Intelligence حصة شركات التقنية المالية المتخصصة بنحو 46.97% من السوق السعودية في عام 2025، إلا أنها توقعت أن تسجل خدمات الدفع الآجل المرتبطة بالبنوك أعلى معدل نمو، بنسبة سنوية مركبة تبلغ 28.85% حتى عام 2031.
وأرجع التقرير النمو المتوقع للخدمات المرتبطة بالبنوك إلى استفادتها من قواعد العملاء القائمة وانخفاض تكلفة التمويل، بما يمنحها قدرة أكبر على تقديم فترات سداد أطول ومنافسة شركات التقنية المالية المتخصصة.
بلوم إنفست: عوائد مرتفعة يقابلها اعتماد على التمويل الخارجي
قال أفنان خان، رئيس الأبحاث في بلوم إنفست، وجواهر سعيد، محللة أولى لدى الشركة، إن نموذج أعمال شركات الإقراض، سواء البنوك أو شركات التمويل غير المصرفية، يرتكز على 4 عناصر رئيسية هي: العائد على التمويل، وإيرادات الخدمات، والتكاليف التشغيلية والضريبية، والرافعة المالية.
وأوضحا أن نموذج أعمال شركات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" يعتمد بشكل شبه كامل على اقتصاديات الإقراض المموّل من التجار، إذ يجمع بين صافي هامش دخل فائدة مرتفع للغاية ورافعة مالية مرتفعة، مع قاعدة تكاليف تتماشى إلى حد كبير مع نظيراتها العالمية، وهو ما يدعم الربحية القوية للقطاع.
وأضافا أن تحليل القوائم المالية يكشف عن اختلاف بين نموذجي عمل تابي وتمارا، إذ لا تزال تابي أقرب إلى نموذج الدفع الآجل المتخصص، بينما تحولت تمارا إلى منصة تجمع بين الدفع الآجل والتمويل الاستهلاكي، بعد حصولها على ترخيص مزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي في مارس 2025.
وبحسب تحليل بلوم إنفست، بلغ العائد الفعلي على التمويل لدى تابي نحو 19.5% في الربع الأول 2026، وهو مستوى قريب من العائد المسجل لدى شركة Klarna العالمية والبالغ 22.4%.
وفي المقابل، ارتفع العائد الفعلي على التمويل لدى تمارا إلى 31.7% في الربع الأول 2026، مقارنة بنحو 20% خلال 2025، مدعومًا بتوسعها في التمويل الاستهلاكي بعد حصولها على الترخيص، لتتجاوز بذلك كلًا من تابي وتسهيل.
وأشارا إلى أن الجمع بين شبكة متاجر الدفع الآجل ومنتجات التمويل الأطول أجلًا وفر لتمارا محركًا أقوى للإيرادات، لكن استدامة هذا النمو تبقى مرتبطة بقدرة الشركة على إبقاء خسائر الائتمان تحت السيطرة.
وبلغ صافي هامش التمويل بعد احتساب تكلفة التمويل وخسائر الائتمان نحو 12.9% لدى تابي، مقابل 16.4% لدى تمارا، وفق احتساب بلوم إنفست كنسبة من إجمالي الأصول.
وجاء ارتفاع هامش تمارا رغم وصول خسائر الائتمان لديها إلى ما يعادل 10% من الأصول، مقارنة بـ 3.2% لدى تابي، ما يعكس أن التوسع في المنتجات الأعلى عائدًا قد يصاحبه ارتفاع في التعرض لمخاطر الائتمان.
أبرز المؤشرات
|
المؤشر |
تابي |
تمارا |
متوسط البنوك السعودية |
|
إجمالي الأصول |
1.6 مليار دولار |
1.8 مليار دولار |
-- |
|
العائد الفعلي على التمويل |
19.5 % |
31.7 % |
5.3 % |
|
تكلفة التمويل |
(3.4 %) |
(5.2 %) |
(2.7 %) |
|
خسائر الائتمان |
(3.2 %) |
(10.0 %) |
(0.2 %) |
|
صافي هامش التمويل بعد التكلفة والخسائر |
12.9 % |
16.4 % |
2.4 % |
|
المصروفات التشغيلية والضرائب |
(8.0 %) |
(7.0 %) |
(1.3 %) |
|
صافي الربح إلى الأصول |
4.6 % |
7.4 % |
1.7 % |
|
الأصول إلى حقوق الملكية |
8.4 مرة |
9.8 مرة |
6.9 مرة |
|
العائد على حقوق الملكية |
38 % |
72 % |
12 % |
ورغم تفوق شركات الدفع الآجل في العائد على التمويل والعائد على حقوق الملكية مقارنة بالبنوك، فإن اعتمادها على مصادر تمويل خارجية يجعل نمو المحافظ والربحية عرضة للتأثر بتشدد أسواق رأس المال أو انخفاض شهية المستثمرين أو ارتفاع تكاليف التمويل.
اختلاف هياكل التمويل
قال خان وسعيد إن تكاليف التمويل لدى أكبر شركات الدفع الآجل في المملكة لا تزال تنافسية نسبيًا، إلا أن هياكل التمويل تختلف من شركة إلى أخرى.
وأوضحا أن تابي تعتمد على تسهيلات مرابحة مؤسسية ذات أولوية، فيما تستخدم تمارا هيكل توريق مدعومًا بالأصول وموزعًا على شرائح تمويلية متعددة.
وأضافا أن شركة تسهيل تعتمد على تسهيلات مرابحة مقدمة من البنوك التجارية في المملكة، بينما تتمتع البنوك التقليدية بميزة تتمثل في اعتمادها بصورة رئيسية على ودائع العملاء.
وأكدَا أن اعتماد شركات الدفع الآجل على مصادر تمويل خارجية يجعل نمو محافظها وربحيتها أكثر تأثرًا بأوضاع أسواق رأس المال ومدى إقبال المستثمرين والممولين واتجاهات تكلفة التمويل.
وبالتالي، فإن ارتفاع تكاليف التمويل أو تراجع شهية المستثمرين قد يحد من قدرة الشركات على التوسع، حتى في حال استمرار الطلب القوي على خدمات الدفع الآجل.
نمو قوي مرشح للاعتدال
أوضح المحللان أن التوسع المبكر للقطاع استفاد من انخفاض معدلات انتشار الخدمة، ووجود فجوة في الائتمان الاستهلاكي، ومحدودية حلول التقسيط المقدمة من البنوك، إلا أن نضج السوق سيؤدي تدريجيًا إلى عودة النمو إلى مستويات أكثر طبيعية.
وتوقع خان وسعيد استمرار نمو القطاع خلال السنوات المقبلة، مدعومًا باستمرار فجوة الائتمان الاستهلاكي، وتوسع التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، وزيادة اعتماد الخدمة لدى المتاجر.
كما سيدفع نمو القطاع التوسعُ في التمويل الاستهلاكي ذي الآجال الأطول، وارتفاع متوسط قيم الطلبات بعد زيادة حدود التمويل، وتطوير منظومات مالية أوسع تتجاوز خدمات «اشتر الآن وادفع لاحقًا»، في حين سيكون الوصول إلى مصادر تمويل أكبر وأكثر تنوعًا أمرًا أساسيًا للحفاظ على نمو المحافظ مستقبلًا.
أثر رفع السقف على التمويل وجودة المحافظ
قال خان وسعيد إن رفع الحد الأقصى للتمويل سيزيد احتياجات الشركات إلى السيولة ورأس المال، ما يستلزم من مزودي خدمات «اشتر الآن وادفع لاحقًا» تأمين تمويل إضافي، فيما سيظل تأثيره على جودة الائتمان مرتبطًا بتوجيه الحدود الأعلى إلى العملاء الحاليين ذوي الجدارة الائتمانية، إلا أن الجودة قد تتدهور إذا تم توسيع نطاق التمويل ليشمل المقترضين الأعلى مخاطرة.
وأضافا أن شركات القطاع قد تحتاج إلى توسيع اتفاقياتها التمويلية أو تعزيز رؤوس أموالها، خصوصًا إذا أدى القرار إلى نمو سريع في المحافظ أو التوسع في تمويل مشتريات ذات قيم مرتفعة.
وأشارا إلى أن أثر القرار على جودة المحافظ سيعتمد على آلية منح الحدود الجديدة، إذ يمكن احتواء المخاطر إذا ركزت الشركات على العملاء الحاليين ذوي السجلات الائتمانية الجيدة والقدرة المثبتة على السداد.
أما في حال التوسع في منح الحدود الأعلى إلى شرائح أوسع أو أعلى مخاطرة، فقد ترتفع معدلات التعثر والمخصصات، بما يضغط على جودة المحافظ وربحية الشركات.
وتوقعا أن يؤدي القرار إلى زيادة قيمة العمليات، وإلى ارتفاع عددها بدرجة أقل، من خلال تمكين العملاء من تنفيذ مشتريات أكبر وزيادة الإنفاق عبر الخدمة.
وأضافا أن الربحية قد تتحسن إذا وُجهت الحدود الأعلى إلى العملاء ذوي الجدارة الائتمانية، لكنها قد تتراجع إذا أدى ذلك إلى تكاليف تمويل أعلى أو ارتفاع في خسائر الائتمان.
توسع الاستخدام داخل المتاجر
من جانبه، قال سليمان العساف، اقتصادي ومستثمر في رأس المال المخاطر، إن قطاع اشتر الآن وادفع لاحقًا يعد من القطاعات الحديثة والواعدة في المملكة، مشيرًا إلى أن الخدمة تلبي احتياجات شريحة من العملاء الذين قد يواجهون صعوبة في الحصول على تمويل مصرفي، أو لا يزالون في بداية بناء سجلهم الائتماني.
وأوضح أن الخدمة تتميز بسرعة الحصول على الموافقة وسهولة إجراءات الشراء، ما يمنح المستهلك مرونة في إدارة السيولة وتوزيع قيمة المشتريات على دفعات.
وتوقع العساف أن يسهم رفع الحد في زيادة الطلب على الخدمة وتسريع نمو القطاع خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن القرار سيعزز قدرة المستهلكين على شراء سلع وخدمات ذات قيم أعلى، كما سيدعم شركات الدفع الآجل من خلال زيادة أحجام التمويل وتسريع تدوير رأس المال.
وأشار إلى أن قطاع التجزئة سيكون من أبرز المستفيدين، إذ يساعد الدفع الآجل المتاجر على زيادة المبيعات ورفع متوسط قيمة السلة الشرائية وتحويل نسبة أكبر من الزوار إلى مشترين فعليين.
ووفقًا لتقرير Mordor Intelligence، استحوذت القنوات الإلكترونية على 60.74% من السوق السعودية في عام 2025، فيما يُتوقع أن تسجل خدمات الدفع الآجل عبر نقاط البيع نموًا سنويًا مركبًا قدره 24.12% حتى عام 2031، ما يعكس توسع استخدام الخدمة داخل المتاجر الفعلية إلى جانب التجارة الإلكترونية.
واستحوذت الأزياء والعناية الشخصية على 37.18% من السوق في عام 2025، بينما توقع التقرير أن تكون الرعاية الصحية القطاع الأسرع نموًا، بمعدل سنوي مركب يبلغ 33.97% حتى عام 2031، مدفوعة بتوسع خطط التقسيط في خدمات الأسنان والبصريات والإجراءات الاختيارية.
مخاطر تراكم الالتزامات
في المقابل، أكد العساف أن توسع استخدام الخدمة قد يرفع مخاطر تراكم الالتزامات المالية لدى بعض العملاء، خصوصًا في ظل ضعف الوعي المالي أو استخدام الدفع الآجل لشراء سلع استهلاكية غير أساسية.
وأوضح أن الأقساط قد تبدو محدودة عند النظر إلى كل عملية بصورة منفردة، لكنها قد تتحول إلى التزام شهري مؤثر عند استخدام الخدمة لدى عدة متاجر أو من خلال أكثر من شركة.
وأضاف أن التأخر في السداد قد يترتب عليه رسوم تأخير وآثار سلبية على السجل الائتماني للعميل، ما يستدعي تعزيز الثقافة المالية بالتوازي مع نمو القطاع.
وأشار إلى أهمية توضيح إجمالي الالتزامات المترتبة على العميل قبل تنفيذ العملية، وليس الاكتفاء بإظهار قيمة القسط الواحد، لمساعدته على اتخاذ قرار يتناسب مع قدرته المالية.
تعليقات {{getCommentCount()}}
كن أول من يعلق على الخبر
رد{{comment.DisplayName}} على {{getCommenterName(comment.ParentThreadID)}}
{{comment.DisplayName}}
{{comment.ElapsedTime}}

تحليل التعليقات: